الرئيسية » دراسات » دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة العشرون )

دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة العشرون )

(الموسيقى والرقصات الشعبية وفولكلور المراعي)
مدخل: العالم نَغَم
الموسيقى إيقاع الروح، إيقاع الأعماق، ولكل شيء في الكون- صغيراً كان أم كبيراً- إيقاعه الخاص والمتميّز، وقد واكبت الموسيقى البشر منذ طور الحياة البدائية، وتطورت مع تطور وعيهم وتنامي حسّهم الجمالي، وإلى جانب حضور الموسيقى في مناسبات الأفراح والأحزان وفي مواقع العمل، كان لها حضور في المعابد مع الابتهالات والترانيم والأناشيد، وعُني الفلاسفة بأهمية الموسيقى، حتى إن الفيلسوف اليوناني فيثاغورس قال: ” العالم نَغَم”. وجعلها الفيلسوف اليوناني أفلاطون من مواد منهجه التربوي الذي قرره لطلبته في الفلسفة. (أحمد فؤاد الأهواني: فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط، ص 14، 84).
وللحكيم الصيني كونفوشيوس اهتمام كبير بالموسيقى، وأبدى في هذا المجال آراء قيّمة، منها قوله: ” إذا أتقن الإنسان الموسيقى، وقوّم عقله وقلبه بمقتضاها، وعلى هديها، تطهّر قلبه، وصار قلباً طبيعياً سليماً رقيقاً، عامراً بالإخلاص والوفاء، يغمره السرور والبهجة… وخير الوسائل لإصلاح الأخلاق والعادات… أن تُوجَّه العناية إلى الموسيقى التي تُعزف في البلاد… فالخير شديد الصلة بالموسيقى”. (عمر عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، ص 189).
والموسيقى إحدى كاشفات شخصيات الشعوب، ومن خلالها يمكن معرفة خصائص جغرافيا الشعوب، ومدى سعادتها وشقائها، ويمكن أيضاً معرفة رؤيتها الوجودية، ومعظم ما يتعلق بتلك الرؤية من ميثولوجيا، وفلسفة حياة، وقيم وسلوكيات. وذكر كونفوشيوس أن الشعوب التي تستمع إلى الموسيقى الهادئة، تنعم بالرخاء والسلام، في حين أن سيطرة الموسيقى الصاخبة في مجتمع ما، تدلّ على حالة الفوضى عند شعبها وحالة القلق التي يعيشها. أما سيطرة الموسيقى الحزينة الكئيبة، فتدل على حالة الشعوب المغلوبة والمقهورة. (عمر عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، ص 189).
وفي العصر الحديث اتخذ بعض العلماء الموسيقى معياراً، قاسوا به مدى تقدّم الحس الجمالي وتخلّفه عند الإنسان فرداً ومجتمعاً، وقد أشار موريس روبان إلى العلاقة الوثيقة بين القيم السامية والموسيقى، وتساءل مستغرباً: ” كيف يستطيع إنسان محروم من الفضائل التي هي من خاصية الإنسان أن يتعلّم الموسيقى”؟ (موريس روبان: تاريخ الأفكار السياسية المقارن، ص 281).
والآن ماذا عن الموسيقى الشعبية الكردية؟
ثم ماذا عن الرقصات الشعبية الكردية، وعن فولكلور المراعي؟
أولاً – الموسيقى الشعبية الكردية
عراقة الموسيقى الكردية:
التراث الموسيقي الكردي عريق عراقة الكرد أنفسهم في تاريخ غربي آسيا، وحسبنا دليلاً على ذلك أن مقامين بارزين من مقامات الموسيقى الشرقية كرديان؛ الأول (مقام كرد)، والثاني (مقام نَهاوَنْد)، ونهاوند مدينة كردية قديمة في جنوبي كردستان، كما أن في تاريخ غربي آسيا بعض كبار الموسيقيين الكرد، منهم على سبيل المثال: إبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق الموصلي، وزِرْياب (علي بن نافع)، وقد تحدثنا عن إبداعاتهم الموسيقية في سلسلة (مشاهير الكرد في التاريخ) المنشورة على الإنترنت.
وللموسيقى الكردية الشعبية طابعها الخاص، شأنها في ذلك شأن موسيقى بقية الشعوب، وكل من له خبرة بموسيقى شعوب غربي آسيا، يمكنه تمييز الموسيقى الكردية عن الموسيقى الفارسية والأرمنية والتركية والعربية، على أن ذلك لا يعني أن ثمة قطيعة بين الموسيقى الكردية وموسيقى الجيران، ففي المناطق التي يتجاور فيها الكرد مع جيرانهم، نجد تمازجاً بين موسيقى أولئك وهؤلاء، وثمة ألحان كردية دخلت موسيقى الشعوب المجاورة للكرد، على أيدي الملحّنين الكرد الذي عاشوا بين تلك الشعوب، ولا سيّما في تركيا وبلاد الشام؛ ومنهم- على سبيل المثال- الموسيقي بكري الكردي في مدينة حلب بشمالي سوريا. (انظر فَيْض الله الغـادِري: حلب لؤلؤة التاريخ، ص 81).
والكرد قوم محبّون للموسيقى، يظهر ذلك في كثير من المناسبات، وخاصة في الأعراس وعيد نوروز، وأستغرب قول حاكم أربيل البريطاني دبليو آر: ” ولا يتراءى الأكراد ممن يَكْلَفون [يُعجَبون] بالموسيقى كثيراً، إنهم من المتطهّرين Puritans المتزمّتين، وإني أحسب أنهم يعدّونها لا أخلاقية. إن الآلات الموسيقية الوحيدة الموجودة لديهم هي: الطبول والزُّرْناي “. (دبليو آر . هي: مذكّرات دبليو آر، ص 78). ولعل اختلاط دبليو آر بعِلْية القوم، من زعماء ورجال دين كرد مسلمين، كان وراء ذلك الانطباع؛ فالزعماء الكرد، وكذلك كبار السن، يغلب عليهم الوقار، ولا يحبون الظهور بما يتنافى مع الوقار، كما أن رجال الدين الإسلامي- كرداً وغير كرد- ليسوا على وفاق مع الموسيقى، والدليل على نقص معلومات دبليو آر قوله إن الآلات الموسيقية الوحيدة عند الكرد هي الطبل والزُّرْنا.
