الرئيسية » مقالات » الشباطيون الجدد.. إلى أين؟

الشباطيون الجدد.. إلى أين؟

تمر هذه الأيام أبشع ذكرى لأبشع كارثة عرفها تاريخ العراق بعد غزو المغول لبغداد، ألا وهي كارثة 8 شباط 1963، بحيث صار مجرد اسم شباط يثير في الذاكرة العراقية صوراً مؤلمة وبشعة، فما أن يتذكر العراقيون هذا الاسم حتى وتبرز في مخيلتهم، وأمام ناظريهم صورٌ مجازر انقلاب 8 شباط الدموي الأسود، والذي سمّاه أحمد حسن البكر بـ”عروس الثورات”، بينما أطلق عليه شعبنا اسم يستحقه وهو(عاهرة ثورات الردة)، الانقلاب الذي اغتال فيه شذاذ الآفاق ثورة 14 تموز المجيدة، وقيادتها الوطنية، وعلى رأسها أشرف وأنزه حاكم عرفه العراق في تاريخه الحديث، وهو الشهيد الزعيم عبدالكريم قاسم وصحبه الشهداء الأبرار، وقتل المتآمرون الشباطيون خلال أسبوع واحد نحو عشرين ألف من خيرة الوطنيين من مختلف القوى الوطنية، وأحالوا الشوارع، والساحات، والمنتديات الرياضية في طول البلاد وعرضها وخاصة بغداد، إلى معتقلات مزدحمة، لأن السجون ومراكز الشرطة لم تسع العدد الهائل من المعتقلين، نساءً ورجالاً، إضافة إلى جرائم الاغتصاب، وهتك الأعراض، والقتل تحت التعذيب من قبل صبيان الحرس القومي الفاشي. وكان أياد علاوي، زعيم كتلة “العراقية” اليوم هو أحد هؤلاء الحرس مع رفيقه صدام، يمارسون هوايتهم في تعذيب المناضلين ودفنهم وهم أحياء.
الانقلاب الدموي الأسود الذي قاده البعثيون وحلفاؤهم القوميون العرب، الناصريون وغيرهم من مختلف فصائلهم الفاشستية، وحفنة من الضباط العسكريين من أبناء الإقطاعيين الذين تضررت مصالحهم بالثورة، من الذين باعوا ضمائرهم ووطنهم وشرفهم العسكري والوطني، لقاء دراهم بخسة، فدفعوا ثمن خيانتهم فيما بعد وصاروا لعنة للتاريخ. وكما تفيد الدراسات عن هذه المؤامرة القذرة أن تآمر على ثورة تموز أكثر من أربعين جهة لا يجمعها أي جامع سوى عداءهم للشعب العراقي لأنه تجرأ بالثورة على التبعية الاستعمارية، والإقطاع والتخلف، وأراد تحقيق السيادة الوطنية الكاملة، والاستفادة من ثرواته الهائلة ولمواكبة التقدم الحضاري، فتكالبت عليه قوى الظلام في الداخل والخارج. وما أشبه اليوم بالبارحة.
لقد أدخل المتآمرون العراق في نفق مظلم منذ ذلك اليوم الشباطي الأسود وإلى يومنا هذا، ولا نعرف كيف ومتى ينجلي عنه هذا الليل البهيم. لذلك صار اسم شباط يثير في مخيلة الإنسان العراقي أبشع الذكريات المؤلمة وأعمق الأحزان الدفينة، صور الدم، والأجساد الممزقة، والمقابر الجماعية المرتبطة باسم البعث الفاشي، وعلي صالح السعدي، وناظم كزار، وصدام حسين وغيرهم من وحوش الغاب.
ولكن مهلاً، فالبعثيون يعرفون كيف يزيلوا السخام عن وجه هذا الشهر الدامي، ويدخلوه في دورة تأهيلية يصالحونه مع ذاكرة العراقيين، فهم شطّار ماهرون في توظيف كل شيء لخدمة أغراضهم الدنيئة، بل وحتى تمكنوا من استخدام ضحاياهم اليساريين لتأهيل شباطهم الأسود.
نعم، هناك محاولات لتأهيل شباط بتغيير بعض الأسماء مثل (شباب شباط بدلاً من الحرس القومي)، إذ نقرأ منذ انتفاضات الربيع العربي ثناءً بلا توقف على شباط، حيث بدأت الحملة في أوائل شباط العام الماضي (2011)، وتم تحديد يوم 25 منه، كتقليد ببغاوي لـ 25 يناير، يوم الانتفاضة المصرية، والغضب المصري الذي لا علاقة له بالعراق. ولكن حاول الشباطيون الجدد تجيير الانتفاضات العربية وتطبيقها على العراق الجديد لا لدعم الديمقراطية الوليدة، بل لذبحها وهي في المهد، تماما كما فعلوا مع ثورة 14 تموز، متغافلين ومتناسين أن الشعب العراقي سبق جميع الشعوب العربية بعشرين سنة، يوم انتفض في شهر آذار 1991، حيث حرر المنتفضون 14 محافظة من مجموع 18، ولكن تم ذبح تلك الانتفاضة الشعبية في حملة قادتها السعودية لأسباب طائفية وعنصرية، لأن أغلب المنتفضين كانوا من الشيعة والكرد، وقد دفع الشعب نحو 700 ألف شهيد خلال ثلاثة أسابيع ودون أن يرف جفن الإعلام العربي والعالمي آنذاك.
