الرئيسية » مقالات » الهوية الوطنية والديمقراطية في الدستور السوري

الهوية الوطنية والديمقراطية في الدستور السوري

معضلة السلطة الحالية ناتجة عن سوء فهم الهوية السورية الحقيقية، وعن غيابها من ساحات الوطن، وتخلفها في إدراك أبعاد وغايات الثورة الشبابية، وعدم إقتناعها بإن متطلبات الشعب في الحياة هي في تفتيت بنيان سياسة الطغي في السلطة، وبناء ثقافة نوعية مغايرة لمفاهيم عصر الإستبداد وخلفياتها الجامدة، وكل هذا يحتاج إلى تغيير كلي صحيح وجازم وليست إلى معالجة آنية للواقع المشوه وبترقيعات أفظع تشويهاً.

الكل أصبح يدرك أن الزمن قد تجاوز إستمرارية السلطة عن طريق طروحاتها الإصلاحية، لا قانون الأحزاب المهترئ ولا الدستور السوري المعدل في أروقة القيادة القطرية للبعث الأسدي، والذي ملئ بتشويهات ما هب ودب من مفاهيم الإستبداد وإلغاء الآخر بتمعن، والملغي بإجحاف لهوية الوطن السوري، يستطيع وقف مسيرة التاريخ الآتي على إسقاط نظام فقد كل مقومات الإنسانية والحضارة.

رفضت السلطة بمسودة دستورها المشوه هذا الإعتراف بالفسيفساء النموذجي لسوريا كوطن كلي، طمست ثانية من على صفحاتها الحقوق الإثنية والمذهبية بمطلقه. إزيلت سلطة البعث بتغيير المادة الثامنة، لكنها رسخت مكانها دكتاتورية مطلقة لرئيس الجمهورية بشار الأسد، ركزت على عروبته وإسلاميته، وذلك من منطلقين: المزايدة على الدول العربية التي تطالب برحيله والقوى الإسلامية التي تريد محاكمته بدون حصانة، والثانية القضاء على المفاهيم الوطنية داخل سوريا كوطن للجميع، لإثارة الفتن التي زرعها منذ عقود بين القوميات والأقليات والمذاهب.

بقي الدستور حكراً على مجموعة مستبدة معتمدين على بنود يسمح لهم بالطغيان دون الوقوف على القيم الإنسانية، ألغوا بهذا الدستور ماهية الوطن الكلي، جردوا القضية الكردية من أي تداول إنساني، بل يحاولون عن طريقها القضاء على الكيان الكردي وطمس جغرافيته وتاريخه، ومعهم جميع الأقليات الاخرى، وعزلوا المذاهب الدينية عن الإنتماء إلى وطن هذا الدستور.

يود حكومة بشار الأسد من خلال دستوره هذا أن يقنع الشعب بإنه يرغب في بناء وطن للجميع! لكن الشباب بثورتهم السلمية أكدوا على إنه غائب بكليته عن كيان هذا الوطن، وبدأ يجول في أروقة الضياع باحثاً عن الإصلاحات، وإلا فلا يعقل ان يقوم بعد أن قربت نهايته بإلغاء نصف الشعب من المجتمع السوري من الحقوق الإنسانية والقومية والفكرية والدينية والمواطنة الحقيقية.

غاب النهج السليم في كتابة الدستور، والذين عدلوا فيه هم متشبعي ثقافة النزعة العنصرية بل وهم أفظع من مدوني الدستور البعثي السابق. سوف لن نبحث عن مدى قدرة بشار الأسد في تعديل بنوده أو إزالة الدستور ذاته بخمس دقائق، إلى عمر يتناسب وعمر إبنه الصغير! ومن ثم إعادتها إلى الحياة ثانية، كما نراه في المادة التي تبحث في عمر المرشح للرئاسة! بل نبحث عن مدى القدرات التي أمتلكها الرئيس من خلال المواد التي وردت في مواده….

1. يستطيع بشار الأسد ” نذكر إسمه لأن الدستور منه وله ومعه سيزول ” حل مجلس الشعب متى ما أراد حسب المادة ” 111″ البند الأول، أي ما معناه السلطة التشريعية تابعة له وبقيت تحت سيطرته المطلقة، وعليه لم تنفصل هذه السلطة من طغيان القوى الأمنية.

2. إنه رئيس مجلس القضاء الأعلى حسب المادة “133 ” البند الأول، أي أن السلطة القضائية تأمر وتقضي حسب رغبات الرئيس، فهي أيضاً سلطة تابعة عاجزة وغير مستقلة.

3. إنه رئيس القوات المسلحة ورئيس السلطة التنفيذية، يقيل ويعين ويعفي الجميع من مناصبهم متى ما أراد، وذلك حسب المادتين ” 105 ” و ” 124 ” البند الثاني.