الآلات الموسيقية الكردية:
الآلات الموسيقية الشائعة عند الكرد هي:
– الطبل Dehol/ Dahol: كبير الحجم، مصنوع من جلد رقيق، مثبَّت على محيط دائرة خشبية من جهتيه، ويستخدم الطبّال نوعين من الأعواد؛ أحدهما رفيع والآخر غليظ ينتهي برأس متكوّر، وطول كل عود من 40 إلى 50 سم.
– الدّف Defik: أصغر من الطبل، يشبه الغربال، له وجه واحد مغطّى بجليد رقيق، وتُثبَّت في إطاره من الداخل حلقات معدنية، لإصدار خَشْخَشات رقيقة عند القرع على الدف بالكفين، ويستخدمه دراويش الصوفية في حلقات الذكر.
– الطَّنبورTenbûr : آلة وترية، أصغر من العود، تُصنع من الخشب، طول زندها حوالي متر، وتُثبّت على الزند أوتار من نوع خاص، ويُعزف عليها بالأصابع، أو بريشة، وأنغامها أرقّ من أنغام العود، ولها أنواع عديدة، ويستعمَلها الكرد الكاكَه ئي في طقوسهم الدينية.
– الكَمَنْجَة kemançe: آلة وترية رشيقة الشكل، في الجهة السفلى صندوق دائري صغير، وأحياناً صندوقان؛ السفلي أكبر قليلاً من العلوي، ويُعزَف على الكمنجة بوتر مشدود إلى عصا نحيفة مقوَّسة، وأنغامها رقيقة عذبة، وهي مستعملة عند الكرد اللور في الجنوب، ولم أجدها مستعملة عند الكرد في الشمال والغرب.
– السَّنتورSentûr: آلة وترية شبيهة بالقانون، يُعزَف على أوتارها بمضربين خشبيين رفيعين، ويتم تبديل الأصوات بتحريك الحمّالات التي تسند الأوتار، وهي مصنوعة من الخشب، وتُستعمَل هذه الآلة في لورستان وفي جنوبي إقليم كردستان- العراق، ولا تُستعمل من قِبل الكردمانج في الشمال.
– الزُّرْناZorne : آلة نفخية، على شكل بوق، شكلها مخروطي دائري أجوف، في سطحها العلوي ثقوب مرتّبة، ونهايتها عريضة معقوفة إلى الوراء وهي بطول 30 سم تقريباً.
– النّاي Pîk: آلة نفخية، تُصنَع من الخشب، وطولها (40) سم تقريباً، وفي سطحها العلوي عدة ثقوب مرتَّبة.
– البُلُورr ûBol: آلة نفخية، تُصنَع من الخشب أو القصب أو الحديد، طولها (30) سم تقريباً، وفي سطحها العلوي عدة ثقوب مرتَّبة، وفي طرفها الثاني ثقب واحد.
– المزمار Cûzele/dûzele: آلة نفخية، تتكوّن من قصبتين مجوَّفتين، في سطحيهما العلويين ثقوب مرتبة مزدوَجة، ويتم لصق القصبتين معاً بالقار (الزِّفت).
جغرافيا الموسيقى الكردية:
لكل آلة موسيقية كردية جغرافياها المناسبة، فلكل من الطبل والزُّرْنا الغلبة في المناسبات المفتوحة، كالأعراس والاحتفالات الجماهيرية كعيد نوروز؛ إذ يكون الجمهور كثيراً، ومتوزّعاً على مساحة كبيرة، فلا بد من أن يكون الصوت مسموعاً، رغم الهَرْج والمَرْج، وكثرة اللَّغَط وتداخل الأصوات، وهل ثمة آلة تصلح لذلك أكثر من الطبل بدويّه المهيب، والزرنا بأصواته القوية التي تهدّ الأذن هدّاً عن قرب؟ ويأتي الدّفّ والبُلُور والنّاي والمزمار في الدرجة التالية بعد الطبل والزرنا، من حيث قوة الصوت، وهي ملائمة للمناسبات المفتوحة أيضاً، لكن على مساحات أصغر، وبتجمّعات أقل. أما الطنبور والكمنجة والسنتور، فمجالها الغالب هو مجالس الطرب الداخلية في البيوت.
والطبل والزرنا والدف والناي والمزمار والبلور آلات جماهيرية، ترافق أفراح الشرائح الاجتماعية العادية (الرعاة، الفلاحون، العمال)، فهذه الفئات أكثر ميلاً إلى الأصوات القوية، ومما كان يلفت انتباهي في أعراسنا بمنطقة عفرين؛ أن نافخ الزرنا كان يقترب أحياناً ممن يغنّي أغنية فولكلورية في حلقة العرس، ويضع مؤخرة الزرنا عند أذنه، ويسترسل في صداحه القوي، تعبيراً عن تفاعله معه وتكريمه له. أما الطنبور والكمنجة والسنتور فهي أكثر حضوراً في مجالس الفئات السيادية كالحكام والآغاوات والمثقفين، فهؤلاء أصبحوا- بحكم تعاملهم مع ثقافة التمدن- أقل ميلاً إلى الموسيقى الصاخبة، وغدا حسّهم الموسيقي أكثر رهافة.
