الرئيسية » شؤون كوردستانية » أنصاريات … طيران في {كاني كولان}1 واستشهاد النصير {نيشتمان}2

أنصاريات … طيران في {كاني كولان}1 واستشهاد النصير {نيشتمان}2

كان ذلك في شتاء عام 1983 عندما كنت أعمل في مفرزة أنصارية قوامها فصيلا واحدا يقودها عسكريا النصير سلام قوال وكنت أحد أعضاء مكتب الفصيل بصفة مستشار سياسي والنصير الشهيد زكي كان إداريا ومن المتبع ضمن النظام العسكري لوحدات الأنصار فإن المكاتب العسكرية كانت تتشكل من هذه الصفات الثلاثة ابتداء من الفصيل فما فوق .

و ثمة حاجة إلى القول كان فصيلنا تابعا لسرية أنصار يقودها الشهيد “أبو نصير الصغير” هرمز خوشابا ومعه في المكتب العسكري كل من النصيرين أبو محمود بصفة مستشار سياسي وأبو حازم بصفة إداري السرية .

ونظرا للعلاقة الإيجابية المتبادلة بين المكتب العسكري للفصيل وجميع الأنصار فيه والانسجام بين أعضاء المكتب إلى جانب اعتقادنا بأن قوام المفرزة عندما يتشكل من سرية كاملة فإنه يصبح عائقا جديا أمام حركتها ونشاطها وثم يؤدي ذلك إلى ترهلها وخصوصا إن قوام الفصيلين الذين تتشكل منهما السرية كان حينذاك يصل إلى أكثر من سبعين نصيرا بسبب التحاق أعداد متزايدة من الشبيبة مع قوات أنصار حزبنا ، ومن الطبيعي إن نشاطات حرب الأنصار في الغالب لا تحتمل هذا العدد الذي يعد كبيرا ، ولذلك وجدنا ضرورة الحصول على مساحة معينة من حرية الحركة والنشاط وهذا ما عملنا من أجله مع مكتب السرية الذي وافق بدوره بأن نتجول لوحدنا والنشاط خارج قيود هذا العدد الكبير، شريطة أن تكون العمليات العسكرية ضد الأهداف التي ننتخبها مدروسة ومخطط لها بمشاركته أو مشاركة الفصيل الثاني التابع لنفس السرية إذا كانت هذه الأهداف تحتاج إلى قوة أكبر من قوام فصيل واحد ، علاوة على إعلامه بتفاصيل برنامج حركة الفصيل عند الانفصال لفترة زمنية معينة ذلك لتسهيل استدعاءه عند الضرورة ، وحقق الفصيل وفقا لذلك العديد من المهام التعبوية والعسكرية في هذه الأثناء .

وفي كانون الأول ديسمبر من نفس هذا العام توجهت مجموعة من قيادة قاطع به هدينان ومكتب الفوج الأول الذي نتبع له عسكريا وحزبيا ، متكونة من عضو مكتب القاطع النصير ملازم هشام ومن النصير الشهيد أبو نصير لازار ميخو آمر الفوج و النصير أبو أمجد المستشار السياسي للفوج إلى الده شت للإشراف ميدانيا على عملنا فالتحمت السرية بكل قوامها والتحقت بها مجموعة الإشراف حيث كان عددها يتجاوز الـ 15 نصيرا ، وذلك للوقوف على سير العمل وتذليل المصاعب من خلال تشديد اللحمة الرفاقية بين الأنصار وتعزيز دور التنظيم الحزبي بينهم وتكثيف النشاطات التعبوية الجماهيرية ومواصلة العمليات العسكرية لتشكيل المزيد من الضغط على مؤسسات السلطة في المنطقة وإضعافها ، ثم بدأت تنعقد اجتماعات حزبية وعسكرية التي توصلت إلى العديد من التوجهات الجديدة لعملنا اللاحق .