في المحصلة السلطات الثلاث خرجت من فروض سلطة البعث وتركزت في يد دكتاتور عن طريق الدستور، كما يحق للرئيس نفسه إلغاء الدستور أو تعديله متى ما شاء، ويملك الصلاحية في تشكيل هيئات ولجان خاصة هو من يحدد مهامها حسب المادة ” 115 ” يحق لبشار الأسد محاكمة أعضاء السلطة التنفيذية متى ما أراد، إضافة إلى كل ذلك يقوم بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية دون العودة إلى السلطة التشريعية لإستشارتها!.

ضاعت في ثنايا مواد هذا الدستور القيم والحريات وجرد المواطن من معظم حقوقه تحت رقابة قانون يضعها ويعدلها وينفذها سلطة شمولية طاغية، إعتماداً على المادة ” السادسة والثلاثون ” تكون المساكن مصونة…حسب القانون، والقانون ينسخه أو يشرف على وضعه رئيس الجمهورية أو اللجان والهيئات التي يشكلها ك ” القوى الأمنية والشبيحة ” الذين ينفذون أوامره!. جميع أنواع الحريات مكفولة والحقوق مصانة وفقاً للقانون، مثل حق المواطن في الإسهام بالحياة السياسية والإقتصادية… ينظمه القانون والقانون في يد الدوائر الأمنية، ما دامت السلطتين التشريعية والقضائية مكبلتين أو في حكم الغائب. وكذلك … حرية تكوين الجمعيات… كما يبينها القانون! والقانون في الدستور وحسب المادة ” الثامنة ” “التي كانت سابقاً تمجد سلطة البعث” يمنع تشكيل أية جمعية أو حزب له صفة من الصفات الإثنية أوالمذهبية، يرفض الدستور التجمعات الدينية الطائفية أو القبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون، أي أن تكون منظمة سياسية من كوكب آخر ويستثنى من هذا حزب البعث العربي الإشتراكي الاسدي والذي من خلال اسمه دون ماهيته ومبادئه يتبين صفاته العرقية والإثنية والفئوية المناطقية والعنصرية بكل المعاني. من خلال هذه الديباجة يحق للسلطات الأمنية الغاء أو إتهام أية شخصية أو تجمع سياسي بواحدة من الصفات المذكورة ومحاكمته تحت جنح معاداة الدستور.

أغرب التناقضات الواردة هو أن الدستور في المادة ” الثالثة والثلاثون ” البند ” الثالث ” يذكر بإن المواطنون متساوون في الحقوق…لا تمييز… اللغة، الدين أو العقيدة، وفي بند آخر يؤكد على إن رئيس الجمهورية يجب أن يكون عربياً مسلماً! عن أية مساواة وديمقراطية يمكن التحدث بعد هذا البند!. إعتماداً على المادة ” 152 ” لا يجوز لمن يحمل جنسية أخرى غير السورية تولي المناصب العليا، لا نعلم فيما إذا كانت هذه المادة تسرى وتطبق على زوجة الرئيس بشار الأسد وهي حسب علمنا تحمل الجنسية البريطانية، أم إنها محصنة ولا تنطبق عليها مواد الدستور السوري؟!.

الفكر المغلق المعتمد على سلطة إستبدادية، لا يدرك أن الزمن والثورة تجاوزوا إصلاحاته ودستوره المشوه، عليه أن يدرك إن الشعب السوري قدم الألاف من الشهداء، فمهما تكالبت حكومة بشار الأسد على الإصلاحات ومهما جلبت من المتغييرات القسرية سيبقى عاجزاً عن الحصول على حصانة في هذا الكون. رئيس عاجز عن فهم النفسية الشبابية للثورة السورية، فقد ترعرع على ثقافة مشوهة، حتى ولو حاول أن يلم بها فإنه لن يتمكن من تقبل مدارك الثقافة القادمة، وسوف لن يستطيع تلبية المطالب المطروحة من الشعب لإعادة بناء الوطن سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً لذلك سيبقى عاجزاً ومرعوباً أمام الجدلية الثورية الآتية ولا حاصل إلا بإزالته والسلطة مع مخلفاتها.

الدستور جزء من النظام الآيل إلى الزوال، تعديله لا يفي برغبات الثورة الشبابية، المنطق لا يشك في إن جميع الدساتير مهترئة في ظل الدكتاتوريات، والسلطة السورية لا تشذ عن هذه البديهية، ففي ثنايا صفحاتها نجد كل المعوقات وموبقات السلطة الدكتاتورية التي ستؤدي بالشعب السوري إلى التشتت والضياع بل وستخلق آفات جديدة لصراع إثني ديني قبلي لا يحمد عقباه, لذا نهيم بالشعب السوري عامة مقاطعة هذه الخدعة الخسيسة التي تسمى بالدستور الجديد. 

الولايات المتحدة الأمريكية