وبشكل عام لا يستلذ الكردي بالموسيقى على النحو الأفضل إلا في أحضان الطبيعة، حينما يكون على تواصل مباشر مع السماء والغيمة والأفق المفتوح، مع الجبل شامخاً، ومع الوادي متعرّجاً، ومع السهل منبسطاً، مع الشجر والطير والعشب والزهر، مع النبع والغدير والنهر، ومن خلال هذا كله مع الهواء الطلق، ولم أجد إلى الآن في غربي آسيا موسيقى متوحّدة بالطبيعة كالموسيقى الكردية، إن الروح الكردية تنزع إلى وحدة الوجود مع الطبيعة، وإذا شاهدت كردياً، على صخرة، قرب نبع، تحفّ به الأعشاب والأشجار، وهو يداعب ناياً أم مزماراً أو بُلوراً أو طنبوراً أو كمنجة، فاعلم عندئذ أنه يعيش حالة عشق حقيقي مع جلال الله وجمال الطبيعة، وأنه يتسامى مع اللحن العذب، ويرتقي فوق ذاته ولسان حاله يقول: دعوا لي ملكوتي هذا، وخذوا ما تشاؤون.
وفي الموسيقى الكردية تتجلّى خصائص الشخصية الكردية، والمزاج الكردي، والحس الجمالي الكردي، إنك تلمح في دقات الطبل الرزانة والقوةَ والمهابة والفخامة، وفي أنغام الزرنا الحدّةَ والصلابة والاندفاع، وفي نقرات الدف الحيويةَ والتفاعل الحميم، لاحظوا ضارب الدف الكردي كيف يخرج عن وقاره، ويتفاعل بجسده مع نقرات الدف على نحو عجيب، وإنك تلمح في أنغام الناي والمزمار عشقَ الكردي للنسائم وهي تتمازج، وللأزاهير وهي تتبسّم، وللأطيار وهي تتهادى، ولإشراقات الشمس وهي تطلّ من خلف الجبل، وإنك لتلمح في أنغام البُلور إيقاعات الحزن الكبير الضارب في أعماق الكردي، حزن دفين زرعته في لاشعوره الجمعي تراجيديا الفقر والقهر الطويلة، وإنك لتلمح في أنغام الطنبور والكمنجة والسنتور الحس الجمالي الرقيق الذي يرتقي به الكردي على شظف العيش وقسوة البيئة ومرارة رحلة الوجود.
ملاحظات بشأن الموسيقى الكردية:
هناك ثلاث ملاحظات عامة بشأن الموسيقى الكردية:
– الملاحظة الأولى: تُسمَع الموسيقى الكردية منفردةً، من غير مصاحبة الغناء، وعندئذ تبرز خصائصها الصوتية والسيكولوجية على نحو أفضل، ويحتاج تذوّقها إلى قدر عال من رهافة الحس الجمالي الموسيقي، وإلى قدرات تأملية متقدمة، لذا يجد هذا النمط رواجاً عند النخب الكردية المثقفة، أكثر من رواجها عند الجماهير الشعبية. وتُسمع الموسيقى الكردية مصاحبة للغناء، والجماهير الشعبية أكثر إقبالاً على هذا النمط، وتكتسب الموسيقى حينذاك أكبر قدر من الروعة حينما تتناغم معها نبرات صوت المغنّي، ويا لبؤسها حينما تكون هي في واد ونبرات صوت المغنّي في واد آخر.
– الملاحظة الثانية: الموسيقى- سواء أكانت منفردة أم مصحوبة بالغناء- عميقة الجذور في الميثولوجيا الكردية، وظهرت آثار ذلك في الزردشتية، فقد جاء في أڤستا: ” نبجّل كل الأوزان [الألحان الشعرية] المقدسة [في الياسنا] “. (أڤستا، ياسنا، هايتي 71، آية 4، ص 188). وجاء فيها أيضا: ” نقدس صلاة ستاوتاياسنا الخاصة، نقدس ستاوتاياسنا غناء ونطقاً وشدواً”. (أڤستا، ياسنا، هايتي 55، آية 6، ص 163). وما زلنا نرى إلى اليوم حضور الموسيقى- وخاصة الدف والناي- في المناسبات الدينية عند الكرد الكاكَه ئي والكرد الأيزدي، وما يثير الانتباه أن الطابع الغالب على الموسيقى في تلك المناسبات ليس طابعاً كئيب، وإنما هو طابع تغلب عليه الحيوية والإشراق؛ وهذه الظاهرة في حد ذاتها جديرة بالدرس والتمحيص.
– الملاحظة الثالثة: لا أزعم أنني استمعت إلى الموسيقى في جميع مناطق كردستان، لكن لاحظت- في حدود ما سمعت- أن الموسيقى الكردية التراثية أكثر تطوراًً وفنّية في جنوب وشرقي كردستان- منطقة سليمانية (شهرزور سابقاً) ومنطقة كرمنشاه- إذا قيست بالموسيقى في شمال وغربي كردستان.
والدليل على صحة ملاحظتنا أن آلة السَّنتور، بألحانها المتنوعة العذبة الرقيقة، حاضرة في الكَوْرس الموسيقي عند كرد الجنوب والشرق، إضافة إلى آلة الكمنجة، في حين لا نرى لهاتين الآلتين حضوراً في الكورس الموسيقي عند كرد الشمال والغرب، أما الكمنجة المستطيلة الصندوق المستعملة عند بعض كرد الشمال فالأرجح أنها دخيلة على التراث الموسيقي الكردي، وأحسب أنها مقتبسة من التراث الموسيقي التركماني، لذا ثمة تنافر واضح بين أنغام تلك الكمنجة ونبرات الصوت الكردي عند الغناء، وأظن أن المنطقة التي تُستعمَل فيها الكمنجة المستطيلة الصندوق هي منطقة حصل فيها تجاور كردي- تركماني منذ عهد السلاجقة.
