الرئيسية » مقالات » اي مستقبل للعملية الساسية؟

اي مستقبل للعملية الساسية؟

في مقال سابق طرحت نفس السؤال ولم اجب عنه، منشغلا في منهج النظرة الى المستقبل، وملازم هذه النظرة، وتطور علوم وبحوث واشكال قراءة المستقبل، تمايزا عن علوم اخرى قديمة تتصل بالفلك واتجاه التغييرات في الطبيعة والانواء.

العملية السياسية، باتفاق اطرافها، المرتاحين اليها والمتضايقين منها، تعاني من اعتلالات عميقة، وتفتت مضطرد، وقد استنفذت الجهود والمحاولات والمبادرات كل زخمها دون ان تنجح في معافاتها وإنعاش مفاصلها وإعادة الحياة لفاعليتها، كما لم تتكون ارادة واضحة للتخلي عنها، لسبب بسيط يتمثل في حقيقة ان البديل عن العملية السياسية، هو عهد الحكم والمعارضة: الحكم من قبل اكثرية برلمانية، والمعارضة من الاقلية، فيما تنعدم امكانيات هذا التوزع في ظل الخارطة السياسية القائمة تحت قبة البرلمان، بانعدام امكانية تكوين تحالف حكومي من داخل العملية السياسية، وانعدام جدوى المعارضة من داخل البرلمان.

يعتقد كثيرون بان مشكلة العملية السياسية الرئيسية هو الدستور، كنص وروح ومرجعية، فان سياقات التوافق تصطدم بنصوص دستورية في اكثر من موقف، او تلتف عليه، او تتجاوزه، فيما يرى آخرون بان مشكلتها في العلاقة مع البرلمان حيث تخضع عمليات التصويت والاعتراضات والمناقشات الى اتفاقات فوقية من زعامات الكتل وتتنازل الهيئة التشريعية عن وظيفتها الى القيادات السياسية، وطبعا، حين يتعذر الاتفاق والتوافق على صيغة تطبيقية للدستور او القوانين او المعالجات الملحة او إقرار السياسات العامة فان ذلك يشل ماكنة الدولة ويعطل عمليات البناء والتشريع وتطبيع الاوضاع، بل ويتعذر، في الحد الادنى، تحقيق الرقابة وكبح الفساد وضبط الامن والاستقرار وترشيد السياسات العامة.

لكن الراي السائد يعيد ازمة العملية السياسية الى غياب الثقة بين الفرقاء السياسيين الذين التزموا مبدأ الشراكة في ادارة الدولة وسلطة القرار، ويعبر هذا الغياب عن نفسه في التشابك الاعلامي بين الكيانات وتصاعد الشكاوى والريب والاتهامات والمخاشنات والاساءات في ما بينها، إذ بلغ الامر ان يصعب، غداة كل ازمة، عقد لقاء بين اركان العملية السياسية، ويصبح اللقاء نفسه، اذا ما تحقق، حدثا كبيرا، فيما الظروف التي يمر بها العراق تفترض ان يكون زعماء العملية السياسية في اجتماع دائم ومفتوح.

ان جميع هذه المعاينات بصدد اسباب تصدع العملية السياسية وضعفها صحيحة بمقدار ما تقدمه من وقائع ملموسة، ما يعني بان مستقبل هذه العملية سيبقى يدور في مستويين، الاول، استحالة إحياء وتجديد قواعد التوافق السياسي التي ارسيت في اساس هياكل مرحلة الانتقال وإحلال الثقة في مفاصل وفروع سلطة القرار، والثاني، استحالة انهيار العملية السياسية أو إسقاط مبدأ التوافق، ومردّ ذلك ان جميع الاطراف لها مصلحة باستمرار الشراكة في حدّها الادنى، المعتل.

العملية السياسية ستعبر، اغلب الظن، جملة العثرات والحروب الصغيرة، وستصل بالوضع السياسي الى انتخابات 2014 وهي مثخنة الجراح..

آنذاك، لكل حادث حديث.

*
“كل طريق، حتما، يؤدي الى طريق”.

جمال غيطاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة(الاتحاد) بغداد