الرئيسية » دراسات » دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة السادسة عشرة )

دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة السادسة عشرة )

وقفة مع المصطلح
التعامل مع المفاهيم والمصطلحات لا يخلو من متاعب، أعرف ذلك، لكن ما العمل؟ إنها مفاتيح العلوم ومداخل المعارف، والقفز فوقها يعني القفز نحو التخبّط والأحكام القاصرة؛ لذا قبل البحث في سمات العقل الكردي دعونا نقف عند كل من (العقل) وقرينه (التفكير) ترى ما هما؟ وأذكر أننا أشرنا سابقاً إلى التداخل بين دلالات (ذهنية، عقلية، تفكير) في موسوعات المصطلحات الفلسفية، وتوصلنا حينذاك إلى أن مفهوم (ذهنية) أشمل من مفهوم (عقلية)، وهذا بدوره أشمل من مفهوم (تفكير).
وقد قيل في تعريف العقل ما يلي: “العقل هو مَلَكة الفهم، والاستدلال الصحيح، والاستنتاج، وإدراك العلاقات الذهنية “. (كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة، ص 354). وجاء في تعريف (التفكير) ما يلي: ” التفكير عمل عقلي عامّ، يشمل التصوّر والتذكّر والتخيّل والحُكم والتأمل، ويُطلق على كل نشاط عقلي، ومنه قول ديكارت: أنا أفكر، إذن أنا موجود”. (كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة، ص 155). وقيل في تعريف (الفكر): ” الفكر: إعمال العقل في الأشياء، للوصول إلى معرفتها، ويُطلق بالمعنى العام على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية، وهو مرادف للنظر العقلي والتأمل”. (جميل صليبا: المعجم الفلسفي، طبعة 1982، 2/154).
والحديث عن (العقل/التفكير/الفكر) وثيق الصلة بمفهوم الاستدلال، فماذا يعني؟ قيل في تعريف الاستدلال Inference هو ” كل عملية تفكير تنتقل بموجبها من مقدّمة إلى نتيجة، وإذا كانت المقدّمات صادقة كانت النتائج صادقة أيضاً. وينقسم الاستدلال إلى: استدلال استنباطي، واستدلال استقرائي”. (كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة، ص 33). والاستنباط هو الاستنتاج Deduction، وجاء في تعريفه أنه “عملية فكرية تنطلق من مبدأ عام إلى ما هو جزئي وخاص”. (كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة، ص 34. وانظر يو. أ. بتروف: أبجدية التفكير المنطقي، ص 112). أما الاستقراء Induction فهو” استخلاص مفاهيم عامة من مفاهيم خاصة وجزئية، وهو النظر في المعطيات والحالات الجزئية، والانتقال من ذلك إلى استخلاص حكم عام ينطبق عليها كلها. والتفكير الاستقرائي ينطلق من الجزئيات إلى الأحكام والكليات”. (كميل الحاج: الموسوعة الميسرة، ص 34).
وخلاصة ما نود الوصول إليه هو أن الحديث عن سمات العقل الكردي يعني البحث في طرائق التفكير وآلياته السائدة في الذهنية الكردية، هل ينحصر التفكير في إطار الكليات والعموميات فقط؟ هل ينحبس في نطاق الجزئيات فقط؟ أم أنه قادر على اكتشاف العلاقة بين الكليات والجزئيات؟ وهل هو قادر على ممارسة الاستقراء والاستنتاج بشكل فاعل، والانتقال من الملاحظة إلى التأمل والتصنيف والتمييز والمقارنة والتحليل والتركيب والحُكم؟ وهل هو قادر على الارتقاء من المستوى الحسي، إلى المستوى التصوّري (التخيّل)، فإلى المستوى التجريدي (التنظير) على الصعيد المعرفي؟ وهل هو قادر على التعامل مع المفاهيم والمبادئ والنظريات؟
حسناً، وإذا كان العقل الكردي يمتلك خصائص التفكير الفاعل فماذا يعني ذلك؟ الحقيقة إنه يعني الكثير بل الكثير جداً، إنه يعني:
– أولاً أنه عقل جريء اقتحامي، وليس نكوصياً هروبياً.
– وثانياً أنه عقل ينزع إلى الواقعية، ولا ينجرف مع الأوهام.
– وثالثاً أنه عقل قادر على الجمع بين المعرفة العلمية والأدبية والفلسفية.
– ورابعاً أنه عقل حيوي (ديناميكي) ، وليس جامداً (استاتيكياً).
– وخامساً أنه عقل منظَّم، قادر على اكتشاف النظام في الموجودات.
– وسادساً أنه عقل قادر على النهوض بمهمة تفسير العالم، وليس عاجزاً.
– وسابعاً أنه عقل قادر على التفاعل، وليس سلبياً قاصراً على الانفعال.
– وثامناً أنه عقل قادر على التغيير والتجديد والإبداع، وليس نمطياً.
– وتاسعاً أنه عقل ينزع إلى التمرد والثورة، وليس عبودياً خانعاً.
– وعاشراً أنه عقل قادر على المساهمة في ازدهار الحضارة وتقدم البشرية.
والآن ماذا عن سمات العقل الكردي على ضوء جميع ما سبق؟
لندع الوقائع والشواهد تتحدّث.
أولاً- العناد ومقولة ” عقل كردي “!
