الرئيسية » مقالات » علاوي : جنرال من ذلك الزمان

علاوي : جنرال من ذلك الزمان




عام 2003 مزق الأعصار الأمريكي سفينة النظام البعثي وشتت طاقمها , فكان نصيب الشواطيء العراقية الأسوأ مما جلبته امواج العملية السياسية .

العراق الجريح بأكثر من اربعة عقود من المظالم البعثية , اصبح نقطة ضعف بالنسبة للطامعين في ابتلاعه , غير ان الكارثة غصت بصبر العراقيين وتماسكهم وصدق ولائهم لوطنهم .

الجنرال القديم , الذي دفعته الصراعات الداخلية خارج السفينة الأم , عاد بعد السقوط متسللاً عبر ثقوب الأختراقات الدولية والأقليمية , مرتدياً جلباب المعارضة المصنعة , معبأً بأوهام جافة , حالماً ان يسمح له العراق ــ الذي خرج تواً من قمقم شمولية البعث ــ

ان يستنسخ له قائداً ضرورة من داخل مشاجب التالف من الطغم البعثية .

الدكتور اياد علاوي , الذي تشكلت شخصيته السياسية والأجتماعية والأخلاقية , وفرضت من قبل هجين الأختراقات الأستخباراتية على الواقع العراقي الجديد , ظل عاجزاً عن ان يصنع المعجزة من مادة المستحيل , فزيادة انتفاخه لايعطي وزناً حقيقياً على ارضية المتغيرات , ومع ان العراق بأمس الحاجة الى ضروراته الوطنية , فالدكتور علاوي قد فقد ضرورته لذاته واصبح غير مؤهلاً لدور آخر على صعيد الحراك الوطني , خاصة وان العراق الجديد , لايليق به ارتداء المستهلكات البعثية .

ليس لدينا ثمة اشكالية شخصية مع الدكتور اياد علاوي , لكننا كمواطنين عراقيين , نفسر الأشارات التي تصدر عنه مرتبطة بماضيه الشباطي غير النزيه , على ان الرجل , هو واحد من بين الجنرلات التي تطارد نفسها بأوهام الخاطف من البيانات الأنقلابية , اراد ان يتجاوز ظله وان يرى صغره اكبر من الدولة وفوق السلطات والدستور والقانون , فأقترحوا علية مصنعوه , بدعة ان يكون الرئيس الضرورة للمجلس الأعلى للسياسات الأستراتيجية السياسية والأقتصادية محلياً وخارجياً , صدق الأمر, وقبل ان يختفي داخل انتفاخات غروره وهلوسته عن العلمانية والليبرالية والديمقراطية وافتعال حرصه على العراق من اخطار الطائفية والدكتاتورية وامور اخرى فقدت مصداقيتها داخل الشارع العراقي , ايقضته متغيرات الحراك الوطني على هامشية دوره متسكعاً على ارصفة المستهلك من الدسائس .

الجنرال الآخير فقد تماماً ريش ملائمته وانسجامه مع الواقع الجديد , وبعد ان ابتعلت الفضائح اغلب رفاقه من جنرالات الوحدة والحرية والأشترالكية , عاد يتعكز على اتفاق اربيل ليتسلل من ثقوب مضمونه الى القادم من مشاريعه , فكانت الدعوة إلى المؤتمر الوطني لإنقاذ بقاياه في العملية السياسية , لكن يبدو ان هناك من يحسن التعامل معه والأمساك بذيله ليبقيه معلقاً بين حافتي النهاية .

عندما يصبح الجنرال الأخير واطيء مقعد , يذكره الناس بتفصيلات مرحلته , فالجنرالات البعثية , وبعد ان انهكتها فضائحها وجرائمها وعزلتها الخانقة , لا مفر لها من ان تواجه حقيقتها , فجميعهم يشتركون ـــ كعملاء خونة ـــ في الجرائم التي ارتكبوها , ابتداءً من مجازر انقلابهم الأسود على الحكم الوطني للزعيم الخالد عبد الكريم قاسم , مروراً بمسلسل البشاعات والحروب والحصارات واجتثاث المكونات وانهيارات السيادة الوطنية وتدمير البيئة التاريخية واشاعة مظاهر الخوف والرعب , ذكريات مرحلة مظلمة , من الأبتذال الترحم عليها او محاولة المقارنة معها .

الجنرال الأخير , يحاول عبثاً ان يخدش وجه العراق بتفجيرات مفخخاته ولاسقاته وعبواته واحزمته الناسفة , محاولاً ان يفرض المستحيل مشروعاً طائفياً عرقياً مدمراً, انه الآن يعرض نفسه حالة سياسية اجتماعية مؤذية , رقعة مستهلكة لاتصلح لعراق لا يرتدي الا الجديد .

نصيحتنا للدكتور اياد علاوي , والتي قد تساعده في ايجاد مخرجاً من الحالة المضنية لأعادة اجترار ما لايعنيه من المفردات والمصطلحات والمناورات والأستشارات وتوافه شخبطات الوعيد , تلك التي اصبحت مرفوضة محلياً وغير مغرية خارجياً , صحيح انها قد تؤثر سلباً في الحالة العراقية , لكنها غير قادرة على قلب قطار التقدم او ايقاف مسيرة الأصلاح والتغيير , فالطريق التي يمكن للدكتور علاوي ان يسلكها بغية اصلاح نفسه وتجاوز مأزقه يمكن تلخصها بما يلي :

1 ـــ يجب ان يقتنع على ان العراق , ومهما كانت شراسة الأرهاب وقسوة تمدد ظاهرة الفساد واشياء اخرى مؤذية , فعودته الى الوراء اصبحت من المستحيلات , وليس بأستطاعة المستهلك من الجنرالات البعثية ان تقلب الواقع على ضروراته .

2 ـــ ان يخرج من شرنقة غروره ويبتعد عن اي شكل من اشكال النشاط السياسي ويتجنب الظهور امام وسائل الأعلام , والأفضل ان لا يكون مكوثه الدائم في احدى العواصم العربية او تركيا ’ يرافق ذلك ان يغتسل من داخله ليتمكن من ازالة ما تعلق به من مخلفات العقائد العفلقية , وان لايمد يده ثانية ويرفض الأيادي التي تمتد اليه , ففعل الدعم المشروط قد يعيد تدمير شخصيته .

3 ـــ ان يبعث رسالة مفتوحة الى الشعب العراقي , يعتذر فيها عن اخطاء وذنوب واشياء اخرى ارتكبها , فتلك اجراءات استباقية قد تجد لـه شفاعة عند العراقيين حتى لا ينتهي به الأمر الى ذات المصير الذي انتهى اليه الجنرال طارق الهاشمي .

4 ـــ ان يدرك يقيناً , على ان القائم من المبادرات والأتفاقات والدعوات الى مؤتمرات تصالحية , انها عندما تخرج من جوف بعض الكتل الطائفية والقومية , تكون محشوة بالنوايا السيئة ومهما كانت مصادرها , داخلية او خارجية ,فلا علاقة لها بالمصير العراقي , انها تناطح بعضها وتتناطح مع صخرة الواقع العراقي الجديد , وان اياد علاوي , كأخر جنرال من ذلك الزمن , كان اول من تكسرت قرونه , وستتهاوا عاجلاً قرون اخرى , وليعلم ايضاً , ان استعادة مصداقيته في الشارع العراقي , تحتاج الى تجبير الكسور التي سببتها تصرفاته للذاكرة العراقية , قد يكون الأمر جرحاً في غروره اوثقباً في انتفاخه , لكنه لا يملك خيارات افضل تجنبه اسوأ الأحتمالات .