الرئيسية » مقالات » التنبؤ الجنائي ودوره بمنع وقوع الجريمة

التنبؤ الجنائي ودوره بمنع وقوع الجريمة

التنبؤ لأجهزة الأمن ضرورة حتمية لاعتبارات ذاتية وخارجية لأنها المعنية بحماية الأمن في مختلف مجالات الحياة فمعظم المشاكل السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية أصبح لها انعكاسات أمنية واضحة كما أن جهاز الشرطة يؤدى واجبه فى مجتمع دائب الحركة، وبصورة متسارعة ، ومتلاحقة مما يجعل إمكانية رصدها ، وتحليل أبعادها ، وتأثيراتها أمراً ليس يسيراً ،ومواجهة الشرطة للمواقف الأمنية المختلفة ، لا يمكن أن تعتمد على مهارة أو خبرة مسئول أو أكثر فقط بل من المحتم الاستعانة بالأساليب العلمية الحديثة في الإدارة والسيناريوهات المعدة سلفاً لمثل هذه المواقف، والتي تقوم على التنبؤ المستقبلي بتلك المواقف الأمنية وهذا النمو جاء أصلاً نتيجة الاحتكاك بين الاتصالات وعالم الرياضيات وعالم الواقع.
ونظراً لاعتماد التنبؤ علي البيانات والمعلومات، حيث أنه عند تحليل تلك المعلومات ووضعها في إطار مترابط تنشأ المعرفة، وهي نموذج فكري يمكن تطبيقه بدرجة من الاعتماد علي توقعات الأفراد بناءً على الاستناد على مجموعة من المعلومات أو تجارب سابقة وتعد إدارة المعرفة، من احدث المفاهيم الإدارية والتي نمت الأدبيات المتعلقة بها كماً ونوعاً.
تختبر حاليا الشرطة البريطانية برمجيات متطورة تساعدها على التنبؤ بمكان الجريمة وزمانها قبل وقوعه، تقوم المنظومة على دراسة أنماط واتجاهات حوادث سابقة وحالية ثم ربط المعلومات بجملة بيانات أخرى بينها تقارير جنائية وتقديرات أمنية وملفات عن سلوك المجرمين وحتى نشرات الأرصاد الجوي، وتُستخدم هذه المادة مجتمعة لتحديد المناطق الساخنة وبؤر الحوادث الأمنية بحيث تتمكن قوات الشرطة من تخصيص موارد وقوات كافية لتلك الأماكن التي من المرجح ان تقع فيها جرائم محدَّدة.
إن التكنولوجيا الجديدة التي تنتمي إلى اختصاص يشهد نموا متسارعاً تحت عنوان “التحليل التنبؤي”، يجري اختبارها بصورة سرية في بريطانيا بعد تجربتها بنجاح في مدينة ممفيس بولاية تينسي الأميركية، وأكدت شرطة المدينة ان البرمجية الجنائية كانت السبب الأساسي في انخفاض الجريمة إجمالا بنسبة 31 في المائة وجرائم العنف تحديدا بنسبة 15 في المائة. كما كانت التكنولوجيا الجديدة وراء ارتفاع المعنويات بين أفراد شرطة المدينة بزيادة معدلات التوقيف وإشعارهم بأن عملهم يحقق نتائج ملموسة وقال جون وليامز من وحدة التحليل الجنائي في شرطة ممفيس ان البرمجيات الجديدة أداة اشد فاعلية من التحرك بعد وقوع الجريمة لاكتشاف مرتكبها لأنها تضع أفراد الشرطة في المنطقة وقت ارتكاب الجرائم.
وفي بريطانيا استخدمت وزارة العدل هذا العام )تقنيات التحليل التنبؤي للتعرف على السجناء الذين انهوا محكومياتهم( ومن المرجح ان يعودوا الى عالم الجريمة مجددا بالاستناد إلى ظروف مثل السكن ومستوى التعليم والعلاقات الخاصة والاجتماعية والوضع المالي ونمط الحياة ودائرة الأصدقاء وتعاطي المخدرات والكحول والحالة العاطفية والسلوك والمواقف.
وفي ولاية فلوريدا بدأت وزارة العدل الأميركية استخدام البرمجيات نفسها) للتنبؤ بالأحداث الجانحين( الذين من المرجح إن يكرروا أفعالهم الجنائية وإرسال الذين يرشحهم الكومبيوتر إلى دورات وقائية وبرامج تثقيفية هدفها إبقاؤهم على الطريق القويم ومنع عودتهم إلى الجريمة.
