الرئيسية » مقالات » (القصيدة المركّزة في شعر عبدالرزاق الربيعي)كتاب جديد يقدم مقاربة في القصيدة الثمانينية العراقية

(القصيدة المركّزة في شعر عبدالرزاق الربيعي)كتاب جديد يقدم مقاربة في القصيدة الثمانينية العراقية

بيروت – قلة من الباحثين قرأوا القصيدة الثمانينية العراقية أكاديميا لأسباب عدة من ضمنها أن معظم نتاج جيل الثمانينيات طبع خارج العراق ,لذا صعب على الدارسين الوقوف عليه , لذا فالباحث طلال زينل سعيد ركب مركبا صعبا عندما درس تجربة الشاعر عبدالرزاق الربيعي أكاديميا بجامعة الموصل ونال عن دراسته درجة الماجستير في الأدب العربي بإشراف الدكتور محمد صابر عبيد
وقامت دار الحوار بدمشق بطباعة الرسالة في كتاب حمل عنوان”القصيدة المركّزة في شعر عبدالرزاق الربيعي ” صدر هذه الأيام .


قام الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، يثبت الناشر على الغلاف الأخير من الكتاب كلمة يقول فيها “تعد القصيدة المركزة وجهاً من أوجه القصيدة الحديثة التي غدت اليوم تتسع وتتحدث على نحو مواكب للتطور والتحديث الحاصلين في العالم بشكل سريع، وهي قصيدة نابضة بالغنائية بدلالات لا حد لها تفتح أمامنا نافذة صغيرة للرؤية نابعة من سمتها التركيزية أو الاختزالية التي تعد أهم ما يميز هذا البناء الشعري، مع الإشارة إلى أن آلية التركيز وفلسفته لا تتوقف عند مفهوم (القصر)، بمعناه الرياضي حسب، بل تتجاوزه إلى عملية اختزان وتكثيف كبيرة تطال العاطفة أو الانفعال أو الفكرة، وتسهم في تجلية حالة أو مشهد بالوصف في اقل قدر ممكن من التعبير مما يتطلب مهارة فنية عالية وقدرة خبروية ودربويّة متينة وقد آثرنا , والكلام لطلال, اختيار مصطلح (القصيدة المركزة) على سائر المصطلحات الأخرى التي تنعت به هذا النوع الشعري لما يتمتع به هذا المصطلح من قدرة عالية على التمثيل وبديلاً أكثر دقة ومفهوماً أشمل معنى من مصطلح (القصيدة القصيرة)، متجاوزاً بذلك إشكالية (الطول أو القصر) في تصنيف القصيدة الشعرية المعاصرة”

ويبين الباحث طلال في مقدمة كتابه سبب اختياره للربيعي فيقول “الشاعر عبد الرزاق الربيعي شاعر نوعي له أسلوبية خاصة في التشكيل والتعبير على الأصعدة كافة، منذ أن قرأنا له أول مرّة عرفنا أنه شاعر يتعامل مع اللغة بطريقة غاية في الفرادة والتميّز والخصوصية، وبدأنا نتعامل مع شعريته على هذا الأساس انطلاقاً من طبيعة اللغة الشعرية التي ينتجها، والصورة الشعرية المكتنزة التي يؤّلف نسيجها على وفق هيئة مثالية في التركيب الصوري الشعري الذي يقوم على الهندسة والجمال في آنٍ معاً.


