الرئيسية » مقالات » العراق بين ألحان المالكي و نشيد الوحدة الوطنية المزوّرة

العراق بين ألحان المالكي و نشيد الوحدة الوطنية المزوّرة

من المعلوم بأن الوحدة، مهما كان نوعها و شكلها، يجب أن تأتي خلال حكومة تؤمن بالديمقراطية الفعلية بحيث يستطيع الشعب في ظلها أن يجتمع. الوحدة هي عقد تاريخي، ثقافي، أخلاقي و قيمي، ترتفع في ظله قيمة المواطن، وتتعزز فيه قيمة الوطن.
وهناك جدلية تقول، لا يـمکن أن يكون المواطن عزيز و كريم في بلد ضعيف و لا يمکن لوطن أن يكون قوي، منيع وسديد و مواطنه مقموع، مضطهد و مستبعد و مهمش.
الخطب المؤدلجة والشعارات المستهلكة، والمفردات التي تستخدم من قبل السياسيين القوميين الإسلاميين، مثل ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية و العمل من أجل وحدة الصف الوطني و كسر يد إرادات خارجية لا تقلل من الأزمة الحقيقية و لا تخفف من حدة المعارك الفاصلة، التي سوف تنجم بسبب الأزمات السياسية، إن لم يكن هناك استعداد داخلي و عميق للتعاون في ارساء دعائم العملية السياسية وترسيخ البناء الديمقراطي في ظل مصالحة وطنية حقيقية والعودة إلى أسس التوازن في المؤسسات الحكومية من خلال الالتزام بالشراكة الحقيقية بشكل يضمن حق كل طرف حسب استحقاقاته والأخذ ببنود اتفاقية اربيل، التي على أساسها تشكلت الحكومة، و كيفية تحقيق الشراكة الحقيقية في صنع القرار والعمل الجدي لحل المشاكل العالقة بين بغداد واقليم كوردستان و وتفعيل دور السلطات التشريعية والتنفيذية وفق المبادئ الدستورية.
صحيح بأن التحقيق الفعلي والكلي والشامل للعدالة في الحدود الانسانية الممكنة يستلزم وجود المؤسسات القادرة علی رسم تلك السياسات وضمان تنفيذها وإصدار تلك التشريعات و الحرص علی تطبيقها. فالمؤسسات السياسية هي المسؤول الأول والأخير عن واقع العدالة في حيال الأفراد والمجتمعات في حالتي السلب والايجاب، لكن إشهار السيف للدفاع عن الهويات بعقلية القوقعة والمحافظة، هو في الحقيقة الدفاع عن أسوأ التقاليد و أكثرها عمقاً، لتبرير المساویء والأخطاء، وهكذا لا يمكن تحقيق التنمية أو تغير الواقع والمآل هو التراجع و إنتهاك الإدعاءات و تدمير الحاضر و إفتراس المستقبل.
إن قيام الديمقراطية وتطبيقها يعنيان أولاً و قبل كل شيء إعتراف كل قوة من القوی المجتمعية بحقوق القوی الأخری و حرياتها و أدوارها الإجتماعية والسياسية و أن غياب التعددية الفكرية والثقافية والسياسية يعطل أية محاولة أو إمكانية لإنتاج ثقافة عصرية عقلانية حديثة، تختلف في مبادئها وأهدافها ووسائلها، لكنها تتفق علی مصلحة الشعب و إحترام حقوق المكونات المختلفة.
علی رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، والذين يتصدرون المشهد السياسي في العراق الفدرالي أن يعرفوا بأن الوحدة الوطنية طوعية لا تفرض بالقوة وأن عهد تعبئة الحشود الهائجة والجموع الموتورة من قبل قادة ملهمين ونماذج نضالية، التي قضت أعمارها وراء وعود مستحيلة وقضايا خاسرة، و قسمة العالم قسمة مانوية حاسمة الی معسكرين، الخير والشر، الحضارة والبربرية و التصدي لقيادة الدولة بعقل إنفرادي إمبراطوري عسكري، لإنتاج مزيد من الصراعات الطاحنة و الحروب المدمرة، قد ولّی الی غير رجعة.
ومن المعلوم بأن لا إدارة و لا تدبير من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الوجوه، سواء تعلق الأمر بالإصلاح و النهوض أو بالتحديث والتطوير.
فما يحتاجه العراق لبناء مجتمع مفتوح و مزدهر، متقدم و صاعد هو تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي، أي الطبيعة النوعية للشيء كأمر ثابت يتصف بالكلية والعموم، و العمل علی خلق لغة مشتركة أو وسط للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و ذلك باحياء النصوص الدستورية المهملة حالياً للخروج من عنق الزجاجة و جعل الحياة في هذه البقعة المليئة بالخلافات المبنية علی أسس الطائفية وامبراطورية المذاهب والعقل القوموي العروبي أقل بؤساً و فقراً و أقل توتراً و عنفاً و التخلي عن ادعاءات التأله والقبض، التي تحيل الشعارات الی تنانين فكرية تولد الاستبداد والفساد و تنتج التوحش والخراب.
لابد للنجاح الی شعب واعي يؤمن بالديمقراطية الأفقية. فالإنتاج المعرفي لم يعد محصورا ببلد أو بهوية ثقافية، ولم يعد حكرا علی الغربيين وما يحتاجه المجتمع العراقي هو علماء و فلاسفة ينتجون معارف حول العالم و أناس ينخرطون في ورشة الانتاج المعرفي و ينتجوا أفكاراً عابرة للقارات والثقافات، ولا مثقفين يلّفقون النظريات المزّيفة أو يفبركون الاحلام المستحيلة، لحصد مزيد من الخسائر والكوارث.
و ختاماً: “من يعمل اليوم، سواء نجح أم أخفق، يصبح تحت نظر العالم، لذا فإن عمله يكون محل التقدير والتقييم، بقدر ما يعني جميع الناس في هذا الزمن المعولم.”