الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : حلق اللحى في تراثنا الشعبي

سلاما ياعراق : حلق اللحى في تراثنا الشعبي

من طبيعة الإنسان ان ينزعج من المتربصين الذي يتتبعون خطاه. وانا كذلك أنزعج، إلا من القراء المتربصين. فتتبعهم يؤنسني ويسعدني أيضا. وهؤلاء المتربصون الطيبون يمكن ان أصنفهم الى نوعين: صنف يحثني على الكتابة في السياسة، وآخر يريدني ان اهتم بالموروث الشعبي، خاصة الشعري منه. وإكراما لعيني الطرفين، لم اجد غير ان اوزع ما اكتبه بين الاثنين، قدر ما استطيع.

هذه المقدمة دفعني لكتابتها قارئ مغرم حد العظم بآدابنا الشعبية. فما ان اكتب في هذا اللون الذي يحب، إلا وتأتيني منه رسالة معنونة “رحم الله والديك”. أما رسالته البارحة فقد جاءت تحمل عنوان “بروح أبوك”. فتحتها وإذا به يقسم علي بروح أبي وبحليب أمي ان أكمل موضوع “اللحية” الذي كتبت عنه في عمود سابق، لكن من منظور تراثي، وإلا سيقاطعني. ماذا ترك لي هذا القارئ العزيز غير أن أقول له: لبيك؟
اللحية، يا صاحبي، ولا يهونون الجماعة، حظيت باهتمام العراقيين قبل الميلاد بآلاف السنين. فأجدادنا السومريون، تتميز منحوتاتهم عن غيرهم ببعض الصفات الجسدية كشكل الأنف وحلق الشوارب وإطلاق اللحى. ولحية سرجون الأكدي الكبيرة، التي “تنور” تمثاله الضخم، واحد من الأدلة على مكانتها عند أهل سومر.
وان كان لإطلاق اللحى دلالات دينية واجتماعية وحتى سياسية احيانا، الا ان حلقها (زيانها) لا يخلو من دلالة أيضا. فان سمعت عراقيا يصيح ويستغيث: “اليوم زيّنوا لحيتي”، رغم انها ما زالت بمكانها أو انه بالأساس من دون لحية، فقد يعني ان فلوسه قد سرقت أو ان احدا ضربه “بوري” من نوع ما. وحلقها قد يأتي إشارة لإنهاء مرحلة الحزن على الميت. أما اذا كان الميت مقتولا، فستجد أبناء عشيرته يطلقون لحاهم حتى يأخذون بثأره. فإن تمكنوا من ذلك فستهلهل نساؤهم وتحلق رجالهم لحاها.
والعشاق قد يستعملون “زيان اللحية” لمغازلة البنات، مثل هذا الشاعر الذي قال بطريقة “الحسجة” للتورية عما في قلبه:
يا خشيف الواردة من شيب ابوه
أو جاسره المشعل بشيبه وشيب ابوه
اليجيجن حيل زينن شيب ابوه
والتجينه الحية ابوها امزيّنه
ويقول العراقيون في أمثالهم الشعبية: “اذا شفت جارك زيّن لحيته بلل لحيتك”. يقصدون ان حدث امر جلل بالقرب منك، فاحذر لأن الدور قد يأتي عليك. وفي هذا قال شاعرهم:
لا تكضّي سنين عمرك باللها
واعتلي اخيول التسابك بلها
كرّب الماي اللحيتك بلها
لو شفت جارك لحيته امزيّنه
يبدو ان الربيع العربي قد اثبت صحة ذلك المثل. فعندما زيّن التوانسة لحية زين العابدين، لم يتعظ جاره القذافي واصر على ان لا يبلل لحيته، حتى بعد ان زيّن جيرانه المصريون لحية مبارك، فنتفها الليبيون بايديهم رغما عنه. وفي هذا اقدر خوف بعض ساستنا، في هذه الأيام، من خطر “الزيان” الذي يتربص بلحية الجار بشار الأسد. فالله وحده يعلم عدد اللحى التي سيشملها الحلق عند جيرانه، وجيران جيرانه، اذا “اتزينت” لحيته.