الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق :أغاني الانتقام

سلاما ياعراق :أغاني الانتقام

وان كان المفكر علي الوردي قد شخص نزعة الانتقام عند العراقيين كواحدة من صفاتهم الشخصية، لكنها تبقى قيمة أو صفة من صفات البداوة التي يتحلي بها معظم العرب. ولا ادري ان كان الوردي قد انتبه، أو لم ينتبه، الى “تميّز” العراقي بتصويب سهام انتقامه نحو من يحب أو اقرب الناس اليه أو حتى الى نفسه أحيانا.

وان كان للعرب تاريخ وباع طويلان بالانتقام الا انني لم الحظ سعة انتشاره في أغانيهم مثلما هي عليه في أغانينا العراقية. واغاني الانتقام من الحبيب، رغم قسوتها وساديتها أحيانا، مثل: “يا حيّة يم راسين طبي بجدرهم .. سمّيلي أهل البيت بس خلي ابنهم”، الا انها تجعلنا نتمايل طربا ونشوة وكأنها تعبر، لا شعوريا، عما في أعماقنا من ميل للانتقام .
وان كانت الأغاني، عند غيرنا، تتوجه نحو الله احيانا فتدعوه لجمع الشمل وعودة الغياب من الأحباب، فانك، تجدها عندنا تدعوه لهلاك الحبيب وتدميره:
شدعي عليك يللي حركت كلبي .. كون ابلوتي يبلاك ربي .. سهران ليلك مهدوم حيلك
واغنية ” اريد الله يبين حوبتي بيهم” هي الأخرى رددناها مع مغنيها بشغف وتلذذ. واترك لكم تصور ام سعدي الحلي وهي تكشف عن صدرها داعية ربها لينتقم من ام من يحب، وسط صيحات “الله الله” من قبل السامعين المعجبين. ولكشف المرأة صدرها عند الدعاء أسباب لا مجال لذكرها هنا.
ولا تنسوا مطربنا الرائع الراحل رياض احمد وهو يغني بصوته الشجي:
يا منهل الروح روحي لو ترد منهلك
ما جان طول العمر شكوىً بدت منها لك
تدري بهلاكي، وتناشدني بدهر مَنْ هلك؟
غيـري وغـيرك مـا هلكنـي احـد
وهلك رموني بتهم من نار هجرك احد
سلمت امرك وامرهم بيد واحد احد
منك عسى الله ياخذ حوبتي ومن هلك
المهلوك يشكو لمن اهلكه حاله، والاخير يسخر منه فلا يجد أخونا غير ان يدعو الله ان يأخذ بثأره منه ومن اهله. أحبيبان هما أم “توم” و “جيري”؟
أما في الأبوذية، التي غالبا ما تسبق أغانينا وتمهد لها، فحدّث ولا حرج. فهذا شاعر يقسم بالإمام علي انه يسأل الذاهب والقادم عن حبيبه “الترف” اي الناعم والرقيق. مع هذا لا يتمنى أن يقبله أو يتغزل به، بل أن يقع تحت سيطرته (وليته) ليعرف كيف ينتقم منه:
وحك العيـن ثـم اللام واليـه دوم انشد عليك الراح واليه
ترف والله ان لزمت اعليك وليه أسوي مثل ما سويت بيه
هكذا يتمنى وحبيبه “ترف”. فماذا سيتمنى لو كان غير ذلك؟
أما هذا الشاعر فلا يتردد أو يخجل وهو يكشف لنا بانه لا يعرف معنى التسامح لأنه بالفطرة مجبول على العدوانية والعناد. فيا لها من فطرة “ترفع الراس”:
ابدار اعداي اشب نيران واوي وخلي النزل كلهه اتصيح وا وي
اريد احجي ولو بالزور واوي العنادة افلاحتي ما هي هدية