” عقل كردي “! لفتت هذه العبارة انتباهي مراراً، ويبدو أنها ماركة مسجّلة باسم الكرد، فإذا كان أحد الناس يتعنّت، ولا يتزحزح عن موقفه، كان يوصف بعبارة: “عَقْله كردي”، والمقصود بهذه العبارة هو العناد والإصرار على الموقف. لكن هل الصلابة في الموقف، والإصرار عليه- وهو ما يسمّى عناداً ويباسة الراس- صفة متأصّلة في الشخصية الكردية؟ الجواب: نعم. ولا أقول هذا انسياقاً مع ما هو شائع، وإنما لمسته في مواقف بعض الكرد الذين خالطتهم، ووجدته أيضاً في سِيَر عدد من مشاهير الكرد، كما أنه بدا لي واضحاً من خلال مواقف حاسمة في تاريخ الكرد منذ خمسة آلاف عام.
أجل، لولا (العقل الكردي) هل كان من الممكن أن يتغلّب الگوتيون (الجوتيون) على الاحتلال الأكّادي سنة (2230 ق.م)؟ ولولا (العقل الكردي) هل كان من الممكن أن يحرر الميديون شعوب غربي آسيا من الآلة العسكرية الآشورية سنة (612 ق.م)؟ ولولا (العقل الكردي) لأبي مُسْلم الخُراساني هل كان من الممكن الإطاحة بالخلافة الأُموية، وتأسيس الخلافة العباسية سنة (132 هـ/750 م)؟ ولولا (العقل الكردي) لصلاح الدين الأيوبي هل كان من الممكن تحرير غربي آسيا من الفرنج، واسترداد القدس، وإلحاق الفشل بأضخم حملة أوربية (الحملة الصليبية الثالثة) سنة (1191 م)؟ ولولا (العقل الكردي) هل كان من الممكن استمرار الثورات الكردية، واحدة تلو أخرى، طوال قرنين من الزمن؟ ولولا (العقل الكردي) هل كان من الممكن احتفاظ الكرد بهويتهم؛ بعد خمسة وعشرين قرناً من مشاريع القهر والإنكار والصهر؟
ولا تقتصر تجلّيات (العقل الكردي) على الميدان السياسي والعسكري، وإنما تظهر تجلياته في مجال الدين أيضاً، ولنأخذ- على سبيل المثال- شيخ الإسلام ابن تَيْمِية (ت 728 هـ/1328 م)، إنه عارض فقهاء عصره في بعض القضايا الدينية الخلافية، فسُجن، ولم يتزحزح عن مواقفه، حتى توفّي في السجن، وقبل ذلك كان ملك التتار قازان قد هاجم دمشق سنة (699 هـ)، ورغم شهرته بالبطش توجّه ابن تيمية إلى معسكره، وقال له عن طريق الترجمان مؤنّباً: “قل لقازان أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاضٍ وإمامٌ وشيخٌ ومؤذّنون على ما بَلَغَنا، وأبوك وجدُّك كانا كافرَين، وما عملا الذين عملت، عاهدا فوَفَيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجُرْت “. (الإمام محمد أبو زهرة: ابن تيميّة، ص 18- 19).
ولنأخذ مثالاً آخر من العصر الحديث، إنه بديع الزمان سعيد النُّورْسي- يقال: النَّوْرَسي أيضاً- (1873 – 1960م)، صاحب (رسائل النور) الشهيرة، والذي خرجت من عباءة فكره جميع الأحزاب التركية الإسلامية المعاصرة، ففي عهد الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك صدرت الأوامر بمنع ارتداء العمامة، ومنع الأذان بالعربية، وانصاع جميع علماء الدين في تركيا لتلك الأوامر، إلا النُّورْسي، إنه أصرّ على ارتداء العمامة، وعلى أداء الأذان بالعربية، وتعرّض نتيجة لذلك للمضايقات والمحاكمات والنفي والسجن مراراً، بل هُدّد بالإعدام، ومع ذلك ظل متمسّكاً بموقفه إلى أن ارتحل إلى العالم الآخر.
إن أول ما يُفهم من مقولة (عقل كردي) هو العناد، لكن العناد نوعان: عناد إيجابي، مستظلّ بالوعي المستنير، والثبات على الحق، وهو نقيض الزئبقية والانتهازية والخيانة. وعناد سلبي، وهو الجمود والعنجهية والتعنّت وعدم المرونة. فبأية دلالة من دلالات العناد شاعت مقولة (عقل كردي!!)؟ طبعاً يُفهم من السياقات التي تُطلق فيها أن المقصود هو الدلالة السلبية، والدليل على ذلك أن ثمة مقولة أخرى قريبة من مقولة (عقل كردي!)، لكن السياقات التي تقال فيها تدل على أنها فضيلة وليست عيباً؛ نقصد مقولة (كِلْمة كردية)، فهي تقال في معرض تأكيد الوعد، وتثبيت العهد، والتزام الصدق، باعتبار أن الذاكرة الجمعية الغرب آسيوية عهدت في الكردي أنه يلتزم بكلمته، ولا يحتاج الأمر معه إلى شهود ومواثيق.