وبدأت هذه المفرزة الكبيرة بالتجول في منطقة الده شت متنقلة بين قرى “لحفا قائيديا” وقرى “به ر بني” وهي تسمية محلية لـ القرى المحاذية للسلسلة الجبلية الممتدة بين ألقوش والشيخان وثم الوصول إلى العديد من القرى الأخرى في عمق الده شت وكان لعملية الإشراف أثر طيب في نفوس جميع الأنصار، علاوة على تأثير جولة هذه المفرزة الكبيرة ووجود قيادة الفوج بينها بشكل إيجابي على جماهير المنطقة ورفع معنوياتها والمزيد من التعاون مع مفارزنا ، وفي الجانب الآخر كانت السلطات تتحسب لهذه القوة الأنصارية ، وتتصيد لها وهذا ما لم نحسب له بشكل جيد إذ استمر تجوال هذه المفرزة في منطقة معروفة لفترة طويلة قياسا بما هو متعارف عليه من سرعة الحركة فعادة إن مجموعات الأنصار التي تخوض معارك الكر والفر لا تلجأ إلى هذا الأسلوب والبقاء في منطقة معروفة لفترة طويلة ، الأمر الذي أعطى لقوات السلطة فرصة ملائمة لمتابعة حركتنا والتخطيط للإيقاع بنا .

ففي ليلة باردة من ليالي برد كانون الأول ديسمبر كنا نتوزع على بيوت قرية بوزان القريبة من مركز ناحية ألقوش ، كان للتنظيم الحزبي فيها العديد من الركائز الحزبية تجمعها علاقة تنظيمية مناسبة ، أعضاءها كانوا نشيطين يخاطرون بكل شيء لمواصلة العمل وتزويد الأنصار بمعلومات عن تحركات السلطة وعناصرها التي تشكل عامل تهديد لنشاطنا ، إضافة إلى العديد من الأصدقاء وأقارب الأنصار إذ يقدمون لنا مساعدات ذات أهمية خاصة من النواحي الأمنية وحاجيات الأنصار الأخرى ، تجولنا في القرية وذهبنا إلى زيارة بعض المعارف والأصدقاء والرفاق من التنظيم الحزبي إذ قضينا هناك عدة ساعات مليئة باللقاءات الشخصية والحزبية وما إلى ذلك .

وبسبب ارتباط المفرزة بمهمة ليلية وتحسبا من قيام قوات النظام بتطويق القرية وتوجيه ضربة موجعة إلى قوتنا وخصوصا كانت المزيد من الأخبار تصل بأن أجهزة النظام تتعقب حركتنا خرجنا في وقت مبكر من قرية بوزان باتجاه الجبل ، وكان ضمن مخططنا أن تتوجه مجموعة من بينها قيادة الفوج لاستطلاع عدة مواقع عسكرية مرابطة في جبل ألقوش تمهيدا لتخطيط وثم تنفيذ عملية عسكرية كبيرة ضدها ، أما بقية المفرزة فكان عليها مواصلة طريقها إلى واد بالقرب من قرية “كاني كولان” وهذه البقعة تقع في بداية” الكلي ” أي الوادي وهي المكان الدائم لاستراحة الأنصار في النهار عندما تكون متواجدة في هذه المنطقة ، ولكن ثمة حاجة إلى القول إنها لم تكن المكان المناسب للمقاومة عند الحالات المفاجئة ولكنها كانت قريبة إلى منطقة وعرة من نفس هذا “الكلي” الوادي مؤهلة للمقاومة والدفاع عن النفس بشكل جيد وهذه المنطقة تسمى “كه فرى وه زيري ” 3 .

