الرئيسية » مقالات » أطفال سوريا في أتون المحرقة

أطفال سوريا في أتون المحرقة

في وقتٍ يعجز الانسان فيه عن الحياد ويبحث عن خِطابٍ عقلاني متوازنٍ يحاور فيه عقلاء المجانين من صناع الموت، فلا يجد الا اشلاء رضعٍّ وبقايا أطفال!
في لحظةٍ يُصبِح الحليم فيها حيرانًا، وأمام أحداث أليمةٍ تفتح في هيكل الانسانية جرحًا لا يُمكن لمخلوقٍ أن يتجاهله، ولا يمكن حصر تفاعلاته على الأجيال اللاحقة فيما بعد.
وفي ظلّ تلك الظروف الكارثية تسقط كل المعادلات السياسية والتكهنات العسكرية ومفاهيم “الربح والخسارة والحدود والسلطة والحكم… ” وتكون لحظة تدين كل إنسان في الوجود مهما كانت هويته وانتماؤه وتضع دول العالم كلها أمام مسؤولية أزمة انسانية حقيقية!
وفي وقت يُظهرُ فيه الرأي العام و الدول سُخطًا “انتقائيًّا” تجاه دماء البشر المسالة، نجد أنفسنا مطالبين بنزع الشرعية عن ممارسة شتى انواع الارهاب كائنًا من يقف ورائها أفرادًا او انظمة او دولاً او ايديولوجيات.
ان منطلق العدالة الانسانية يحتم علينا الا نقف ساكتين امام مرتكبي “الجرائم” والمتورطين فيها، بعد ان طاول العنف المنظم الأطفال والرضع الذين أقلهم يحمل “عاهة ” جسدية ونفسية سوف تلازمه مدى الحياة.
وبعد ان سدّت الطرق أمام وسائل الإعلام لتغطية الأحداث الدامية في سوريا وحمص بالتحديد، تبقى شهادات السكان أو من تبقى منهم، هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة مجريات الأمور على أرض الواقع للممارسات “نظام” يعرفها الشعب السوري ناهيك عن اللبناني معرفة جيدة ، فلا يكاد يخلو بيت سوري أو حتى لبناني إلا وتجد فيه معتقلا سابقًا عرّج على أقبية التعذيب خلال العقود الأربعة واختبر عمق الممارسات اللانسانية بحق المشتبه فيهم والمعتقلين فيما يسمى بالسجون السورية .
وأثر تنامي الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام منذ آذار الفائت تزايدت الاعتقالات في صفوف الأطفال وكان مندبو هيومن رايتس ووتش قابلوا عددا منهم الذين أكدوا على تعذيب الأطفال في مراكز الاحتجاز في شتى أنحاء سوريا. حيث يتعرض الأطفال لمعاملة أسوأ من البالغين، بما في ذلك الانتهاكات الجنسية.
بيد أن ناقوس الخطر الذي يُدق يوميًّا غير كاف ليُسمع آذان العالم على ما يبدو ويدفع المجتمع الدولي لاتخاذ اجراءات حقيقية لاغاثة المنكوبين . وان كان معظم التيارات اللاعنفية لا تؤيد أي تدخل عسكري وتدين كل عمل مسلح مهما كان مصدره غير ان السكوت عن مجزرة ترتكب وسط اتهامات متبادلة تعد جريمة بحق الانسانية، فأعمال الاغاثة الانسانية يجب ان تُباشر ولو أدى ذلك الى مواجهة الارهاب بصدور عارية .