لكن لماذا الكردي حصراً، وليس غيره من خلق الله، ترك الانطباع في الذاكرة الجمعية الغرب آسيوية، بأنه عنيد ومتعنّت و(يابس الراس)؟ ألا يمكن أن تكون مقولة (عقل كردي!) واحدة من حلقات التحامل على الكرد التي بدأها كهنة الذهنيات الإمبراطورية الغرب آسيوية، منذ العهد الأكّادي؟ ألم يشطبوا اسم الكرد من السلالات الآدمية؟ ألم ينسبوهم إلى الجن والعفاريت والشياطين والإماء الفاسقات؟ ألم يروّجوا أن الكرد قطّاع طرق ولصوص وأشرار؟ بل لماذا نذهب بعيداً؟ فمنذ عهد قريب، عمد خرّيجو الذهنيات الإمبراطورية إلى إحياء مشروع (أبلسة الكرد) في فيلم (الأرض الطيبة)، بصناعة تركية، وبتسويق من فضائية (mbc) العربية، فقدّموا الكرد إلى شعوب العالم على أنهم قطّاع طرق، ومهرّبو مخدّرات، ومتخلّفون ورجعيون، وشعب بلا قيم وبلا إيمان؟ فما قيمة مقولة (عقل كردي!) إذا قيست بمنتَجات مشروع الأبلسة؟
ثانياًً- العقل الكردي والذهنية الريفية
أجل، خطرت لي جميع التساؤلات السابقة، ولا أستبعد أن تكون مقولة (عقل كردي!) جزءاً من مشروع أبلسة الكرد، وصحيح أنها من إنتاج الجماهير، والجماهير بشكل عام طيبة وبريئة، تصف ما ترى، وتتفاعل مع الحدث بعفوية، لكن من الذي أوصل الكرد إلى الوضع الذي أنتج في النهاية مقولة (عقل كردي!) بدلالته السلبية؟ إنهم خرّيجو الذهنيات الإمبراطورية طبعاً، إنهم خلقوا المُناخ المساعد لإنتاج هذه المقولة، وذلك على محورين: الأول هو الإلحاح على الكردي كي ينمسخ، فكان الكردي عنيداً ولم ينمسخ. والثاني أنهم زجّوا بالقسم الأكبر من الكرد في دائرة ثالوث (الجبل- الرَّعَوية- القبلية)، حيث السيطرة الكاملة للجهل والتخلّف، وحالوا بينهم وبين التمدّن والتحضّر، وحرموه من اكتساب الذهنية التجارية، فهيمنت عليهم الذهنية الرعوية الريفية، وهي ذهنية صالحة جداً لإنتاج العناد السلبي بدلالاته المذكورة.
ولا يخفى أن ذهنية التاجر غير ذهنية الراعي والفلاح، ولنأخذ حلّ المشكلات ميداناً لمعرفة الفارق بين الذهنيتين، فالمبدأ عند أهل المدن- وأغلبهم يمارس التجارة- هو حلّ المشكلات عن طريق الجهات القضائية. أما المبدأ عند الريفيين فهو حلّ المشكلات بالتطاحن والتقاتل، فتُشَجّ الرؤوس، وتُكسَر العظام، وتسيل الدماء، ويحلّ بعضهم ضيوفاً على السجون، ويرحل بعضهم إلى القبور. ولماذا اختلف المبدآن؟ لأن التاجر يتعامل مع منتجات الحضارة، مع البضائع، وكلّ بضاعة هي ثقافة، وهذا يعني أن التاجر يتعرّض لتطوير ثقافي مستمر، فيكتسب معلومات جديدة، ويتّسع أفقه المعرفي، ويتعمّق وعيه لنفسه وللعالم، فيتهذّب سلوكه، ويرتقي إدراكه من حصرية الخيار الواحد إلى رحابة الخيارات المتعددة.
وعدا هذا هل هناك تاجر- مهما كان مغفّلاً- يبيع بأقل مما اشترى، أو بمثل ما اشترى؟ وبتعبير آخر: هل هناك تاجر لا يفكر في الربح والخسارة إزاء ما يشتريه أو يبيعه؟ وهل هناك تاجر يصدّ الزبون من أول وهلة، ولا يمارس عملية المساومة؟ وماذا تعني عملية المساومة ضمناً؟ إنها تقوم على مبدأ (خذ وأعطِ)، وتنطلق من قاعدة (أمامي خيارات أخرى)، وتعني التفكير في النتائج ( أأنا رابح أم خاسر؟)، إن المساومة هي بنت الذهنية الپراغماتية، هي فن المداورة والمناورة، وكل مساومة هي معركة سلمية لطيفة، ولن يكون تاجراً حصيفاً ذلك الذي تجرّه تجارته إلى الخصومات، ومن ثَمّ إلى المشافي أو السجون.
أما الريفي فقد فرضت عليه مهنته أن يتعامل مع البهيمة وتقنيات العصر النيوليثي البدائية، ومعظم معلوماته تراوح مكانها قروناً عديدة، فيبتلى بضيق في الأفق المعرفي، وبتخلّف في الوعي، ومعظم الأحيان لا يجد بين يديه في المواقف الخطيرة إلا خياراً واحداً، أما مسألة التفكير في الربح والخسارة فتكون غائبة تماماً، إن سيّد الموقف حينذاك هو منهج çi dibe bila bibe (ليكن ما يكن!)، ويسيطر عليه مبدأ (إما أن أكون أو لا أكون!) Ya hebûn ya tinebûn، ولا ينسى بالطبع حكمته الأثيرة Dîkê rokê be û ne mirîshka salekê be (كن ديك يوم، ولا تكن دجاجة سنة).