وصلنا إلى هذا المكان في وقت مبكر من الصباح واحتمينا بين الصخور وأشعلنا النيران للتدفئة إلى أن أشرقت الشمس .. إذ عندها بدأت مجاميع الأنصار تنتشر في قاع الوادي وأعدت فطورها من ما حملتها من طعام من بيوت الطيبين من أهالي قرية بوزان .. بالرغم من برد الليل فإن دفء الشمس في النهار أتاح لنا فرصة الاغتسال بماء النهر حيث مرت أيام عديدة لم نسطع الاستحمام بسبب عدم وجود أماكن آمنة لذلك ، وما أن انتهى غالبية الأنصار من الاستحمام بالتناوب وبدءوا يفترشون بين الصخور أوراق أشجار البلوط المتساقط للنوم عليها تحت دفء الشمس حتى صاح الحارس .. رفـــــــــــــــاق طيرااااااان ..!! وأضاف ، هناك طاترتان سمتيتان تتجهان نحونا .. تيقضوا .. أنتشروا..!! وحالا بدءنا بالانتشار ولكن لم يكن هناك متسع من الوقت لاتخاذ مواضع قتالية وخصوصا إن هذه البقعة لم تكن تصلح للمقاومة في حالة الطيران مثلا .. وصلت طائرتان سمتيتان إلى فوق رؤوسنا وكان لما يزل هناك بعض الأنصار في قاع الوادي فأعطيت الأوامر لهم بعدم الحركة والبقاء بين الأحراش .. أخذتا تحلقان وتحومان في سماء منطقة تواجدنا وعلى ارتفاع منخفض دون أن تجد أية حركة أو دليلا لوجودنا هناك ولكنها كانت عازمة على إفراغ حقدها في بداية هذا الوادي والتي طالما وصلتها الأخبار الأكيدة بأن هذه البقعة هي مكان استراحة الأنصار والبيشمه ركه … تكرر دورانها وتحليقها لعدة مرات دون أن تجد هدفا ترميه بنيران حقدها ، ولكنها أصرت على التحليق والدوران إلى أن وجدت دليلا أثار المزيد من الشكوك لدى قائديها ، إذ كان هناك دخان خفيف يتصاعد من بقايا نيران أحدى المجموعات التي لم تتمكن من إطفاءها بشكل كامل بسبب المفاجئة وسرعة وصول الطيران إلى موقعنا .

تأكدنا بشكل قاطع إن قائدا الطائرتين يعرفان بوجودنا في مساحة ما من هذه المنطقة ولكنهما يبحثان عن أية علامة تؤكد هذا الأمر أو هدف يتحرك للنيل منه واستخدامه كدليل حي لوجود الأنصار وذلك لإفراغ حمم الحقد على رؤوسهم ، ولذلك فإنهما لم يتأخرا في توجيه رشقة نيران حاقدة من مدفعية أحدى الطائرتين الرشاشة صوب الدخان .. سقطت صواريخها كالمطر في قاع الوادي وبالقرب من الأنصار المختبئين بين الأحراش ، وهذا ما دفع بالنصير نشتمان الذي وجد من الصعوبة أن يستطيع هذا المكان حمايته أمام هذه النيران اللعينة والبقاء بين تلك الأحراش والأدغال مختبئا ولهذا ترك موقعه متوجها إلى كهف يقع في الجهة المقابلة لمكان اختباءه بالرغم من تحذيرات العديد منا بأن يتوقف عن الجري و عن أية حركة ، ولكن أحدى الطائرتين في المرة التالية كانت رصدت حركته ولم تترك له سبيلا للوصول إلى مكان آمن ، فاستهدفته بنيرانها اللعينة الحاقدة وأسقطته أرضا وأنهت حياته على الفور، وأدخلت حزنا عميقا في قلوب رفاقه الذين لم يستطيعوا فعل أي شيء من أجله ، لأن تحليق الطيران استمر فوق رؤوسنا واشتدت نيرانها كثافة نحو موقعنا وخصوصا تلك النقطة التي تحرك فيها الشهيد .

ولما كان القصف في أعنفه من قبل الطائرتين كانت هناك طائرة ثالثة تحلق بعيدا عن موقع الحدث عرفنا إنها طائرة نقل الجنود، وبالتأكيد كانت تنتظر دورها لعملية إنزال جوي للدخول في معركة حاسمة مع الأنصار .. وعلى حلقة ضيقة من سماء هذه البقعة من الأرض استمرت الطائرتان في الدوران والقصف عشوائيا وفي بعض الأحيان استهداف بعض الأهداف كالضوء الذي كان ينعكس من قرص “عفاروف”4 النصير “مكسيم “5 لمدة قاربت من ساعة كاملة .

كانت جميع المجاميع الأنصارية المنتشرة في قاع الوادي وسفح الجبل متقاربة جدا ، إذ كانت تتوزع على مساحة صغيرة وكان من السهولة اتخاذ قرار بشأن التعامل مع الوضع من قبل قيادة الفصيلين وإيصاله إلى جميع الأنصار، ولذلك قررنا على الفور عدم مبادلة الطائرتان بالرمي لأننا كنا على يقين إنها قصفت الموقع للتأكد من وجودنا فيه من خلال مقاومتها ، ذلك لمواصلة معركتها وفرض سيطرتها على الأنصار أو ربما حدوث إنزال جوي بواسطة المزيد من الطائرات العسكرية لتكبيدنا خسائر كبيرة ، وكنا ندرك تماما إن الوضع على الأرض لصالحها بسبب المفاجأة وطبيعة الموقع .