قامت بتطوير برمجيات المنظومة الجنائية الجديدة شركة آي بي أم العملاقة التي ترى ان استخدام عمليات التحليل بصورة متزايدة مجال للنمو بوتائر عالية في المستقبل واستثمرت أكثر من 11 مليار دولار في هذا المضمار خلال السنوات الأربع الماضية.
إلزاما على المخطط الشرطى البحث عن المصادر التى يمكن التنبؤ من خلالها باحتمال حدوث مواقف أمنية مستقبلية ودراسة تلك المصادر، والمعلومات ، والبيانات الناتجة عنها ، وجمعها ، وتحليلها ، وتفسيرها وعرضها بصورة مبسطة حتى يمكنه الحصول منها على مؤشرات جيدة تساهم فى وضع الخطة اللازمة لاحتواء ذلك الموقف الأمني وتلك المصادر والتي يستقى منها التنبؤ البيانات والمعلومات اللازمة لنشأته وقيامه يمكن إجمالها في المصادر التالية:
التاريخ الأمني، تصور المستقبل الأمني، المعلومات الأمنية الميدانية .
ويتمثل ذلك التصور في العناصر التالية
دراسة العوامل الناتجة عن التطور الهائل في أجهزة الانتقال، والاتصال، والتي أسفرت عن انتقال أسباب الجريمة بين المجتمعات.
توقع إمكانية حدوث بعض الجرائم الأمنية المستقبلية أثناء التخطيط لمواجهة جرائم أخرى حالية.
دراسة تطور استخدام التقنيات الحديثة في عالم الجريمة ، وآثاره الأمنية المستقبلية.
تصور الاحتياجات المستقبلية لجهاز الشرطة من القوى العاملة ، التجهيزات ، والمعدات ، والأسلحة والمركبات .. الخ ، وكذا التوزيع الجغرافي للوحدات الشرطية والحاجة المستقبلية إلى زيادتها، أو إعادة توزيعها تبعاً للزيادة السكانية ، والتوسع العمراني عن طريق استخدام بيانات ، وإحصاءات التاريخ الأمني والواقع الأمني ، وكذا بالاستعانة بالإحصاءات السكانية ، والعمرانية والاقتصادية وغيرها من الإحصاءات المتخصصة.
ويمكن بذلك التنبؤ ببعض المؤشرات المستقبلية للحالة الأمنية، والتي تساهم في وضع الاحتمالات شبه المؤكدة والتي يستند عليها المخطط الشرطي بجوار مهاراته وخبراته العملية في وضع الخطة الأمنية لاحتواء المواقف الحرجة المستقبلية أو الحد من تفاقم آثارها
أهمية استخدام علم الإحصاء للتنبوء:
بالنسبة لجهاز الشرطة فمادة الإحصاء لها دوراً هاماً في مجال التنبؤ إذ أنة يمكن للإحصاء أن يعطى مؤشرات جيده عن حالة الجريمة، وبالتحليل الرقمي يمكن استنتاج مدى فعالية إجراءات المكافحة، ومدى كفاءة الأجهزة التي تتولى المكافحة، ومعرفة الأماكن التي تكثر بها ظواهر إجرامية معينه، وأوقات ارتكاب هذه الجرائم، وأسلوب ارتكابها، وهذا بالطبع يساعد في وضع الخطط اللازمة لمكافحة الجرائم، كما أن الإحصاءات تساعد على التعرف على حجم الظاهرة الإجرامية وتطورها بإجراء المقارنات بين أعداد الجرائم، وكذلك معدلات تغيرها من خلال
دراسة تحليل السلاسل الزمنية، كما إن استخدام الأساليب الإحصائية يساعد في صنع الخطط والبدائل المناسبة في مواجهة حالات احتماليه ( ظروف عدم التأكد ) كما يمكن تحليل البيانات تحليلاً علمياً للتعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بارتكاب الجرائم، وقياس درجة الارتباط ( معامل الارتباط ) بين الظواهر الإجرامية المختلفة
على برامج حديثة منها تدريس الرياضيات البحثية لرجال الشرطة، والمشكلات التي تواجه عملية التنبؤ الأمني، وجمع وطرح الحدود والمقادير الجبرية، وأسس اللوغاريتمات العشرية والطبيعية، وحساب الزوايا وتطبيقاتها الأمنية، والاحتمال الشرطي، والتوزيعات الإحصائية، والمفاضلة بين صيغ التنبؤ، إضافة إلى التطبيقات الحاسوبية للتنبؤات الأمنية، والتدريب العملي للمشاركين، والتعريف بالتطبيقات الشرطية والمجالات الأمنية التي يُمكن استخدام هذه الأسس لإدارتها، وتفعيل الأداء الأمني فيها، وهذا الأمر يتطلب اهتمام المتدربين بمتابعة المحاضرات وتفهم المعادلات وحل الواجبات واجتياز الاختبارات القوية.