والحقيقة أنني لم أدرك الفرق بين الذهنية التجارية والذهنية الريفية إلا بعد أن حللت في دولة الإمارات، فهناك التقيت بالتجار الفرس، فلاحظت أن التاجر الفارسي يحتفظ في الغالب بابتسامته طوال المساومة، ولا ينفعل ولا يثور مهما ألححت عليه، ويظل يناور إلى أن يبيعك البضاعة بالثمن الذي يريده، فتأخذه وأنت راض. وحينذاك كنت أتذكر التاجر الكردي، فمساحة الابتسامة على وجهه محدودة، وهو في الغالب غير مستعد للمساومات الطويلة، ويقول لك مظهره: (لا تثرثر، إما أن تدفع أو تذهب)، وكنت أقول لنفسي: هل من العجب أن يخسر نخب ميديا دولة كبرى كانت قائمة، ويصنع نخب فارس إمبراطورية كبرى من لا شيء تقريباً؟
ثالثاً- العقل الكردي والنزعة العلمية
نقصد بالنزعة العلمية الميل إلى التفكير العقلاني العلمي في الأمور، والإقبال على الملاحظة والتصنيف والترتيب والمقارنة والاستقراء والاستنتاج، وإدراك العلاقات بين الكليات والجزئيات، والتفسير المنطقي للوقائع، والصبر على متابعة التفاصيل ودراستها، وإخضاع الأمور للتحليل العلمي، والربط بين الأسباب والنتائج، والبحث عن حقائق الأمور، والغوص في الأعماق، وعدم الاقتناع باليقينيات المبهمة.
وتظهر النزعة العلمية للعقل الكردي في ميادين معرفية عدّة، ولنبدأ بمجال الدين، فالمعروف أن (التسليم) هو المبدأ السائد في المجال الديني، اتّباعاً لمقولة “عليكم بدين العجائز”؛ أي الاعتقاد بطريق التقليد، وعدم البحث عن التبرير العقلاني، والملاحظ أن علماء الكرد لا يأخذون بهذه المقولة، وإنما ينزعون في الأمور الدينية إلى التبرير العقلاني والتفسير المنطقي، وقد ذكرنا ذلك في مبحث (ذهنية الكرد الدينية)، وأن محدّث العراق النور علي السُّوَيدي البغدادي أبدى استغرابه وامتعاضه من ذلك. وفي العصر الحديث نجد هذه الظاهرة واضحة في الفكر الديني للملا سعيد النورسي (بديع الزمان) وغيره، كما أنها واضحة في براعة فقهاء الكرد بعلم المَواريث، وهو علم قائم في الأصل على الرياضيات.
ومن الأدلة البارزة على النزعة العلمية عند المثقفين الكرد إقبالهم على التأليف في مجالات يغلب عليها الطابع العلمي؛ كالتاريخ، والتراجم والمعاجم، والجغرافيا، والفلك، والرياضيات، والطب، والفلسفة، والنقد الأدبي، فمن المؤرخين عزّ الدين ابن الأَثير (ت 630 هـ – 1233 م)، وابن الأزرق الفارِقي، نسبة إلى فارقين (ت بعد 577 هـ/1171 م)، وأبو الهَيْجاء (ت 700 هـ /1301 م)، وفي التراجم والمعاجم ابن خلِّكان (ت 681 هـ/1282 م)، ومجد الدين ابن الأثير (ت 606 هـ – 1210 م)، وخير الدين الزِّرِكْلي (ت 1976 م)، ومن الجغرافيين ابن حَوْقَل النَّصِيبي (القرن 4 هـ/10 م)، وابن الفقيه الهَمَذاني ( ت نحو 340 هـ / 951 م)، والملك أبو الفداء الأيوبي (ت 732 هـ/1331 م)، وفي الهندسة ابن الرَّزّاز عبد العزيز بن إسماعيل الجَزري، (ت 602 هـ / 1205 م)، وفي الفلك والرياضيات بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد الغزال الدمشقي (ت 912 هـ/ 1506 م).
وبرز في مجال الطب أبو الفتوح أحمد بن السَّري الهَمَذاني ( ت حوالي 540 هـ)، وإبراهيم بن المُلاّ زين الدين الدمشقي المعروف بالجَمَل (ت 1058 هـ)، وفي مجال الفلسفة وعلم المنطق محمد بن الجَهْم البَرْمَكي (كان حياً قبل سنة 218 هـ)، والسيف الآمدي (ت 632 هـ)، ومن المخترعين زَين الدين الآمدي (ت 714 هـ/1314 م)، وهو أول من صنع الحروف البارزة، وفي النقد الأدبي الحسن بن بِشْر الآمدي (ت 370 هـ/980 م) صاحب كتاب (الوَساطة بين المتنبّي وخصومه)، وضياء الدين ابن الأَثير (ت 622 هـ/ 1225 م)، صاحب كتاب (المَثَل السائر في أدب الكاتب والشاعر)، بل الأعجب من هذا أن ديوان الشاعر الكردي جميل صِدْقي الزَّهاوي (1863 – 1936 م) عامر بالقصائد الدائرة حول موضوعات فلسفية وعلمية، وهذا ما لم نجد له مثيلاً، وبهذه الكثافة، في دواوين شعراء العربية في العصر الحديث.