وأحسب أن الفارق في الموسيقى عند كرد الجنوب وكرد الشمال يعود إلى مرور طريق الحرير التجاري العالمي بجنوبي كردستان متجهاً شرقاً، وهناك كانت تقع المدن الميدية الكبرى، ومنها أگباتانا (هَمَذان) ورَغَه (الرَّي)، وهناك كانت تقع المدن المزدهرة في العهد الساساني قبل الإسلام، وظلت مزدهرة في العهد الإسلامي الأول، مثل جَلَوْلا (جَلُولاء) ونَهاوَنْد وقصر شَيرِين وأَسَد أباد، وفي تلك المنطقة مرت البضائع والثقافات ودعاة الأديان وجحافل الجيوش الإمبراطورية الغازية، فكان الكرد هناك أكثر تماسّاً مع التمدن، وأكثر تفاعلاً مع هبوب رياح الحضارة، في حين ظل الكرد في الشمال والغرب أكثر بعداً عن المدن الكبرى، وأكثر تماسّاً مع الطابع الرعوي الريفي.
ثانياً – الرقص الشعبي الكردي
الرقص والشخصية:
الرقص إيقاع الجسد في التعبير عن الذات (النفس/الروح)، وأهمّ ما فيه أنه حركة وحيوية، وليس هموداً ولا ضعفاً، وأنه حركة عفوية صادقة، وليس حركة متصنَّعة، وأنه إرادة متوجّهة إلى الاتّساق مع حياة أكثر جمالاً وجلالاً، وليس إرادة متوجّهة نحو الاستسلام للانحطاط والقبح؛ لذا- ومن قعر البدائية إلى قمة التحضر- كان الرقص إبداعاً إنسانياً رائجاً، وليس ثمة موقع مهمّ من مواقع الحياة البشرية إلا وللرقص فيه نصيب، مارسه الكهّان والكاهنات في المعابد، والمقاتلون في ميادين الحروب، والعمّال في ميادين العمل، والجماهير في الاحتفالات الوطنية/القومية، وفي المناسبات الاجتماعية (الأعراس، الاستقبالات)، ولم يخسر الرقص قيمته الإنسانية إلا حينما قُرِن- ظلماً- بالتعبيرات الجنسية المبتذَلة في (الرقص الشرقي)، وأُخرج من سياقاته الجمالية العفوية لغايات تجارية رخيصة.
سمات الرقص الكردي:
يمارس الكرد الرقص في المناسبات (الأعراس، الحفلات، الأعياد)، وهو أحد المداخل لمعرفة الشخصية الكردية، وللرقص الشعبي الكردي أربع سمات بارزة، هي:
1 – الطابع الجماعي: الرقصات الكردية الشعبية جماهيرية الطابع، يشترك فيها أهل القرية، وكذلك أهل الأُوبة (المخيَّم الرعوي)، وهم مدعوّون إلى المشاركة فيها نفسياً وأدبياً ورسمياً، وخاصة في مناسبات الأعراس:
– أما نفسياً فلأن بين الكردي والطبل والزُرْنا صداقة حميمة، ولا يستطيع القعود بعيداً وهو يسمع نداءهما، كما أنهما يمنحانه استراحة من عناء المهام الرعوية والزراعية الشاقة، ويقدّمان له قسطاً من المتعة والانسجام مع الذات.
– وأما أدبياً فلأن الحياة في القرية والأُوبة تقوم على التضامن والتكافل، ولا تسمح العادات والتقاليد بالانعزال في المناسبات العامة، فعدم المشاركة في مناسبات الآخرين سلوك مستهجَن، ولا ينسى الكردي أنه سيقيم عاجلاً أو آجلاً حفلة عرس، وسيكون سعيداً عندما تكون حفلته عامرة بالمشاركين، وهو يعلم جيداً المثل الكردي القائل: Ez bi te, tu bi min, em gî bi xweda (أنا بك، وأنت بي، ونحن جميعاً بالله).
– وأما رسمياً فلأن العادات تقتضي أن يرسل صاحب الحفل- قبل موعد العرس بعدة أيام- هدايا رمزية (منديل نسائي، قطعة قماش، إلخ) إلى كل بيت، رمزاً لدعوتهم إلى المشاركة، كما أن مجموعة من نساء صاحب الحفل يقمن- قبل موعد العرس بيوم واحد- بالدوران على جميع بيوت القرية، ومعهن الـ Gewende قارع الطبل ونافخ الزُّرْنا، وهن يدعون أهل كل بيت رسمياً للمشاركة في الحفل.
والحقيقة أن دعوات المشاركة في الحفل لا تقتصر على أهل القرية والأُوبة، وإنما تُوجَّه رسمياً إلى الأقارب والأصدقاء والمعارف في القرى والمناطق الأخرى، وتكون الترتيبات قد اتُّخذت لأن تستضيف كل أسرة مجموعة من أولئك المدعوّين الذين يسمّون بالكردمانجية Xwandî، ويتوافد هؤلاء تباعاً قبل بدء الحفل بيوم واحد، أو يوم بدء الحفل، ويتمّ استقبالهم باحتفاء شديد من قبل أهل بيت صاحب الحفل وأقاربه.
2 – الارتباط بالطبيعة: رحاب الطبيعة هي المكان التقليدي للأعراس ولغيرها من المناسبات التي يمارَس فيها الرقص الشعبي الكردي، وليس السبب في ذلك هو فقط مشاركة جمهور كبير في الحفل، وإنما لأن الكردي عاشق للطبيعة كما مر سابقاً، إنه لا يشعر بالراحة النفسية ما لم يتواصل مباشرة مع الطبيعة البكر (السماء، الجبال، الأشجار، المروج، إلخ)، فكيف له أن يتمتّع ببهجة العرس في غياب الطبيعة؟!
3 – الاختلاط بين الجنسين: مر في مبحث (موقع المرأة في المجتمع الكردي) أنه لا وجود لنظام الحريم (الفصل بين الذكور والإناث) عند الكرد، وإذا وُجد في بيئات قليلة- مدنية في الغالب- فهو دخيل على الثقافة الكردية الأصيلة، وذكرنا حينها أن النساء يخالطن الرجال في جميع مواقع الحياة، إنهن وإنهم يصنعون الحياة معاً، جنباً إلى جنب، وكتفاً إلى كتف، ويعصم الفريقين من السقوط في مهاوي الرذيلة أمور ثلاثة:
– أولها: الضوابط الأخلاقية الصارمة، فالموت هو عقاب جريمة الشرف، وفي الغالب لا تساهل ولا تهاون في هذا المجال.
