الرئيسية » مقالات » احمد النعمان ومحطات التخندق المشتركة

احمد النعمان ومحطات التخندق المشتركة

ما اقسى عبارة ( وداعاَ أيها الصديق العزيز احمد النعمان) والذاكرة تعتمر بعشرات الاعمال المشتركة التي كنا فيها رفيقين في خندق واحد نعمل بدأب وجدية كبيرين , انا والصديق الفنان الراحل الدكتور احمد النعمان, ومن الصعوبة على مثلي ترتيب المحطات المشتركة التي مر بها قطار الذكريات المشتركة ! ففي عام 2003 افتتحت موقعاً للكتاب والادباء العراقيين و كان بادارتي ومساعدة الشاعر الفقيد الاستاذ كمال سبتي رحمه الله, واستمر موقعنا طيلة سنتين حيث قدمنا فيه عشرات المحاضرات والامسيات الثقافية ذات المضامين التقدمية , وقد اسهم فيها الدكتور احمد النعمان اسهامات كثيرة ومتواصلة ! اما المحطة الأخرى فهي هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق التي نهض بها اساتذة اجلاء هم الدكتور كاظم حبيب والدكتور عبد الاله الصائغ والسيد علي القطبي الموسوي والدكتور تيسير الالوسي والدكتورة كاترين ميخائيل ومجموعة كبيرة من نخبة المثقفين العراقيين ! ومع انني مندائية الا ان رفاقي منحوني تعاطفهم بحيث لم اكن استشعر اي ميزة لي بينهم فهم رافضون لكل انواع الاذى الذي يلحق اصحاب الديانات العراقية الاخرى فنحن كما يقال في الهم سواء ! وكانت جهودنا مكثفة مع مشروع المؤتمر العالمي الاول للتضامن مع المندائيين في الاشهر الاخيرة من عام 2005 وكانت لجنتنا كما مر بنا تضم نخبة متميزة من كبار المثقفين العراقيين منهم الدكتور عبد الاله الصائغ ,الدكتور كاظم حبيب, الدكتور عقيل الناصري والاستاذ جاسم المطير, السيد علي القطبي, الاستاذ عربي الخميسي, القاضي الاستاذ زهير كاظم عبود والاستاذ موسى الخميسي, للتهيئة لهذا المؤتمر فترة طويلة دامت عدة شهور وكنا خلالها نجتمع اسبوعيا ولمدة ثلاث ساعات من كل يوم اثنين, كنت ادير تلك الاجتماعات والمناقشات التي كانت على وشك الانتهاء لاقامة المؤتمر وبعد ان حددنا موعد ومكان عقد هذا المؤتمر واجهتنا مثبطات كثيرة ولن انسى ماقاله لي الدكتور احمد النعمان انذاك وقد كان هو المنسق العام للجنة العليا للمؤتمر_ياسيدتي سوف تسرق كل جهودك وجهودنا معك, وسوف يذهب مجهودك ادراج الرياح لينتفع منه غيرك ويجيرونه باسمائهم, ولن يرى مؤتمرنا النور, واشتميني حين أموت إن لم يتحقق حدسي! وها أنا الان اترحم على روحه, فلقد كان محقا في حدسه. والمحطة الثالثة التي جمعتنا فهي موقع البرلمان العراقي ولقد استمر نشاطنا الثقافي الجمعي مواسم طيبة ولكننا خبنا حين لم يكتب لهذا الموقع الاستمرار وكنا جميعا قد علقنا عليه امالا كبيرة! وتجيء المحطة الرابعة لنجتمع في موقع ينابيع العراق, فكان أغلب أفراد مجموعتنا الرائعة دائبين على الحضور والتواصل اليومي تجمعنا امسيات ثقافية مشتركة و كان الدكتور النعمان معنيا بهموم فنية وثقافية تدخل من كوة الوعي والحساسية الجديدة فتعددت محاضراته ومشاركاته عن الفن التشكيلي و شكسبير, وغائب طعمة فرمان وفن الباليه و الاوبرا وغيرها وقد اشتركت مع النعمان في التحضير لاغلبها لنقدمها معا في هذا الموقع الجميل فضلا عن انني أدرت بعض ا لمحاضرات التي قدمها الدكتوراحمد النعمان اذكر من أهمها وأثراها وهي جواد سليم ومدرسة بغداد للفن الحديث حقيقة ام خيال بمناسبة الذكرى 45 لرحيل الفنان جواد سليم ومحاضرة في الذكرى 55 لبيان بغداد والفن الحديث والمحطة الرابعة هي التواصل مع الفنانة ناهدة الرماح وقد مد النعمان جسرا للمودة والصداقة بين ناهدة الرماح وبيني ! وقد نجح في ذلك وكان النعمان سعيدا بذلك الجسر !, فكنت اتصل بها تلفونيا كل يوم