رابعاً- العقل الكردي وقابلية الحضارة
مر أن الذهنيات الإمبراطورية فرضت ثالوث (الجبل- الرعوية- القبلية) على المجتمع الكردي، وشرّدته في متاهات الجهل والتخلّف، لكن مع ذلك كلما كان العقل الكردي يحظى بالبيئة الثقافية والحضارية المناسبة- ولو في حدود ضيّقة- كان يستوعب بسرعة أبجديات التمدّن، ويتقبّل بنهَم ما يتطلّبه التحضّر من حرص على العمل الجادّ، وتفاعلٍ مع النظريات والأفكار العلمية، وتعاملٍ مع الجديد من الآلات والتقنيات والفنون. أما اندماج العقل الكردي بما تتطلّبه حياة التحضر في الملبس والمسكن والمطعم والمشرب، ومن سلوكيات وآداب، فحدّث عنه ولا حرج.
ولا عجب في ذلك، فالشجرة تنهض على أصلها كما يقول المثل الكردي Dar li ser kokê xwe radibe، وقد مر في المباحث الأولى من هذه الدراسة أن فجر الحضارة في غربي آسيا بزغ من جغرافيا أسلاف الكرد، ولا داعي إلى تكرار الأدلة، ونذكّر فقط بالمنجزات الحضارية التي نمت في ظل الوزراء البَرامكة خلال العصر العبّاسي الأول، وبالمنجزات الحضارية التي شهدتها كردستان الوسطى في ظل الدولة المروانية، وبالمنجزات الحضارية التي شهدتها مصر خاصة في ظل الدولة الأيوبية، رغم الحروب المتواصلة ضد الفرنج، وبالمنجزات الحضارية التي شهدتها بلاد فارس في ظل الكردي اللُّوري كريم خان زَنْد، وبالمنجزات الحضارية التي شهدتها مصر في ظل أسرة محمد علي باشا في العصر الحديث، وقد ذكرنا جميع ذلك في سلسلة (مشاهير الكرد في التاريخ) الإلكترونية (الحلقات: 3، 12، 20، 32، 41). ودعونا الآن نستعرض بعض ما قاله الآخرون بشأن العقل الكردي وقابلية التحضر.
قال جوناثان راندل: ” يؤكد بعض الباحثين أن سكّان جبال كردستان كانوا روّاد الزراعة منذ اثني عشر ألف سنة قبل الميلاد، وأنهم دجّنوا الماعز والخراف والخنازير، وزرعوا القمح والشعير والشُّوفان والجاودار والعدس، ويُعتقد بأن استخدام الأدوات النحاسية لأول مرة في التاريخ بدأ في الألف السابع قبل الميلاد في منطقة دياربكر في كردستان تركيا، وبأن الأدوات البرونزية ظهرت في هذه المنطقة أيضاً في الألف الرابع قبل الميلاد”. (جوناثان راندل: أمة في شقاق، ص 34).
وقال باسيلي نيكيتين بشأن أسلاف الكرد في منطقة كوردوئين (شرقي تركيا حالياً، وكانت عاصمتها آمد): ” ومن الغريب أن نلاحظ أن سكان كوردويي كانوا معروفين بكونهم معماريين ومهندسين عسكريين، وقد حارب الملك الأرمني تيگران الكرد، وساق حوالي خمسة وثلاثين ألف كردي مع جيشه لفتح الطرق، وبناء الجسور، وتنظيف الأنهار، وقطع أشجار الغابات، ولتنفيذ أعمال عسكرية أخرى”. (نيكيتين: الكرد، هامش 12، ص 54).
وقال باسيلي نيكيتين بشأن الكرد في العصر الحديث:
” كما أن استخراج النفط من منطقة كركوك يتمّ أيضاً بمساعدة الأيدي العاملة الكردية. وقد أكد سُون قبل الحرب العالمية الأولى … أن الكرد المستقرين في القسم الجنوبي من زاغروس (كَلْهُر، باجَلاّن، جاف) أثبتوا قابلية طبيعية لممارسة الأعمال الميكانيكية في شركات النفط (شركة النفط الإنكليزية- الإيرانية) التي باشرت أعمال التنقيب في أطراف قصر شَيرِين. وقد استخدمت الشركة المذكورة العمال الكرد في أعمال حفر آبار النفط، وفي الأعمال الميكانيكية، فأثبتوا خلال ممارستهم لتلك الأعمال مهارة فائقة، حتى إن الشركة المذكورة عندما نقلت نشاطاتها إلى الجنوب الغربي من إيران، طلبت من العديد منهم الانتقال معها إلى المناطق المذكورة. وكما يقول سون لقد أثبتوا أنهم أكثر تفهّماً واستعداداً لتطوير أنفسهم من العمال الآخرين، وأظهر العديد منهم جدارة ومهارة فائقتين في ميادين العمل التكنيكي، إنهم جدّ منظَّمين وهائلين، لا يصيبهم الكَلل، ويُبدون استعداداً عجيباً للعمل، ويمكن القول بحق: إنّ العمّال الكرد في كركوك وُفّقوا في استخدامهم لأعمال استخراج النفط “. (نيكيتين: الكرد، ص 121).