– وثانيها: الثقة المتبادلة بين الفريقين بحكم العادة والألفة، فمنذ أن يفتح الكردي (ذكراً أو أنثى) عينيه على الحياة يجد نفسه في بيئة اجتماعية منفتحة.
– وثالثها: الحشمة التي يضفيها اللباس الكردي الشعبي على الرجل والمرأة، فلا يظهر من جسد الرجل والمرأة ما يثير الشهوة، ويدغدغ الأحاسيس الجنسية.
ومن الطبيعي- والحال هذه- أن يتشارك الرجال والنساء في حفلات الأعراس، دونما أيّ شعور بالحرج والخروج عن المألوف، وقد ذكر بعض الباحثين الذين خالطوا الكرد في المراعي أن كل رجل تكون بجانبه امرأة في حلقة الرقص، قال نيكيتين “إن الفتاة الكردية تدبك بجانب الشباب، وبذلك تستطيع العثور على زوجها في المستقبل”. (نيكيتين: الكرد، ص 173). وقال نيكيتين أيضاً:
“والشيء الغريب في الرقصات الكردية هو إدراك حقيقة أن الرجال لا يعترضون على أن تقف إلى جانبهم في حلبة الرقص امرأة، بل على العكس فهم يشعرون بسرور بالغ في الرقص إلى جانب الحسناوات. وهكذا فعندما يرقص الكرد فيما بينهم، يجرّ كل واحد إلى جانبه فتاة، ويشدّ كتفه بجانب كتفها. وعندئذ تضمّ الحلقة عدداً من الرجال بقدر عدد النساء. إنني آسف لكوني لم أصادف رقصة مشتركة بنفسي، ولكن الكرد لا يرقصون بصورة مشتركة إلا فيما بينهم، وبعيداً عن نظرات الترك والجنود المُغْرِضة”. (نيكيتين: الكرد، ص 226).
ونقل نيكيتين عن مينورسكي قوله: “إن أحد الملاكين الأغنياء أقام على شرفه حفلة رقص شعبي في أحد الأيام، وما إن ارتفع صوت المزمار (زُرْنا) مع الطنبور [الصواب: الطبل] في القرية، حتى هرعت جميع النسوة، وقد ارتدين أجمل زيناتهن، وأخذن أمكنتهن بين الرجال في حلقة الرقص التي استمرت حتى المساء، والجميع يضربون الأرض بأرجلهم بين الحين والآخر ضرباً جميلاً”. (نيكيتين: الكرد، ص 169 – 170).
وأفاد الدكتور مَهدي كاكه ئي- مشكوراً- (وهو من كرد خانقين في الجنوب) أن في حلقات الرقص الكردي قد تقف امرأة إلى جانب كل رجل، أو تقف مجموعة نسائية إلى جانب مجموعة رجالية، تتلوها مجموعة نسائية أخرى، وبعدها مجموعة رجالية ثانية وهكذا. وقد يكون قائد حلقة الرقص رجلاً يقود الحلقة (حامل المنديل، وتسمّى چُوپی Çopî)، وقد تقود المرأة حلقة الدبكة. أما في منطقة عفرين (كرد داغ)، وعند الكرد في محافظة حلب بشمالي سوريا، فيكون الرجال يداً بيد في مقدمة حلقة الرقص، ثم تكون النساء يداً بيد في الحلقة ذاتها، وعادة يكون صلة الوصل بين الفريقين رجل إلى جانبه والدته، أو زوجته، أو عمته، أو خالته، أو أخته أو ابنته، ومن المعيب أن تكون امرأة إلى جانب رجل لا صلة قرابة قريبة بينها وبينه.
3 – الطابع التراتبي: تكون حلقة الرقص الشعبي الكردي على شكل نصف دائرة، وقد تقترب من أن تكون دائرة إذا كان الحشد كبيراًَ، وفي الحلقة يكون الجميع جنباً إلى جنب، ويداً بيد، والعادة أن تتحرك الحلقة من اليمين إلى اليسار، وقد يكون العكس في بعض البيئات، وتكون بقيادة رجل يحمل في يده منديلاً صغيراً أو كبيراً، يلوّح به وفق الإيقاع الخاص بكل رقصة، ويُفترض في القائد أن يكون من ذوي الخبرة بفنون الرقص، إضافة إلى أهمية أن يكون من ذوي المكانة الاجتماعية المحترمة، وقد يكون أحياناً من الفئات الوجيهة، وكانت العادة في قرى عفرين أنه عند ختام العرس (عصر يوم الخميس) يخرج الرجال من حلقة الرقص، وتصبح خاصة بالنساء، ومع ذلك كانت القيادة تبقى للرجل، إذ كان أحد الكهول المعروفين بالرزانة والخبرة بالرقص يأخذ دور القائد، وكانت تؤدّى حينذاك رقصة خاصة بالنساء تسمّى (خاتوني) Xatûnî.
ملاحظات بشأن الرقصات الكردية:
ـ الملاحظة الأولى: التراث الشعبي الكردي غني بأنواع الرقصات، وفي جميع البيئات الكردية (اللورية، والسورانية والكردمانجية، والزازا)، فمنها رقصات ذات إيقاع بطيء جداً، ورقصات ذات إيقاع متوسط، ورقصات ذات إيقاع سريع، ورقصات ذات إيقاع سريع جداً، تواكبه رجّات عنيفة في النصف العلوي من الجسم، وخاصة في الكتفين والصدر واليدين، والملاحَظ أن هذا النمط السريع شائع في الشمال والشرق والجنوب، ولم ألاحظ وجوده في الغرب، ولم أجده في منطقة عفرين، وإذا وُجد فهو مقتبس من مناطق كردية أخرى. وقد زوّدني كل من الدكتور مَهدي كاكه ئي، وكذلك الأستاذ عبد الرحمن حاجي عثمان (من منطقة عفرين)- مشكورَين- بأسماء كثير من الرقصات الشعبية، مع توصيف حركات كل رقصة، ولا أسردها دفعاً للإطالة، وهي تدل على خصوبة هذا الفن الفولكلوري في المجتمع الكردي.