أما سيناريو حماه 1982 الذي يحمل في ذاكرة من بقوا عاد ليقفذ الى الواجهة من جديد ، وليحرك أيضًا ذاكرة مدينة طرابلس اللبنانية التي عانت ما عانت على أيدي النظام السوري خلال الحرب الأهلية في لبنان ، فالأجيال الوليدة لا زالت تتناقل قصص أحداث ومجازر واعتقالات، والذاكرة الاجتماعية مثقلة بالدماء، وان كان الصفح وطيّ صفحة الماضي خير طريقة ينآى بها الانسان الواعي، فإن شريحة كبيرة من الناس لم تستطع تجاوز الامر لان ممارسة العنف بحق الضعفاء وهم “الاطفال الان”، سيؤدي الى تحويلهم “قنابل بشرية موقوتة ” و “كائنات انعزالية متشرنقة ” في المستقبل، مالم تتم معالجة أوضاعهم الجسدية واعادة تأهيلهم النفسي. في وقت أشارت اليونيسف في بيانها الأخيرقبل يومين بانها لم تتمكن من الوصول إلى المناطق المتضررة في حمص ولا تستطيع تأكيد تأثير الهجمات على الأطفال. لكن هناك أنباء جديرة بالثقة، بما فيها تلك الواردة عن وسائل إعلام دولية، أن الأطفال يقعون ضحايا للعنف. ومن الضروري السماح للمصابين من بينهم بالحصول على العناية الطبية المختصة فورا وبشكل غير مشروط.
بينما قالت لويس ويتمان، مديرة قسم حقوق الطفل في هيومن رايتس ووتش: “لم يتم إعفاء الأطفال من هول حملة القمع السورية. قتلت قوات الأمن السورية واعتقلت وعذبت الأطفال في منازلهم ومدارسهم والشوارع. وفي حالات عديدة استهدفت قوات الأمن الأطفال كما تستهدف البالغين”.
ولسنا في حاجة لأن نذكر ان المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل ورد فيها أن: “ألا يتعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” وأن “ألا يحرم أي طفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية. ويجب أن يجرى اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقا للقانون ولا يجوز ممارسته إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة”. صدقت سوريا على اتفاقية حقوق الطفل في عام 1993.
اذن نحن أمام واقع يُعيد انتاج العنف والارهاب بنسخة مُطورة ومحدثة ومعدلّة، وسنجد أنفسنا أمام تنامي كل “الأصوليات” كنتيجة حتمية، فالأصولية والاستبداد توأمان مما يُنذر بحرب أهلية. ان الانظمة التي أسست على العنف لا يُنتظر منها سلامًا وهي التي تمارس شتى انتهاكات حقوق الانسان بحق مواطنيها. والعقلاء يعلمون جيدًا ان السلام لا يتحقق الا في ظل انظمة ديموقراطية وعلمانية تنزع المشروعية الايديولوجية عن العمل السياسي .
ان الحلول الأمنية الداخلية كما التدخل العسكري الخارجي لا تعد أعمالا مشروعة ولا تشكل حلا، والقتل مهما كانت دوافعه يبقى جريمة والحرب مهما كانت مسوغاتها تبقى جائرة .
على أية حال قد يبدو وكأن أفق الحلول قد سدّت أمام الابرياء والعزّل ولم يعد أمامهم سوى الصلاة وتحضرني مقولة لغاندي يشير فيها الى أنه :” مهما بلغت ضآلة الأمة أو المجموعة ، فبوسعها، شريطة امتلاك العقل والرغبة والارادة، الدفاع عن شرفها في وجه العالم المدجج بالسلاح، وهذا الذي يصنع القوة التي لا تُضارَع …لأن هذا هو الدفاع اللاعنفي الذي لا يعرف الهزيمة .. لذا فإن الأمة التي جعلت من اللاعنف سياستها النهائية يستحيل استعبادها حتى وان استعملت ضدها القنبلة الذرية ”
وأخيرا ؛ وقعت يدي على مقالة لي منشورة بعنوان “جنون الحرب وصناعة الارهاب” دونتها خلال الحرب على غزة عام 2009، ووجدت عمق التشابه في الجرح الانساني، تختلف التسميات ويبقى جوهر العنف واحدا ووجدت ان مقدمتها تصلح لهذا المقال أيضا . فما أشبه اليوم بالبارحة !