ويضيف ” حاولنا الولوج في متن الشاعر، لنستجلي ما فيه من دلالات وقراءات، جاء التمهيد بمحورين تضمن الأول البحث في مصطلح القصيدة المركزة وسبب اختيارنا لهذا المصطلح من دون سواه من المصطلحات الموظفة للغرض نفسه الغرض، وتحدثنا في المحور الثاني عن شاعرية عبد الرزاق الربيعي، الذي نهل من نبع شعري أصيل، والممتلك للأدوات الشعرية، وقد وقف عندها كثير من النقاد العرب بالنقد والتحليل والإشادة
وأما الفصل الأول فقد حوى مدخلا وأربعة مباحث، تطرق المدخل إلى طبيعة اشتغال السردي في الشعري وبطاقة اختزالية كبيرة، كون النص ينتمي إلى القصيدة المركزة القائم في الأساس على الاختزال والتكثيف، وجاء المبحث الأول خاصا بقصيدة الحكاية التي تعد وجها سردياً مهما استغله الشاعر ليعبر من خلاله عن واقعه العراقي من جهة وواقعه الاغترابي من جهة ثانية جسد من خلالهما قيما فكرية وأخلاقية وجمالية. واختص المبحث الثاني بدراسة الجانب السيرذاتي الذي يشكل مفصلا حيويا في قصيدة السردية للشاعر استطاع من خلالها تجسيد ذاته الشعرية على نحو مميز حضرت فيه الحياة بكل متناقضاتها السلبية والإيجابية، كما حضر الشعر بكل تقاناته وأدواته. وجاء الحوار في المبحث الثالث ليعبر عن نوع سردي ثالث كان لحضوره فاعلية كبيرة في شعر الشاعر، أما المبحث الرابع فخص بقصيدة السؤال سعى من خلالها الشاعر إلى طرح قضاياه وهمومه أمام القارئ الذي يوجه له الخطاب ليثير تعاطفه من خلال طبيعة الأسئلة المطروحة على طاولة النص، والمنتقاة انتقاءً واعيا ومركزاً، ظاهرها يوحي بطابعها الذاتي الفردي وباطنها ينم عن هم ومصير مشترك عبر إخضاعها لوعي الحالة الراهنة في الكتابة.
وتضمن الفصل الثاني مدخلا وثلاثة مباحث، تناول الباحث في المدخل التمهيد لكيفية اشتغال البنية التشكيلية – بوصفها مرتكزا من مرتكزات فن التشكيل – في النص الشعري، أما المبحث الأول فتحدث عن فاعلية الصورة في تشكيل القصيدة المركزة بوصفها أنموذجاً تشكيلياً خاصاً، تسعى فيه هذه القصيدة إلى توظيف العناصر الكثيفة للصورة في جوهر التعبير الشعري الكلّي في القصيدة، وتعدّ الصورة عنصراً مركزياً مشكّلاً لحساسية القصيدة ورؤيتها ومقولتها، تنتظم في مفهومها الحيوي العام بوصفها تركيبة عقلية منظّمة تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكرة والتصوّر والخيال أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع، وتناول المبحث الثاني قصيدة اللوحة في شعر عبد الرزاق الربيعي، وذلك عبر تلاقح الشعر مع التشكيل للإفادة من اللوحة في تشكيل القصيدة التي أخذت من فن الرسم كثيراً من صيغ التعبير اللونية والخطية وتوزيع كتل السواد على بياض الكتابة، وغيرها من فنون التعبير التشكيلي التي تضع القصيدة في سياق تعبيري تشكيلي يقترب من حساسية اللوحة التشكيلية، بحيث يمكن النظر إلى القصيدة ومحتوياتها وكأنها لوحة فنية مرسومة بخيال رسّام ورؤية شاعر، أما المبحث الثالث فجاء خاصا بقصيدة المرايا التي تتحوّل القصيدة نفسها إلى مرآة تعكس مصوراتها الشعرية بما يتلاءم مع تجربتها وحيواتها والطريقة التي يجري بها تقديم القصيدة وتشكيلها، وقد يسعى الشاعر إلى وضع مفردة (المرآة) أو مشتقاتها في القصيدة لكي يدلل على حضور الصورة المرآوية في قصيدته، ومن ثمّ يركز عمله الشعري على فضاء المرآة وما يحيط بهذا الفضاء من مجالات صورية يمكنها أن تغني العمل الشعري في القصيدة وتعكس وظيفة المرآة في الصورة الشعرية.
وقام الفصل الثالث على البنية الفلمية للقصيدة المركزة بمدخل وأربعة مباحث، عاين المدخل النظري مصاهرة القصيدة المركزة لفن السينما بتقاناته المختلفة التي تجسدت في قصيدة الشاعر في اللقطة السينمائية والومضة والوصف والمفارقة السرد- صورية كما جاء في المباحث الأربعة، فجاء المبحث الأول خاصا باللقطة السينمائية التي اتسمت بسمات تعبيرية مأخوذة من فنيات التعبير السينمائي، وهي تقوم على الصورة والإشارة والكلمة وغيرها مما يسهم في بناء اللقطة الشعرية السينمائية الواحدة وصولاً إلى تعددية اللقطات المكونة لمجمل المشهد الشعري الكامن في النص، وتناول المبحث الثاني قصيدة الومضة التي عمد فيها الشاعر إلى تكثيف تجربته واختزالها إلى الحد الذي يجعل من القصيدة، صورة شعرية واحدة، مكتملة الأبعاد والرؤى كما يعتمد الشاعر فيها على الضربة الشعرية التي يحقق فيها أكبر قدر ممكن من التركيز والتكثيف الذي يستوعب عموم التجربة، وتضمن المبحث الثالث على قصيدة الوصف المركزة التي تشتغل على آلية الاستغراق في وصف المكان والشخصيات والأشياء الشعرية الأخرى المكونة لفضاء القصيدة، معتمدة في ذلك على معطيات ديكورية درامية أو سردية أو معمارية أو غيرها، كما تسهم إسهاماً فاعلاً في رصد الحراك الشعري المكاني (خاصة)، وذلك استناداً إلى وصف الراوي الشعري الذي يجتهد في إقامة بنيان النص الشعري على ما تنجزه فعالية الوصف، وتربعت المفارقة على المبحث الرابع، إذ تمتعت بحضور قوي وفعال في مساحة القصيدة المركزة عند الشاعر، ذلك أن بنيتها التركيبية، تتناسب وتنسجم مع الشكل أو الهيكل العام لنمط هذه القصيدة.