ـ الملاحظة الثانية: الرقصات الكردية تحمل في طيّاتها صوراً صادقة عن حياة المجتمع الكردي، سواء أكان على الصعيد الميثولوجي، أم على الصعيد البطولي، أم على الصعيد العملي، ولمعرفة دلالاتها بدقة ثمة حاجة إلى حفريات عميقة في الذاكرة الجمعية الكردية، وقد تعود بنا تلك الحفريات إلى عهود المشاعية، وعهود الأسلاف القدماء، بدءاً من الگوتيين وانتهاء بالميديين، وقد تضعنا وجهاً لوجه- ومن حيث لا ندري- مع الرقصات التي يؤدّيها رجال الدين الأيزدي في معبد لالش على إيقاع الدف والناي، ومع رقصات دراويش الطرق الصوفية الكردية، ولا سيما دراويش الطريقة القادرية (نسبة إلى الشيخ الكردي عبد القادر الگَيْلاني). وقد نجد أن لبعض الرقصات علاقة بمواسم الحصاد، وأخرى لها علاقة بمناسبة إعداد (البُرْغُل)، وثالثة لها علاقة بالحياة الرعوية، ورابعة لها علاقة بالحرب، وهكذا دواليك.
ـ الملاحظة الثالثة: من المفيد أيضاً أن نأخذ دور البيئة بالحسبان في نشأة الرقصات، وكلما وقعت عيني على حلقة رقص بدوية عربية، يقف فيها الرجال بصف مستقيم، ويتحركون في أماكنهم هبوطاً وصعوداً وفق إيقاع مديد وبطيء، على إيقاع الدفوف أو طبلات صغيرة، أو حتى على إيقاع أغان شعبية من غير مصاحبة آلات موسيقية، وجدت في الصف المستقيم بُعد الامتداد في جغرافيا الصحراء، ووجدت في حركات الراقصين حركة مجموعة من الراكبين على ظهور الإبل، وهي تسير ببطء في ربوع الصحراء، فتكون حركتهم بين صعود وهبوط، يفرضهما إيقاع سير الإبل، وعزوت التمهّل في الحركة إلى دور المُناخ الحار الذي لا يُمدّد الهواء فقط، وإنما يمدّد حركة الأجساد أيضاً.
وكلّما وقعت عيناي على حلقة رقص كردية في الشمال والشرق والجنوب، على شكل نصف دائرة، وترتجّ فيها الأجساد على شكل رجفات سريعة، والقوم ثابتون في أماكنهم، أو يتحرّكون ببطء شديد، وجدت في الدائرة بُعد التكوير في الجبل، ووجدت في الرجّات السريعة الحاصلة في النصف العلوي من الجسد، حركة مجموعة من راكبي البغال، وهم يقودونها في شعاب جبلية وعرة، ومعروف أن البغل هو الحيوان الأنسب للبيئات الجبلية الوعرة، ووجدت في الهزّات والرجّات القشعريرةَ التي تعتري الأجساد في برد جبال كردستان، وما يقوّي هذا التفسير أن الرجّات السريعة تختفي في رقصات كرد المناطق الغربية والغربية الجنوبية السهلية والمتاخمة للسهول.
ـ الملاحظة الرابعة: ثمة في منطقة عِفرين رقصة شهيرة تسمّى Giranî، ويعني اسمها بالكردية (الوقور/الجليل)، وهي رقصة يزخر إيقاعها بالوقار والمهابة حقاً، تنتصب فيها الصدور، وتشمخ فيها الرؤوس، وتتلاصق فيها الأجساد، ورغم دويّ قرعات الطبل، تتحرك الأقدام ببطء ورزانة لمسافة قصيرة جداً، وينصبّ التركيز هنا على القائد، ويكون عادة في القمة من الوقار؛ رغم أن عليه التفنّن في إبداع الحركات، مستعملاً أصابع القدمين، والحوار بالحركة مع قرعات الطبل وأنغام الزُّرنا. ومن صلاحيات القائد أن يبتعد عن رديفه خطوة أو خطوتين، ويخرج عن مسار الدائرة متوجّهاً إلى الداخل، لأداء بعض الحركات الفنية الخاصة، لكنه يبقى على تواصل مع الجماعة من خلال منديل طويل يمسكه من الطرف رديفه التالي له من حيث الترتيب، وعليه ألا يطيل في الابتعاد، وإنما العودة إلى الانتظام في الصف من جديد.
مفارقـة مثيرة:
منذ مدة غير قصيرة يراودني- بشأن الرقصات الكردية- سؤال لم أجد له تفسيراً مقنعاً إلى الآن، فقد مر أن رقصات الكرد الشعبية هي في معظمها جماعية، وعلى شكل نصف دائرة، أو ما يقترب من الدائرة، وأن ثمة على الدوام قائداً يقود المشاركين في الحلقة، وهو الذي يحمل المنديل (چُوپی Çopî) ويلوّح به، ولا يجوز لأحد أن يتخطّاه، وغالباً ما يكون قارع الطبّل ونافخ الزُّرْنا قريبَين منه، وكثيرَي الاهتمام به.
حسناً، يمكننا تفسير الشكل الدائري على ضوء جغرافيا الجبال من ناحية، وعلى ضوء دائرة (ماندل/مندالا) Mandela العريقة في الميثولوجيا الكردية (انظر مبحث ذهنية الكرد الدينية)، والتي بقيت حية في الدين الأيزدي، وبقيت ظلالها في عملية (ضرب المَنْدَل) عند المنجّمين، للتنبّؤ بأحداث المستقبل. ويمكننا تفسير الشكل الدائري أيضاً على ضوء المجلس العام لأفراد القبيلة، أو لقادة القبائل المتحالفة في العهد الميدي، والذي كان يسمى Hangimana أو Hangimatana أو Hagmatana (بنيت مكانه مدينة أگباتانا عاصمة ميديا) (انظر أڤستا، مقدمة، ص 19. دياكونوف: ميديا، ص 384. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 584)، وكان مجلساً دائري الشكل، يتساوى فيه الجميع، باعتبار أن كل زعيم قبلي لا يعطي الفرصة لزعيم آخر كي يبرز عليه، ويشبهها في العرف السياسي الحديث مصطلح (الدائرة المستديرة).