النصير مكسيم الذي كان يتخذ موقعا قريبا مني يلح علي بالرد على الطائرتين ومقاومتها بواسطة رشاشه العفاروف ، فكان يوجه لها فوهة الرشاش .. ولكني كنت أمنعه من الرمي ، وكان من شأن هذه الحركة أن تجعل من قرص العفاروف عرضا لأشعة الشمس فينعكس منه ضوءا والطائرتان ترصدانه فكان القصف على موقعه لا يتوقف .. وبالرغم من أن موقع النصير مكسيم كان حصينا من الجهة المشرفة على الوادي فإنه كان مكشوفا إلى حد كبير من الجهة الأخرى لذلك أصيب بإصابات عديدة ولكنها كانت خفيفة ، و بدأ لون الدم يظهر من أماكن عديدة في ملابسه حيث اخترقتها شظايا الرصاص والحجر عند انفلاقها بالقرب منه .

بقينا نمنع رغبة بعض الأنصار لمقاومة الطيران، بسبب عدم وجود أي سلاح مقاوم لدى المفرزة ، وخشية حدوث إنزال جوي وعدم اتخاذنا لمواقع قتالية ، فقد كنا مقتنعين إن خسارتنا ستكون فادحة في حالة الإعلان عن تواجدنا في هذه المساحة والدخول في معركة مع الطيران ، لذلك كان إصرارنا شديدا بعدم المقاومة.

ربما استنفذت الطائرتان ذخيرتها بعد جولة قصف عنيفة أو لسبب آخر تركت المكان متوجهة إلى مكان ما في دهوك ، وبعد هذا قررنا على الفور الانسحاب من المكان والتوجه إلى “كه فرى وزيري” ذلك الموقع الحصين تحسبا لعودة الطيران من جديد والدخول في معركة طويلة لأن النهار كان لما يزل في منتصفه أو بعده بقليل ، أعطيت الأوامر إلى الجميع بالانسحاب أفرادا أو مجاميع صغيرة والتحصن في “كه فرى وه زيري ” والاستعداد للمعركة القادمة .

كنت أرابط مكاني حتى يكتمل انسحاب القوة ومراقبة الأجواء إن كان الطيران سيعود ثانية ، وجدت النصير مكسيم يترنح يمسك بهذه الصخرة وتلك .. بغصن هذه الشجرة وتلك وهو يحاول الوصول إلى الوادي حيث الانسحاب من هناك .. فناديته هل تستطيع المواصلة ..؟ قال سأحاول .. ولكن قواه خارت بسبب النزف من عشرات الجروح الخفيفة من جسمه ، فقال لم أعد اقوي على السير .. احتاج إلى مساعدة .. ناديت النصير “سعيد ” وهو آمر الفصيل الثاني والذي كان ينظم انسحاب الأنصار من موقع قريب إلى قاع الوادي أن يحمل عنه سلاحه العفاروف ورغم ذلك فإنه لم يقو على السير .. سحبه سعيد لمسافة قصيرة وساعده على عبور النهر إلى الجهة الثانية ، وعندها كان الانسحاب من الموقع قد تم .. نزلت مسرعا .. وعلى عجل سحبنا جثة الشهيد نشتمان إلى داخل ذلك الكهف الصغير ، وأنصار آخرون كانوا يساعدون الجرحى على الانسحاب وبقى مكسيم في الأخير مع عدد من الأنصار الآخرين بينهم سلام قوال وسعيد وأبو حازم وآخرون ولا أتذكر أسماء البقية ، حاولت حث مكسيم على السير ومواصلة الانسحاب ولكنه فشل في السير على قدميه فاقترحت على سعيد أن يأخذ بندقيته العفاروف ويلتحق بالأنصار الآخرين لترتيب الأمور لمعركة أخرى محتملة ويترك مكسيم لي لمعالجة أمر خلاصه وسحبه إلى موقع آمن.