يجب تبني التنبؤ الوقائي كمتطلب أساسي في عملية إدارة الأزمات من خلال إدارة سبّاقة وهي الإدارة المعتمدة على الفكر التنبؤي الإنذاري لتفادي حدوث أزمة مبكراً عن طريق صياغة منظومة وقائية مقبولة تعتمد على المبادرة والابتكار وتدريب العاملين عليها.
من العرض السابق إلى عدد من المقترحات التي يقترح الأخذ بها لتحقيق أداء أفضل للإدارة الشرطية ومنها.
1 -أهمية إنشاء إدارات حديثة للإحصاء الآلي التي أصبحت أهم الدعامات التي يرتكز عليها القادة في الحصول على البيانات اللازمة للتخطيط واتخاذ القرارات ، وكذا إدارات التحليل الاتجاهات الرأي العام الناتجة عن تطور وسائل الاتصال والجماهيري ،ووحدات أو مراكز لدراسة المستقبل ، جميعها تلحق بمراكز أو أجهزة معالجة الأزمات مع ضرورة إنشاء مركز للبحوث العلمية الأمنية للاستفادة من الخبرات المتخصصة في مجال الحاسب الآلي وعلم الإحصاء وبحوث العمليات والاتصالات وغيرها من التخصصات بحيث يكون ذلك تابعا لإدارة موحدة يكون من ضمن مهامها -2المساهمة في التنبؤ بالأحداث الأمنية ووضع الخطط العلمية للعمليات الشرطية الكفيل بمواجهتها والإطلاع المستمر والمتصل على أحدث التقنيات العلمية لمكافحة الجريمة ودراسة الأساليب الإجرامية الحديثة المنتشرة في البلاد المتقدمة وإعداد الخطط الأمنية لمواجهتها قبل دخولها البلاد. وهذا ماتفتقر اليه ادارات الشرطه بالعراق
-3تهيئة نظام فعال للمعلومات يستخدم تكنولوجيا الحاسبات الآلية يقوم على تجميع وتصنيف وتنظيم وتحديث مستمر لكافة البيانات والمعلومات من الظواهر البيئية المؤثرة في الأداء الشرطي وإتاحتها بشكل مستمر لأغراض التخطيط والرقابة.
-4 توفير أحدث الدوريات العلمية المتطورة للاستفادة منها في الأبحاث الشرطية بالمواضيع التالية:
أهمية التنبؤ الأمني في مجال العمل الشرطي، أساليب التنبؤ الأمني الجنائي، دور الإحصاء الأمني في التوقع الإجرامي المستقبلي، دور الحاسة الشرطية في توقع الجريمة المستقبلية، ترسيم الخطط الشرطية طبقا لنتائج التنبؤ الشرطي، دور التنبؤ الجنائي في تحديد الجناة في الحوادث الجنائية، دور المصادر البشرية في تحديد التنبؤ الجنائي، كيفية التعامل مع المصادر البشرية لتحديد حجم التنبؤ الجنائي وأشخاص الجريمة المحتمل إقدامهم علي الجريمة القادمة واضافتها الى مناهج كليه الشرطه والمعهد العالي
-5بناء افراد الأمن الداخلي(مهنياً،وتدريبياً،وثقافياً) تقع ضمن أولويات الأجندة الوطنية للعديد من دول العالم،وخاصة تلك التي تقع تحت طائلة التهديدات المستمرة،وهو ما ينطبق بدوره على العراق،التي تشهد بيئتها الداخليه بعض التوترات والأزمات،المحفزة لظهور تيارات وعناصر تستهدف أمن وسلامة العراق. إن مكمن الصعوبة في القضاء على الإرهاب هو أن جميع الجهود لن تكون كافية للتغلب على الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة، وهي: الفقر، والإحساس بالاغتراب والعزلة، والسخط، والأحقاد العرقية ذات الجذور التاريخية؛ وتطوير مهارات الافراد بالفكر التنبؤي .