ويمكننا تفسير انتظام الجميع في حلقة واحدة، يداً بيد، وكتفاً إلى كتف، والتحرك جميعاً وفق إيقاع معيّن، دونما أيّ إخلال أو نَشاز، وسيرهم جميعاً خلف قائد واحد، يحمل الراية (المنديل)، ويلوّح بها مباهياً، ومحدّداً مسار أفراد الحلقة جميعاً، على أنه تعبير عن وحدة أفراد القبيلة، وسيرهم في صف واحد خلف زعيم القبيلة، أو على أنه تعبير عن وحدة زعماء القبائل ضمن تحالف وحد، بقيادة شخص منتخَب يمتلك كفاءات القيادة، فتوضع الراية في يده، وتكون له الصدارة، وهذا يعني أن الرقصات الكردية عموماً تجسّد روح الوحدة والانضواء تحت قيادة واحدة.
والسؤال هو: ما بال التشرذم الذي يفتك بالمجتمع الكردي منذ خمسة وعشرين قرناً؟ أما كان من المفترض أن تنعكس إيقاعات وحدة الصف في حلقات الرقص العفوي على مسار المجتمع الكردي، ويتجلّى في إيقاع اجتماعي وسياسي متناغم ومتجانس؟ أما كان من المفترض أن يوجد- بالتوازي مع السير خلف قائد واحد حامل للراية الواحدة في حلقات الرقص- شعب واحد، يسير طواعية خلف قائد واحد أو قيادة واحدة؟
أم أن دلالات وحدة الصف في حلقات الرقص ما هي إلا تجسيد لوحدة الصف القبلي وحده، وليس وحدة صف الشعب كله؟ أم أنها إرث يجسّد وحدة صف الاتحاد القبلي عند أسلاف الكرد في العهد الميدي؟ أم أن ثمة انفصاماً في بنية الوعي الجمعي الكردي- بخصوص وحدة الصف- بين المأمول والممكن؟ أم أن ما نلمحه في حلقات الرقص الشعبي من وحدة صف، وسير خلف قائد واحد، وعلى إيقاع متجانس، هو مشروع شعبوي عفوي، أبدعه اللاشعور الجمعي الكردي الجماهيري، كنوع من الاحتجاج على الواقع المتشرذم، وكحافز للوحدة صفاً وقيادةً ومساراً؟
ثالثاً – من فولكلور المراعي
يبدو من خلال ما ذكره نيكيتين أنه كان كثير المخالطة للكرد الرحّل، وهم يسمّون Rewend (رَوَنْد) وKoçer (كُوچَر)، ونقل في كتابه (الكرد) بعض المشاهد الخاصة بفولكلور المراعي، فنقل عن باحث يدعى ميللينكن وصفاً لحلقة رقص رعوية، فقال:
“لقد تحوّلت خيمتنا هذا المساء إلى مهرجان واسع، سرعان ما امتد إلى سائر الخيم، وكان يزيد مـن نشوتنا ضوءُ القمر الساطع، ونيران الليل اللاهبة، وقد عمّت الفرحة الجنود أيضاً، واختلطوا بالكرد الذين تألفت منهم حلقة (الدبكة). وبمجرد أن عُزفت بعض الألحان الكردية، تشكّلت حلقات رقص منظَّمة، وبدأت تقدم رقصات كردية. ويستحق الرقص الكردي وصفاً دقيقاً، كما أنه يمتاز ببعض الخصوصية التي لا أجدها في الرقصات الشرقية الأخرى؛ إن إحدى خصائص الرقص الكردي هي أنه لا يؤدَّى مطلقاً بصورة انفرادية أو ثنائية وحتى رباعية، فهو يبدأ فيه بتكوين حلقة غير كاملة، يأخذ كل رجل فيها دوره إلى جانب امرأتين، ويلامس كتفه كتف زميلته التي تكون بجانبه.
ولكن الخاصية الأكثر تميّزاً فيه هي أن الراقص في جميع أنحاء العالم يحرك عند الرقص جميع أطراف جسمه قليلاً أو كثيراً، أما الراقص الكردي فيبقى بدون حراك تقريباً، ويكتفي بحركات قليلة وخفيفة من ركبتيه، … بل تكون الحلقة مجتمعة في حركة ناعمة ومتموجة، وتهتز على إيقاع الموسيقى، وتبدو وكأنها حقل قمح يداعبه نسيم ناعم. وعندما يرقص المقاتل الكردي فهو يقدّم عرضاً من أكثر العروض شاعرية ورومانسية، عرضاً يتناسب مع هيئته. وقد لمحنا في نظراتهم جميعاً وكأنهم على وشك أن يُغمى عليهم من أثر عشق داخلي مؤثّر، ولكن عندما ينتهي الرقص يعود الجميع إلى حالتهم الاعتيادية، وكأنهم لم يكونوا قبيل هنيهات في حالة ذوبان في العشق “. (نيكيتين: الكرد، ص 225 – 226).