خامساً – العقل الكردي ونزعة التجديد
من السمات البارزة في العقل الكردي خروجه على النمطية، ونزوعه إلى التجديد والإبداع، بل إن هذا النزوع يصل إلى حد التمرد والثورة على الحالة القائمة أحياناً، وهذه الظاهرة ملموسة في مجالات عديدة، ومن الأمثلة عليها أن الموسيقي الكردي زِرْياب (ت نحو 230 هـ/845 م) أول من زاد على آلة العود وتراً خامساً متوسطاً، فصار به العود ألطَفَ نغماً وأكمل فائدة. وهو الذي اخترع بالأندلس (إسبانيا) مِضْراب العود من ريش مقدّمة جناح النسر، بدلاً من الخشب الرقيق، للطف قشر الريشة ونقائه وخفّته على الأصابع، وعدم إضراره بالوتر، وأبدع زرياب في إبداع الألحان، حتى توهّم أن الجن هي التي تعلّمه. (المِقَّري: نفح الطيب، 3/127. زيغريد هُونگه: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 488. الزركلي: الأعلام، 5/228.).
وكان أحمد بن الحسين، المشهور بلقب بديع الزمان الهَمَذاني (ت 389 هـ/1008 م)، أول من اخترع فنّ المَقامات القصصي في الأدب العربي، والمَقامة قصة قصيرة، تتوافر فيها معظم عناصر الفن القصصي (الفكرة، الموضوع، الشخصية الرئيسة، الشخصيات الفرعية، البيئة، العقدة، الحل، الحَبْكة)، وقد ألّفه بديع الزمان بلغة تصويرية سلسة وجذّابة، وقلّده بعدئذ القاسم بن علي المشهور بالحَريري البَصْري (ت 516 هـ/1122 م)، فلم يبلغ في مقاماته المستوى الأدبي الرفيع الذي بلغته مقامات الهمذاني. (ابن خلكان: وفيات الأعيان، 1/127 – 128، 402، 453. الزركلي: الأعلام، 5/177. ).
أما في العصر الحديث فكان الشعراء والأدباء الكرد سبّاقين إلى التجديد في الشعر والأدب، إن أمير شعراء العرب في العصر الحديث أحمد شوقي (1868 – 1932 م) أوّل من ابتكر فن الشعر المسرحي في الأدب العربي الحديث، وألّف في هذا المجال مسرحيات عديدة، منها (مصرع كليوباترا)، و( مجنون ليلى)، و(قَمْبيز)، و(علي بك الكبير). ويعدّ الأخوان محمد تَيْمور (1892- 1921 م)، ومحمود تيمور (1894 – 1973 م)، ولدي الأديب المفكر أحمد تيمور (1871 – 1930 م)، من أوائل كتّاب فن القصة القصيرة والرواية والمسرحية في مصر. ومن قصص محمد تيمور ومسرحياته: (العصفور في القفص)، و(عبد الستّار أفندي)، ولمحمود تيمور عدد كبير من القصص والروايات والمسرحيات، منها قصة (الشيخ جمعة)، وقصة (رجب أفندي)، ورواية (الأطلال)، ومسرحية (عروس النيل)، ومسرحية (كذب في كذب).
سادساً – العقل الكردي ونزعة الإصلاح والثورة
إن ما يثير الاستغراب أن الأدباء والشعراء والمفكرين الكرد اقتحموا بجرأة ثلاثة حقول مليئة بالألغام، كما يقال باللغة العسكرية، وتلك الحقول هي: حقوق المرأة، والدين، والسياسة، وكان مجرّد الاقتراب منها يعدّ من المحرّمات في أوائل القرن العشرين، بل كان من يدخل تلك الحقول يعرّض نفسه للاضطهاد، وربما للموت أيضاً.
1 – الدفاع عن المرأة: المعروف أن المرأة الشرقية المسلمة كان محكوماً عليها- وفق التقاليد طبعاً- بالجهل، والكفّ عن المشاركة في الحياة الثقافية والاجتماعية والوطنية، وكان أنصار هذا التيّار- وما زالوا- يغلّفون توجّهاتهم بلبوس ديني، الأمر الذي كان يزرع الرعب في قلب كل من تحدّثه نفسه بالخروج عليها، والوقوف ضدّها، والغريب أن العقل الكردي كان المبادر إلى مواجهة هذا النهج ومقارعته، في وقت كان فيه أغلب المثقفين يلتزمون الصمت.
ففي مصر كانت الفتاة الكردية عائشة التَّيْمورية ( 1840 – 1902 م)، أخت الأديب المفكر أحمد تيمور، سبّاقة إلى حمل لواء الدعوة لتحرير المرأة من الجهل والتخلف، وكانت تنظم الشعر بالعربية والتركية والفارسية، وتُنشد شعرها على مسامع أبيها إسماعيل باشا، فكان يُثني عليها ويشجّعها، ولها مقطوعات كثيرة في الغزل، وهي أول امرأة مصرية تنشر ديوان شعرها، كما أنها ألّفت روايات تمثيلية، ونشرت المقالات في الصحف، ودعت إلى مشاركة المرأة للرجل في الأعمال، وألقت بمسؤولية تأخر المرأة على الرجل، وفي الوقت نفسه وجّهت اللوم إلى المرأة؛ لمبالغتها في الاهتمام بأمور الزينة، وانصرافها عن القيام بواجباتها الاجتماعية والوطنية، وهي أول سيّدة مصرية تخلّت عن ارتداء النِّقاب، وبدت سافرة الوجه في حضرة العلماء وكبار أدباء زمانها، وصفوة شعرائه. (أدهم آل جندي: أعلام الأدب والفن، 2/ 525 – 528. الزركلي: الأعلام، 3/240. عمر رضا كحّالة: معجم المؤلفين، 5/55).