واليوم يعيد التاريخ نفسه على شكل ملهاة بعد أن أعيد على شكل مأساة. فها نحن نقرأ مقالات ضمن حملة صاخبة لإعادة تظاهرات شباط 2011، تقودها صحيفة المدى لصاحبها السيد فخري كريم، المعروف بمواقفه المتذبذبة، وتقلباته الأخطبوطية، إذ كان قيادياً في الحزب الشيوعي العراقي (عضو مكتب سياسي سابقاً)، وارتبط فيما بعد بالمخابرات البعثية السورية بشهادة السيد بهاء الدين نوري، زعيم الحزب الشيوعي العراقي في أوائل الخمسينات، واليوم فخري كريم مقرب من واشنطن بشهادة البروفيسور عباس علي، سنأتي إلى مقاله لاحقاً (1). هذا الرجل الأخطبوطي سخر صحيفته وكتّابه السائرين في ركابه، لتدمير العملية السياسية، بحجة محاربتهم لحكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية والفساد!!. فقد صعَّدت هذه الصحيفة حملتها ضد السيد نوري المالكي وحكومته إلى حد أنه ما أن تحصل عملية إرهابية، أو اغتيال صحفي، حتى وتسارع بتوجيه الاتهام إلى الحكومة، وإبعاد الشبهة عن الإرهابيين الفعليين، مثال مقال بعنوان: (ابحثوا عنهم في معطف الحكومة..القتلة…..! بقلم فخري كريم). طبعاً المقصود بالحكومة هنا رئيسها فقط، وليس المشاركين الآخرين فيها من الكتل الأخرى.
ومن مقالات حملة الاستعداء للعملية السياسية والاستعدادات لتأهيل شباط، وتظاهرات 25 شباط 2011، كتب أحد كتاب المدى، وهو السيد عدنان حسين، مقالاً يوم 2/2/2012 بعنوان (نحو 25 شباط جديد) بدأه بالتالي: “في يوم ما من أيام المستقبل، سيضيف المؤرخون المنصفون يوم الخامس والعشرين من شباط 2011 إلى قائمة الأيام المجيدة في تاريخ العراق الحديث باعتباره يوم انتفاضة شعبية على غرار ثورة العشرين ووثبة كانون الثاني 1948 وانتفاضة تشرين الثاني 1952 وثورة 14 تموز 1958وثورة أيلول (الكردية) 1961 وحركة تموز 1963 (حسن سريع ورفاقه)، وانتفاضة آذار 1991 وسواها”.(2) وهذه أبشع عملية نصب واحتيال لسرقة تاريخنا وتزييفه لصالح تأهيل شباط الأسود والشباطيين الجدد.
يلاحظ القارئ كيف رفع عدنان حسين تظاهرات شباط 2011 التي كان لفلول البعث وأتباع حارث الضاري دور فعال فيها، إلى مستوى ثورة العشرين، ومن هنا يظهر كيف يجيد هؤلاء التلاعب بعقول الناس وتضليلهم، وتلبيس الباطل بثوب الحق. ففي تلك التظاهرة الشباطية التي يروج لها كتاب (المدى) قام بعض المتظاهرين بحرق عدد من مؤسسات الدولة في مختلف مناطق العراق، وتسببوا في قتل العشرات من أبناء شعبنا، بمن فيهم أفراد من الشرطة. واليوم يسعى السيد عدنان حسين وأمثاله لإعادة نفس السيناريو، أي تمجيد شباط وحرق العراق. وطريقة عدنان حسين هي نسخة طبق الأصل من طريقة البعثيين، الذين شكلوا عصابة إرهابية باسم “كتائب ثورة العشرين”، وهم في الحقيقة يقومون بقتل أحفاد أبطال ثورة العشرين الحقيقيين.