وقال نيكيتين يصف مشهد انتقال الكرد إلى المراعي الصيفية (زُوزان) Zozan :
“وبعد أن تنمو الخرفان، وتقوى، ويزداد ذوبان الثلوج في الجبال، يُحدِّد الأُوباباشي [زعيم الأُوبة] يوم (برو- دان) [الإطلاق]؛ أي يوم الرحيل من الدولكا [مكان تضع فيه المواشي حملانها] باتجاه المراعي الجبلية، ويكون الاستعداد لهذا اليوم قد بدأ منذ أسبوع، وها قد حلّ يوم الاحتفال؛ منذ الصباح الباكر يرتدي الجميع أفضل ملابسهم، وتُزيّن الفتيات، اللواتي لبسن ملابسهن الزاهية، رؤوسَهن بالزهور البرية النَّضِرة، وتعلّقن بأنوفهن الخزامة والقطع الذهبية المستديرة، ومعها حلقات ذهبية كأقراط، وتهيّئ المُوسِرات منهن أنوف بناتهن منذ الطفولة لهذه الغاية، كذلك تزيّن الخِراف والنِّعاح والمِعزى بخصل الصوف المذّهَّبة، وتُعلَّق في رقاب أفضل الكباش الجَلاجلُ النُّحاسية، ثم يتركون النعاج والحملان؛ لتعود إلى القطيع المشترك، ثم يٌحدَّد موعد السير”. (نيكيتين: الكرد، ص 98).
ويستمر نيكيتين في وصف المشهد قائلاً:
” وعندما تكون الشمس قد تجاوزت الأفق صوب كبد السماء، تكون الاستعدادات قد أوشكت على الانتهاء، وفي مثل هذا النهار الربيعي، إذ تكون السماء صافية، والهواء منعشاً معطَّراً بأريج الأزاهير البرية، التي تفتّحت براعمها للتوّ، تحين ساعة الاحتفال، وقد أصبح كل شيء جاهزاً، فيعطي الأوبابشي إشارة البدء بالرحيل، ويتقدم موكبَ (برو- دان) الراعي الرئيسي في أحسن ثيابه، وفي يده مزماره، إنه يقوم بدور القائد، ويعطي تعليماته إلى الفتيان في طريقة معاملتهم للحملان أو النّعاج التي ترفض إرضاع صغارها، ويأتي خلف الراعي الرئيسي أكبرُ وأجمل كبش، وهو ما يسمّى بالكردية (نَيرِي) Nêrî [الصواب: بَران Beran، ويقال: نَيري لذكر الماعز] وقد عُلِّق في رقبته جرسٌ يرسل رنّات عالية.
وقبل الانطلاق مباشرة يخاطب كل مالك رعاته بالقول: إني إذ ائتمنتك على قطيعي أطلب منك أن تؤدّي واجبك بأمانة وشرف. وبعد انتهاء هذه المراسم، يبدأ الراعي الرئيسي بالعزف على مزماره، فيتحرك الموكب، ويسير القطيع بانتظام خلف الراعي الذي يصاحبه الفتيان، بينما يحيط مساعدوه الرعاة والصبايا بالجوانب، ليحافظوا على سير المسيرة، وأحياناً يلوّحون بعصيّهم أو يصفّرون بطريقة خاصة، ليمنعوا أيّ خلل في القطيع”. (نيكيتين: الكرد، ص 99).
وعلقّ نيكيتين على المشهد قائلاً:
“ورغم انقضاء سنوات عديدة على اليوم الذي رأيت فيه لأول مرة موكب (برو- دان)، ما تزال الصورة عالقة بذهني، وكأنني أرى الآن مشاهد الأطفال المشرقة، والشبابَ والرعاة بملابسهم الزاهية وأغانيهم الشعبية، تحت ضوء أشعة الشمس الساطعة، حيث كان الوادي مغطًّى بطبقة من الخضرة، بينما كانت الجبال التي تمتد أمام نواظرنا من بعيد ما تزال مكسوَّة بالثلوج. أما ثُغاء الحِملان والنِّعاج، وصفيرَ الرعاة وأغانيهم مع الفتيان، فكانت تتجاوب من بعيد في الوادي العميق، ويأتي الأهالي من أماكن سكناهم مسرعين لمشاهدة هذا الموكب المبهِج”. (نيكيتين: الكرد، ص 99).
وإليكم مشهد آخر لفت انتباه نيكيتين، إنه يوم (بَران بَرْدانَه) Beran berdane؛ أي إطلاق الخراف الذكور وسط الإناث للتزاوج، فقال:
“وفي يوم (بَران بَرْدان) تُفصَل النعاج في حظائر مسيَّجة، وتُطلَق بينها الكباش لإخصابها، وكانت هذه الكباش ترعى خلال الصيف كله في قطيع منعزل. ويُتّخَذ هذا الإجراء كي تحمل النعاج في موعد قريب من الربيع المقبل، ويأخذ بعض الشباب أحياناً لإطلاق النار في الهواء، كأنهم يحتفلون بزفاف نعاجهم، وتُهيَّأ في هذا اليوم أصناف من الأطعمة اللذيذة، مثل (مرتوكا) Mertoka [غير متأكد من صحة اللفظ]، وهو صنف من الحلوى، و(كاتا) Kata وهو نوع من الزلابية الرفيعة المحلاّة بالسكر، و(قاوُرْمَه) Qaworme؛ أي اللحم المطبوخ [الصواب: اللحم المقلي]، ويُدعى الجميع للعشاء، ويوزَّع ما تبقّى منها على الفقراء في صحون خاصة.
وتنزع الفتيات عن رؤوسهن المناديل الحريرية، ويربطنها حول أعناق الخراف المحببة إليهن، فيتقدم الشباب ويأخذونها، تعبيراً عن حبهم لهن، ورغبتهم في الزواج منهن، ويراقب الأهل الفتى الذي التقط منديل ابنتهم، وهم يعرفون أن الاتفاق كان قد تم في الصيف، فإذا لم يُمانع الأهل عُقدت الخطوبة، وبعد وقت قصير يُحتفَل بالزواج”. (نيكيتين: الكرد، ص 108).
المراجع
1. الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2009م.
2. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007م.
3. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001م.
4. دبليو آر . هي: مذكرات دبليو آر، ترجمة فؤاد جميل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م.
5. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبيّة شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
6. الدكتور عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967م.
7. الدكتور عمر عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1999م.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 15 – 8 – 20