وبعد عائشة التيمورية، حمل لواء الدفاع عن حقوق المرأة المفكر الكردي المصري قاسم أمين (1863 – 1908 م)، وكان قد درس الحقوق في فرنسا، وعمل في سلك القضاء بمصر، ولذلك دخل ميدان الدفاع عن المرأة بفكر متّقد، وبحجّة أقوى، وألّف في هذا المجال كتابين، أولهما كتاب (تحرير المرأة)، والثاني كتاب (المرأة الجديدة)، طالب فيهما بإعادة النظر في تربية المرأة، وانصبّ اهتمامه على قضايا الحجاب، وتعددّ الزوجات، والطلاق، ودعا إلى تحرير المرأة مما تعانيه من مظالم باسم الدين والعادات والأعراف، وأكّد على ضرورة الجمع بين تربية المرأة على الفضائل، ومنحها الحرية للمساهمة في بناء المجتمع، ونتيجة لذلك أصبح عرضة لخصومات قادة الفكر الرجعي، فسلّطوا عليه الغوغاء، حتى إنهم كانوا يشتمونه في الشارع، وكان بعضهم يطرق باب داره، فإذا خرج مستفسراً شتموه، وقالوا له: ألست تدعو إلى حرية المرأة؟! فلتسمح لزوجتك بالخروج معنا إذاً. (الزركلي: الأعلام، 5/184. عمر رضا كحّالة: معجم المؤلفين، 8/114. وللمزيد حول آراء قاسم أمين حول المرأة انظر: محمد عمارة: قاسم أمين. وداد سكاكيني: قاسم أمين).
وإذا كان قاسم أمين ناضل في سبيل حقوق المرأة بفكره، فقد ناضل عنها شاعران كرديان شهيران بأشعارهما، الأول هو أحمد شوقي في مصر، إنه وقف في قصيدة له ضد ظلم الرجال للنساء، وندّد بزواج كبار السن من الصبايا، قائلاً:
ظلمَ الرجــالُ نساءَهمْ، وتعسّفوا
هل للنسـاء بمصرَ مِن أنصارِ؟!
يتزوّجون على نســـاءٍ تحتهمْ
لا صاحبــاتُ بَغيٍ، ولا بشِرار
مِـن كلّ ذي سبعين، يكتُم شيبَه
والشيبُ في فَوْدَيه ضوءُ نهـارِ
(أحمد شوقي: الشوقيات، 1/129 – 130).
والشاعر الكردي الآخر هو العراقي جميل صِدْقي الزَهاوي، ويبدو أنه كان يقف بقوة ضد الظلم الواقع على كاهل المرأة، والدليل على ذلك أن المعادين لحقوق المرأة وقفوا ضده بصرامة، وكالوا له الشتائم، بل هدّدوه بالقتل أيضاً، وقال مستنكراً فرض النِّقاب على المرأة ، وكان يسمّى (الحِجاب):
هكذا المسلمـون في كلّ صَقْعٍ حجبوا للجهـــالة المسلماتِ
سجنوهنّ في البيـوت، فشلّوا نصفَ شعبٍ يَهُــمّ بالحركاتِ
إنّ هذا الحجاب في كلّ أرضٍ ضررٌ للفتيــــان والفتـياتِ
لم يكن وضعُه من الدين شيئاً إنما قد أتى مــن العـــاداتِ
(جميل صدقي الزهاوي: ديوانه، ص 316، 319، 367).
2 – الإصلاح الديني: دخل العقل الكردي، في العصر الحديث، حقل الإصلاح الديني بقوة، وكان- وما زال-حقلاً محفوفاً بالمخاطر، وخاصة بعد أن رسّخ الحكم العثماني في العقول والنفوس ثقافة الاستبداد والتخلّف، حتى إن كل مطالب بالتجديد الاجتماعي والسياسي كان يُصنَّف في خانة العداء للإسلام، ومحاربة الله ورسوله، وكان من الطبيعي- والحال هذه- أن يكون عدد من جهروا بالإصلاح الديني والسياسي قليلاً، وكان اثنان من أبرز قادة الإصلاح حينذاك كرديان، الأول هو المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي (1852 – 1902 م)، والثاني هو المفكر المصري الشيخ محمد عبدُه (1849 – 1905 م)، وسبق أن كتبت عن الكواكبي في الحلقة (56) من سلسلة (مشاهير الكرد في التاريخ) الإلكترونية. أما الشيخ محمد عبدُه فهو أشهر من أن أسوق الأدلة على جهوده الإصلاحية في مجال الدين، وقد قال قُبيل وفاته:
ولستُ أُبالي أنْ يقـــال: محمّدٌ
أَبَلّ، أم اكتظّت عليه المـــآتمُ؟
ولكنّ ديناً قـــد أردتُ صلاحَهُ
أُحاذٍر أن تقضي علـيه العمائم!
3 – الانقلابات السياسية: يبدو أن العقل الكردي نزّاع إلى الثورة في حقل السياسة أيضاً، فهل من الصدفة أن يكون قائد أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط هو الكردي الفريق بَكر صِدْقي (1885 – 1937 م)، قائدَ الانقلاب العسكري في العراق سنة (1936 م)؟ وهل من الصدفة أن يكون قائد أول انقلاب عسكري في سوريا، سنة (1949 م)، هو الكردي المشير حُسْني الزَّعيم (1897 – 1949 م)؟ وهل من الصدفة أن يكون قائد أول انقلاب عسكري في تركيا، سنة (1960 م)، هو الكردي الجنرال جمال غُورْسَيل؟ وقد دفع الثلاثة حياتهم ثمناً لما قاموا به.