تتزامن حملة الشباطيين الجدد لتأهيل شباط الأسود، مع تآمر دولي واسع النطاق، تشترك فيه تركيا وقطر والسعودية، بالتعاون مع استخبارات غربية، تماماً كما حصل قبَيل شباط 1963 الأسود من استعدادات، ليتم تنفيذه على أيدي العراقيين، وما قضية طارق الهاشمي ودوره في العمليات الإرهابية، وتصعيد كتلة “العراقية” حملتها في تعطيل عمل الحكومة والبرلمان، إلا بدايات لتجميع مكونات العاصفة السوداء ونقل ما حصل في ليبيا، وما يجري في سوريا من مذابح الآن إلى العراق. إنهم يخططون للتظاهرات “المليونية” وعلى الأغلب ستبوء محاولاتهم بالفشل كما فشلت في العام الماضي، ففي أوج الغليان لم يفلحوا في حشد أكثر من ثلاثة آلاف في ساحة التحرير، في مدينة سكانها أكثر من 8 ملايين نسمة. وكالعادة، لديهم تبريرات جاهزة لفشلهم مثل ادعائهم أن الحكومة أغلقت الشوارع، وقوات الأمن منعت الجماهير من المشاركة، وكذلك لوم المرجعية الدينية… الخ، ولم يعترفوا بالسبب الحقيقي لفشلهم وهو أنهم في واد والشعب في واد، فقد اكتشفت الجماهير الغاية الحقيقية من هذه التظاهرات، أنها ليست لإصلاح “حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية والفساد ونقص الخدمات” كما يدعون، بل لتهيئة الأجواء لتنفيذ مؤامرة قذرة أخرى على غرار مؤامرة 8 شباط 1963، وارتكاب مجزرة جديدة لا تقل هولاً عن المجازر السابقة. لذلك نبذتهم الجماهير.
ومن المفيد هنا أن نشير إلى دراسة للدكتور عباس علي، أستاذ ومدير معهد الإدارة العالمية في جامعة إنديانا، بنسلفانيا، نشرها قبل أيام على موقع (ميدل إيست أونلاين)، بعنوان: (هل ينجو المالكي من مخططات واشنطن؟). والمقال جدير بالقراءة (الرابط في الهامش)(1). ذكر الكاتب أن هناك سخط في واشنطن من تصلب موقف المالكي في عدم استجابته لمطالب واشنطن بإبقاء القوات الأمريكية في العراق، وبالأخص من الجمهوريين، واللوبي الإسرائيلي، الذين انتقدوا أوباما بشدة على موافقته على سحب تلك القوات. ويؤيد جو بايدين، وهيلاري كلنتون موقف الجمهوريين، لذلك وضعوا خطة ذات أبعاد أربعة لإزاحة المالكي. البعد الأول هو ما تنشره صحيفة (المدى) المقربة من واشنطن، حسب قول الكاتب، والبعد الثاني هو إقامة علاقة عسكرية جديدة مع العراق، والثالث، العمل على إضعاف الحكومة المركزية وذلك بتجزئة العراق إلى دويلات عرقية وطائفية ضعيفة، وهذا يخدم إسرائيل في إضعاف العراق، متزامناً مع ما تعمله المخابرات الغربية وبدعم من السعودية ودولة قطر على تدمير الجيشين، المصري والسوري. أما البعد الرابع فهو دعم تركيا بلعب دورها بالورقة الطائفية في العراق والتدخل الفض في شؤونه.
ومن هنا نجد الحملة الهستيرية التي تقودها صحيفة (المدى) في إعادة تأهيل شباط وبقيادة (شباب شباط) استعداداً لمجزرة شباطية جديدة وعاصفة سوداء لا تبقي ولا تذر. ويتساءل الكاتب: هل يستطيع المالكي أن يواجه هذه العاصفة التي هي في طور التكوين الآن بصمود ويسلم منها؟ ويجيب قائلاً، أن كثيرين في العراق يشكّون بذلك، ولكن الحقيقة هي، أن استسلام العراق لهذا المخطط لن يكون سهلاً. وإزاحة المالكي من السلطة لن يرغم الوطنيين العراقيين على قبول تجزئة العراق. ويضيف، أن الأزمة الحالية في العراق هي التعبير الواضح عن معركة بين الوطنيين العراقيين الحريصين على وحدة العراق، والعيش بحرية وسلام، وقوى أجنبية مدفوعة بدوافع دينية طائفية تريد نشر الفوضى والبؤس في العالم العربي. والزمن وحده سيخبرنا فيما إذا سينتصر الشعب العراقي على قوى الظلام، ويضمن مستقبلاً زاهراُ للأجيال القادمة في عراق ديمقراطي مزدهر وموحد.
لذلك، نهيب بأبناء شعبنا الشرفاء، وكل المخلصين من القوى السياسية الخيرة، وبالأخص المشاركين في العملية السياسية، أن يكونوا على حذر شديد من هذه المؤامرة القذرة التي يخطط لها الأجانب لتنفذ على أيدي العراقيين أنفسهم، والتي يراد منها حرق العراق وإدخال شعبه في نفق مظلم جديد. إنها مؤامرة شباطية جديدة لا تقل خطورة عن انقلاب شباط 1963، فهل سينجح الشباطيون الجدد في حرق العراق مرة أخرى كما يريدون؟ نحن نثق بشعبنا أنه لن يسمح بتمرير مثل هذه المؤامرات القذرة حتى ولو تحوَّل البعض من ضحايا شباط الأسود عام 1963 إلى شباطيين جدد ينفذون ما عجز البعثيون أنفسهم من تنفيذه.