الرئيسية » شؤون كوردستانية » نشأة الدولة الكوردستانية وفلسفة المواطنة المعاصرة

نشأة الدولة الكوردستانية وفلسفة المواطنة المعاصرة

إن مفهوم المواطنة يحتلّ مكانة مركزيّة في الفلسفة السياسية وهو يمثّل مدار تحليلات الفكر الفلسفي السياسي قديماً و حديثاً، فهي الحق في اكتساب الحقوق. والمواطنة تعني أيضاً المشاركة في الوطن، على أسس الحرية والمساواة والتكافؤ. أما المواطن فهو عضو في مجتمع يحمل هويته ويكن له الولاء وله حق المشاركة السياسية في إدارة الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ويتمتع بالحقوق المدنية التي يكفلها له القانون. و من أهم حقوقه هو حق طلب الحماية والدفاع عن حياته وممتلكاته الخاصة. فهل هذا الحق مضمون للمواطن الكوردي في العراق؟
ما نشاهده في إقليم كوردستان هو الجهود التي تبذل من قبل الحکومة الكوردستانية و القيادة الحكيمة الواعية لبناء علاقة إيجابية و متينة بینها و بين المجتمع الكوردستاني، لأنها تعلم بأن الشعب مصدر مهم للسلطة وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في المجلس الوطني للإقليم. والهدف من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود الجمهوريات العسكرية جور الحکومات المستبدة وإن رضا الشعب الكوردستاني هو الحجر الأساس لشرعية السلطة.
الشعب الكوردستاني إذ يبرهن اليوم علانية، وبصورة عملية، على نطاق واسع تأييده الحاسم لبناء الدولة بالطرق السلمية الأرقى والأنبل والتي تتوافق مع بنود الدستور العراقي، وهو يدعم اليوم حكومته، التي تعمل بشكل مدني ديمقراطي و تسعی من أجل التعددية، لأنه يعلم بأن نشأة الدولة نتيجة لميثاق و تعاقد إداري حر بين الأفراد، تتم بمقتضاه تنازله عن بعض حقوقه الطبيعية و حريته المطلقة مقابل تحقيق الأمن و استقرارهم و ضمان المعيشة له و لأبناءه.
إن شبح التغيير يحوم في أيامنا هذه في سماء الشرق الأوسط و علی الحكومة الاتحادية وأحزابها السياسية الكبيرة، الماسكة بخيوط السلطة الأخذ بالتجربة الكوردستانية و مراجعة نفسها و برامجها و وهوياتها الفكرية والسياسية بشكل جذري، كي تصل الی محصلة تكمن في طياتها الاستعداد الحقيقي لتلبية استحقاقات المرحلة المقبلة و البحث عن آليات جديدة، ذكية ومسؤولة وواسعة الأفق، تتلاءم مع المرحلة التي يعيشه العراق، وتبتعد من المشروع العروبي الشوفيني، الذي بدأه نظام البعث الفاشي في الستينيات من القرن الماضي. ذلك النظام الذي إتقن لغة النضالات الفاشلة والقضايا الخاسرة والشعارات الخاوية بمهارة فائقة، بقدر ما لفق النظريات المزيفة أو فبرك الأوهام الخادعة والأحلام المستحيلة لإنتاج المزيد من الهزائم والخسائر والإفلاس والتردي والانهيار، والتاريخ شاهد علی مانقول.
ومن المعلوم بأن إعادة تعريف ما هو تاريخي وما هو سياسي في اللحظة الراهنة أمر ضروري، لإن الإستمرار في إنكار الحقوق المشروعة للشعب الكوردي “المضمونة” في الدستور الإتحادي دليل علی عدم هضم الكثير من النخب الحاكمة والأطياف السياسية في العراق المتغييرات وعدم استخلاصهم العبر و الإستفادة منها و عدم إدراكهم بعد بأن الدلائل کلها تشير الی ان وجوب الدولة الخاصة بالشعب الكوردستاني هو الحل لليوم و المستقبل. إنهم لم يسألوا أنفسهم، هل يستحق الشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة و العالم، التمتع بحقوقه الطبيعية و في مقدمتها حق تقرير المصير لابناءه و ماذا نفع أو ضرر المنطقة ان تمتع شعب كوردستان بإستقلاليته و قام ببناء كيانه بشكل سلمي عاش باخوة و سلام مع شعوب المنطقة.
صحيح بأن الكوردستانيين أعلنوا رغبتهم الحقيقية والطوعية بالبقاء ضمن إطار عراق ديمقراطي فدرالي إتحادي، يقر ويعترف بالحقوق القومية الكاملة للشعب الكوردي، كمكون رئيسي ثان وشريك فاعل في الحكم والعملية السياسية، وفي إطار برلمان ديمقراطي منتخب، يلم تحت خيمته ممثلين عن جميع مكونات وأطياف الشعب العراقي لكننا نری من الطرف الآخر بأن حق تقرير المصير للشعوب جميعاً، بما فيهم الشعب الكوردستاني، هو حق تاريخي لا يمكن نكرانه وإن الذين يعملون ليل نهار من أجل اجهاض قيام الدولة الكوردستانية هم من يفسرون هذا الأمر بمؤامرة خطيرة لتقطيع أواصر الشعب العراقي وأرضه وثرواته، و يريدون أن يقفوا بعقلية الرعية والمبايعة ضد سعي الكوردستانيين إلى أن يكون مستقبلهم هو ذواتهم و يسهموا في صناعته و يحققوا ذواتهم فيه تحقيقاً حرّاً.
كفی التفکير بالنظرية التي كانت تدعم السلطة القائمة في البلدان العربية كمجرد سلطة لا دولة، سلطة تمارس سلطتها الأمنية من غصب أو غلبة أو قهر أو استتباع أو صهر وتذويب قسريين على الواقع الاجتماعي، ولا تقوم بدور الدولة الحقيقي.
من المعلوم بأن لكل عصر ثوراته، كما أن لكل ثورة مفرداتها فبعد أن أصبحت الآلة، علی ﺤدّ قول الجنرال شارل ديغول (1890 – 1970)، السيد المطلق الذي يدفع المجتمعات إلى التغيير ويدعم فرص السلام، و بعد أن انتقل الناس من الديمقراطية المرتبطة بالصناديق إلى “الديمقراطية الميديائية” التي تضخها التقنية وبعد أن تمكنت التكاملات الجهوية من خلق جزر سلام في العلاقات الدولية، فصار لزاماً علينا أن نسجل أسماءنا في طبقات طور التكامل و أن ندخل في ورشات اقتصادية وسياسية علی أمل الإنضمام الی النموذج التكاملي الغربي، لأن التكامل يجبرنا على تغيير منظومتنا وقيمنا الداخلية، حينها تتراجع القراءات الكلاسيكية لأدوار ووظائف الدولة و يرتفع مقام الفرد ليحتل المكانة الأولى وبذلك تتراجع فكرة الأمن للدولة إلى فكرة الأمن للإنسان. إذن ما يحتاج إليه القوی السياسية في العراق هو إتقان لغة الشراكة والمداولة والتحول عما هي عليها لكي للتعايش بأقل كلفة ممكنة، تسلطاً وعنفاً وتفاوتاً والعمل علی إعلاء شأن “الهوية المفتوحة والغنية”.
وختاماً: “إن الإقامة في الزمن المتسارع، تعني أن التغير بات نظام الأنظمة الذي يوجه كل المدارس والاستراتيجيات، بقدر ما تعني أن ما نحسبه العطب، أي الموقت والعابر، هو الممكن الآن.”