علقت حزام بندقيتي في رقبتي وحملت مكسيم على ظهري .. و كما هو معرف لدى الأنصار فإن مكسيم ذو بنية ضخمة وربما كان وزنه يعادل وزني بمرتين آنذاك وهو أطول مني قامة بقليل ، ولذلك كانت قدماه وساقاه تتعلقان أو تصدمان وتضربان الشجيرات والأحراش والصخور المتواجدة على طرفي الطريق .. وكان ذلك يسببان له ألما كبيرا بسبب إصاباته العديدة والتي امتدت إلى كل مكان في جسمه ، فكان يناديني ، نزلـنــي أنت صغير نزلنــــــي .. ! كنت أقول له أنا لست صغيرا ولكني ناعم البنية مقارنه مع جسمك الضخم ، فضحك وقال كنت أقصد ذلك .. ولما نزلته بعد مسافة من السير وهو على ظهري من أجل استراحة قصيرة ، قال أرجوك أن لا تتركني إن حدثت معركة مع الطيران أو حدوث إنزال جوي .. قلت له لا تقلق، فهذا لن يحصل أبدا وليس بمقدور أي قوة أن تهزمنا في هذا المكان ، طمأنته وواصلنا جولة أخرى إلى أن بلغنا مكانا اقترحت عليه أن يمكث فيه وأواصل اللحاق ببقية الأنصار لمتابعة أمر الإعداد للمعركة المحتملة.. فوافق بعدما عدلت من المكان بواسطة بعض أوراق الأشجار المتساقطة والأغصان المتناثرة قرب المكان ومددته هناك مؤكدا له بأننا سنكون حريصين على وجوده في هذا الموقع إن حدثت أية معركة وعليه أن لا يخشى شيئا لأننا لا نتخلى عنه مهما كان الثمن .

ذهبت إلى الرفاق فوجدت بقية الجرحى في مكان آمن وقريبا من النهر في كه فرى وه زيري، وكانت مجاميع قتالية قد انتشرت على مساحة منه استعدادا لمعركة قادمة محتملة ، وعندما كنت أريد مع أنصار آخرين كانوا في عمق الوادي الانضمام إلى مواقع قتالية وتسلق الجبل صعودا ، نادى بعض الأنصار رفـــــاق استعدوا الطيران يعود ثانية توقفوا عن الحركة … اقترب صوت الطيران من المكان ، وفي دقائق معدودة وصلت ربما كانت نفس الطائرتين إلى سماء كه فرى وه زيري ولكنها مرت سريعا وعلى ارتفاع منخفض جدا دون أن تحاول تكرار التحليق أو القصف أو ما إلى ذلك .. بعدها عادت أدراجها باتجاه دهوك ، عندها عرفنا إنها لن تعود مرة أخرى ولكن رغم ذلك بقينا متحصنين في مواقع قتالية لفترة محددة ، وفي هذه الأثناء وجدنا مجموعة الاستطلاع قادمة نحو موقعنا وعندما وصلت إلى المكان كان الرفاق يريدون معرفة كل ما حصل .. قمنا بإحاطتها تفاصيل ما حدث فاستحسنوا إجراءاتنا وعبروا عن حزنهم وأسفهم لاستشهاد النصير نشتمان والجرحى .

انتظرنا بعض الوقت قبل اتخاذ أي قرار ، وعندما تأكدنا من إن الطيران لم يعد يملك الوقت الكافي للعودة مرة أخرى قمنا بتجميع قوانا .. وأحصينا جرحانا الذين بلغ عددهم 11 نصيرا جريحا كان من بينهم إضافة إلى مكسيم الأنصار أصلان ووليد وأبو هلال أما بقية الجرحى لم أعد أتذكر أسماءهم للأسف الشديد، ولحسن الحظ فإن جراح الجميع كانت خفيفة ما عدا مكسيم الذي لم يصب هو الآخر بجروح خطيرة ولكنه نال من الشظايا ما مجموعها 75 شظية من الحجر والرصاص والمواد المتفجرة الأخرى في كل أجزاء جسمه.