من اجل تدوين حواراتي معها لتهيئة ملف خاص بها, وقد نشرت بعضا من هذه اللقاءات عبر مواقع الانترنيت ثم أكملنا اعداد ملف ناهدة الرماح سوية وقدم بأكمل صورة وبعدها قدمت للفنانة الرماح لقاء في موقع الينابيع في الثاني من ديسمبر عام 2005 ساعدني في تحقيق ذلك اللقاء المهم الرائع الصديق العزيز سمير طبلة وقد شهد اكثر المشاركين بان ذلك اللقاء حفر في الذاكرة الثقافية سطورا مضيئة ولن ينسى وقد اطلقت على الفنانة ناهدة الرماح اسم (نخلة العراق الشامخة) اما المحطة الخامسة فهي حين بدانا معا في كانون الثاني ً 2006 حين دخل الدكتور عبد الاله الصائغ في أزمته الصحية الشديدة فكان علي ان أتخندق مع الدكتور النعمان لنوحد جهودنا من اجل متابعة حالة الدكتور الصائغ, ونتولى نشر مايخص حالته الصحية انذاك, ونتابع معا كتابة ونشر يوميات ورسائل تخص استاذنا ورفيقنا الصائغ من اجل انقاذه من ازمته الكارثية التي المت به والمحطة السادسة وفرت لنا لقاء تاريخيا نحن صفوة المثقفين كان اللقاء مع الدكتور احمد النعمان الاول والأخير على ربوع كوردستان العراق ضمن وقائع مؤتمر المرحوم الاستاذ ناجي عقراوي في اربيل في تشرين عام 2009, وقد التقيت هناك مجموعة كبيرة من اصدقائي واساتذتي الذين جمعتني بهم أجمل النشاطات الثقافية والادبية والفكرية, وقد كنا جميعا قبل اللقاء على تواصل مستمر ببعضنا طيلة السنين الماضية ومنهم الدكتور تيسير الالوسي و الدكتور كاظم حبيب, والاستاذ دانا جلال والاستاذ نهاد القاضي والدكتورة منيرة اوميد والاستاذ فؤاد ميرزا والبرلمانية الشاعرة بيرزاد شعبان واذا كان الصائغ وهو رئيس اللجنة الشعبية العليا لمهرجان التكريم ولم يحضر فقد حضرت ابنتاه التشكيلية سوزان عبد الاله الصائغ والشاعرة جنان الصائغ فكأنهما مثلا ابيهما ! اما المحطة السابعة والاخيرة فهي ما كتبه الناقد الفنان التشكيلي موسى الخميسي في كتابه( تشكيليون عراقيون على خرائط المنفى) وانقل بعض ما اورده الخميسي عن الدكتور احمد النعمان وتحت عنوان(اختبارية تحاول اختراق مشقات العتمة)فقال : تتخذ أعمال الفنان أحمد النعمان, الطابع السايكولوجي الجواني, ممتزجاً بمواضيع تحاول استكشافات منظم اللاوعي عبر تجارب متنوعة, مثل قوة الحلم والخيال وحالات الهلوسة والوهم وميدان الغرائز والرغبات المكبوتة..الخ, أي انها ترتكز على ميدان يتخطى أرض الواقع, ليتيح التغلغل الى داخل الذات, فالفن عنده هو أحد وسائل التعبير عن الحالات النفسية العميقة لانه يشكل لمحة جمالية في ذاتنا الحميمية, ولهذا نلاحظ اعماله الاولى مستسلمة لخيال حر, فالصورة المنجزة هي حرية الخروج المتحقق, وهي ايضا قوة الرفض للحالة الشعورية, قادرة على تحطيم الاطر المنطقية للادراك, لتصبح كل المحرمات مسموحا بها في اطار حريتها المنطلقة.يترك الالوان تتغير مع تغير الضوء ومستوياته, لان مثل هذه المتغيرات تشكل باعتقاده حالة بحث دائم عن جماليات بصرية جديدة, فهو عندما يضع اللون على اللوحة, يبحث عن السعي لكشف تجلياته, فيتركه احيانا بشكل عفوي الى ان يتحول الى نوع من الانسياب الطري الذي يشبه انسياب الزيت على الحصى.

كان احمد النعمان لوحة كبيرة جميلة استوعبت منجزات اصدقائي واساتذتي فإذا غاب النعمان فهذا يعني ذوبان لون بهيج من الوانها ! كان قلب النعمان فردوسا يجمع الكثير من المبدعين عراقيين وغير عراقيين ! ورحيله يعني رحيل حقبة تاريخية مهمة جمعتني معه في صداقة والفة واخوة تخللتها نجاحات وتألقات مشتركة مثلما تخللتها خيبات واحباطات ذابت في ذرات تربته واستقرت في ذاكرتي. فالرحمة لهذا الرجل القارة كما وصفه الدكتور الصائغ

راهبة الخميسي السويد