قول على قول
ولعل قائلاً يقول: إن الأعلام الكرد الذين استشهدت بهم، بشأن سمات العقل الكردي، هم من خرّيجي الثقافة العربية، وظهرت إبداعاتهم في جغرافيا غير كردية، وعاشوا في مجتمعات غير كردية، أفلا يعني ذلك أن الفضل للثقافة التي نهلوا منها، وللبيئة الاجتماعية التي عاشوا فيها، وليس للعقل الكردي حسبما يُفهم من العنوان؟
أقول: هذا صحيح جداً، وهو ليس دليلاً على قصور في بنية العقل الكردي، بل إنه برهان يؤكد قدرة العقل الكردي على الإبداع بمجرد أن تتاح له البيئة الملائمة. وإذا كان العقل الكردي قادراًُ على التفاعل مع العلوم، وعلى الإبداع، بلغات غير الكردية، وفي بيئات غير كردية، فكم كانت ستكون نسبة تفاعله إذاً لو كانت لغته الأم- اللغة الكردية- مدخله إلى المعرفة، ولو توافرت له في بيئته المؤسسات الثقافية المناسبة؟
ثم من المسؤول عن الجدب الذي حاق بالعقل الكردي في بلاد الكرد؟ أليست الذهنيات الإمبراطورية هي التي حكمت على الكرد بالأسر في قبضة ثالوث (الجبل- الرعوية- القبلية)؟ وهل تركت تلك الذهنيات خياراً أمام الكردي سوى أن يكون راعياً متخلّفاً، أو فلاّحاً مغفَّلاً، أو مرتزقاً ممسوخاً، أو عتّالاً، أو كنّاساً، أو ماسح أحذية، أو ثائراً معتصماً بالجبل؟ وهل يمكن لأناس في هكذا أوضاع، وأُبعدوا عن شواطئ الحضارة، وزُجّ بهم في العصر النيوليثي، أن يُبدعوا ثقافة وينتجوا حضارة؟
إنني ألمح في العقل الكردي شبهاً بالعقل اليوناني القديم، العقل الذي أنتج أفلاطون بنزعته الفلسفية المثالية، وأنتج أرسطو بنزعته الفلسفية العلمية المادية، وأنتج تيارات فلسفية أخرى بين هذا وذاك، ولا ننس في الوقت نفسه التشابه في البيئة الجبلية والذهنية السياسية بين الشعبين (قيام دول- المدن، رفض حكم الطاغية)، لكن انفتاح بلاد اليونان على البحر أتاح لليونانيين الاندماج في حركة السياسة والتجارة العالمية، وأتاح للعقل اليوناني التفاعل مع المعطيات الحضارية المتجددة.
أما الكرد فحكمت عليهم البيئة الكردستانية- وهي بيئة داخلية غير بحرية- بالعزلة الطويلة عن تيّارات الحضارة، ثم ابتلوا بمشاريع القمع والتجهيل والصهر، فكُبِتت قدرات العقل الكردي، وحيل بينه وبين الازدهار الطبيعي الحر، ولا ننس أن العقل اليوناني نفسه خسر توهّجه وتراجع، عندما وقع في قبضة الذهنيات الإمبراطورية؛ كالاحتلال المقدوني والاحتلال الروماني، وأعتقد بقوة أن منطقة غربي آسيا خسرت الكثير بلجم العقل الكردي وقمعه، وتركه أسير الذهنية الرعوية الريفية.
المراجع
1. أحمد شوقي: الشوقيات، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1970م.
2. أدهم آل جندي: أعلام الأدب والفن، مطبعة مجلة صوت سورية، دمشق، 1954م.
3. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001م.
4. جميل صدقي الزهاوي: ديوان جميل صدقي الزهاوي، دار العودة، بيروت، الطبعة الثانية، 1979م.
5. الدكتور جميل صَليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م.
6. جوناثان راندل: أمة في شقاق (دروب كردستان كما سلكتها)، ترجمة فادي حمّود، دار النهار، بيروت، 1997م.
7. ابن خلكان: وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عبّاس، دار الثقافة، بيروت، 1968م.
8. خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986م.
9. زيغريد هونگه: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بَيْضون، كمال دُسُوقي، دار الجيل، بيروت، 1993م.
10. عمر رضا كحّالة: معجم المؤلفين، مكتبة المُثَنّى، بيروت، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957م.
11. الدكتور كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2000م.
12. الإمام محمد أبو زَهرة: ابن تيمية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1977م.
13. الدكتور محمد عُمارة: قاسم أمين، دار الوحدة للطباعة والنشر، بيروت، 1985.
14. المِقَّري: نَفْح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطيب، تحقيق إحسان عبّاس، دار صادر، بيروت، 1968م.
15. وداد سكاكيني: قاسم أمين، دار المعارف، القاهرة، 1965.
16. يو. آ. بتروف: أبجدية التفكير المنطقي، ترجمة الدكتور أحمد جابر أبو زيد، دار الشموس للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى، 1999م.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 15 – 6 – 2010