أعددنا مجموعة للذهاب إلى كاني كولان لإحضار عدد من الحيوانات لنقل الجرحى إلى قرية جه مانكى ومن هناك إلى مقر الفوج في مه رانى ، وكنت من بين أفراد تلك المجموعة التي جلبت معها أدوات لحفر قبر الشهيد ودفنه.. اخترنا نقطة معينة من الوادي لأجل ذلك وعندما اكتمل الحفر وجهز القبر وسط دموع غزيرة وحزن عميق وضعنا فيه الشهيد وأطلقنا 3 رصاصات تكريما له وإيذانا بدفنه.

عدنا إلى المجموعة الكبيرة وبدأت استعداداتنا لنقل الجرحى .. فاتخذنا من الطريق المحاذي للنهر ممرا للانسحاب عبر كه لي كورتك ، مع إجراء المزيد من التحوطات لتجنب أية غارة طيران محتملة .. وصلنا إلى جه مانكى قبل غروب الشمس وهناك استعرنا من أحد المواطنين جرارا (تراكتور) لنقل الجرحى إلى مرانى بعد أن افترشنا العربة الملحقة به ببعض التبن وأوراق الأشجار وعددا من البطانيات لكي تساعد الجرحى بالوصول إلى المقر دون كثير من آلام اهتزاز العربة في ذلك الطريق الجبلي الوعر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- “كاني كولان” وتعني بالعربية نبع الورود ، وهي قرية تابعة إداريا إلى ناحية القوش تقع إلى الأسفل من سفح الجبل من الجهة الثانية لقرية بوزان أي إلى الشمال منها ، وتسكنها عوائل من الكوجر ” الرحل ” إذ كان عددها لا يتعدى العشرة عوائل ، التي قدمت خلال هذه الفترة من الكفاح المسلح والفترات التي سبقتها خدمات كبيرة إلى مختلف قوى الأنصار والبيشمه ركه .

2-“نيشتمان”، اسمه رشيد خدر وهو من أهالي ناحية باعذرة ، ترك وراءه زوجته وبنتين ، وله من الأخوة 3 وهم سليمان وفاخر وشمدين كانوا أوفياء لشقيقهم الشهيد فقد عاشت زوجته وبنتاه معهم تحت سقف واحد، وكان قد ألتحق الشهيد بصفوف أنصارنا منذ فترة ليست بطويلة .. بعد انتفاضة آذار وانسحاب قوات النظام من كل المنطقة طلبت والدة الشهيد “داي ريحان ” التي توفيت فيما بعد زيارة قبر ولدها ، تمهيدا لنقل جثمانه إلى باعذرة ، فجاءت برفقة أبنها الأكبر سليمان إلى دهوك ومن هناك توجهنا إلى كاني كولانى وبحثنا عن القبر ولكن مما يؤسف له لم أتمكن التأكد من مكانه بسبب تغييرات حصلت على طبيعة الأرض في تلك البقعة ، واعتقد ربما يستطيع أهل قرية كانى كولان معرفة القبر كونهم رافقوا كل عملية تغيير على الأرض في منطقتهم .

3 – “كه فرى وزيري” أي صخرة الوزير وهي مساحة جبلية وعرة تقع ضمن السلسلة الجبلية الممتدة بين ألقوش والشيخان وفي الجهة الثانية من سفح الجبل مقابل مقر بيرموس الشهير .

4- “عفاروف” سلاح رشاش روسي الصنع وهو فعال في العمليات القتالية نال إعجاب الناس والأنصار وأرهب قوات النظام بفعاليته هذه وتتركب عليه اسطوانة تسع لـ 48 طلقة و قطره ربما يصل إلى 30 سنتمترا وعادة ما كان حاملوها الأنصار من ذوي اللياقة البدنية الجيدة وبنية جسمية تؤهلهم على تحمل ثقله .

5- “مكسيم ” اسمه بيبو جبور وهو من قرية شيخكا ارتبطت عائلته بالحزب منذ عقود من الزمن والتحق مبكرا بقوات أنصارنا ، كان نصيرا شجاعا لا يهاب الموت ، نفذ مع رفاقه الأنصار العديد من العمليات العسكرية وأنشطة أخرى في منطقة الده شت .

ملاحظة – اعتذر للأنصار الواردة أسماءهم دون الإشارة إلى أية تفاصيل عنهم ، فحقيقة أنا لا أعرف إلا القليل من المعلومات عنهم في فترة ما قبل الأنصار ، رغم العمل معا لسنوات طويلة في ظروف بالغة التعقيد .