الرئيسية » دراسات » دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة الخامسة عشرة )

دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة الخامسة عشرة )

تأصيل المصطلح
قبل الحديث عن الذهنية السياسية دعونا نتساءل: ما هي السياسة؟ وقد تنوّعت التعريفات في هذا الصدد، فقيل: ” فنّ السياسة هو إدارة شؤون المجتمع “. (غاستون بوتول: فن السياسة، ص 7. إريك لوران: حرب آل بوش، ص 19)، وقيل “السياسة فنّ الممكن” (نورتون فريش، ريتشارد ستيفنز: الفكر السياسي الأمريكي، ص 8)، وفُسّر هذا القول بأن رجل الدولة يفعل من الخير بقدر ما يستطيع، أو أنه يزيل أكبر قدر ممكن من الشر، بإحداث أقل قدر ممكن من العداء. وذكر السياسي الألماني كارل شميث ” أن السياسة هي قبل كل شيء تحديد العدوّ “.(إريك لوران: حرب آل بوش، ص 19). وجاء في معجم ليتره سنة (1870م): ” السياسة علم حكم الدول”. (موريس دوڤرجيه: مدخل إلى علم السياسة، ص 7). وجاء في معجم روبير سنة (1962 م): ” السياسة فنّ حكم المجتمعات الإنسانية “. (موريس دوڤرجيه: مدخل إلى علم السياسة، ص 8).
وثمة أربع كلمات محورية يتكرر ورودها في تعريفات السياسة، هي (علم، فن، مجتمع، دولة)، والحقيقة أن السياسة (علم وفن) معاً، إنها (علم) على صعيد التنظير، و(فنّ) على صعيد التطبيق، كما أن السياسة مرتبطة بالمجتمع والدولة معاً. وصحيح أن المفاهيم الكبرى تخسر كثيراً من جمالها وجلالها حينما يتمّ تأصيلها وتفكيكها، لكن مع ذلك تعالوا نُخضع مفهوم (سياسة) للتفكيك، فكلمة (سياسة) تسمّى بالإنكليزية Politics، وهي مأخوذة من الكلمة اليونانية Polis؛ وتعني (المدينة الدولة)، باعتبار أن أقدم أشكال الدولة في المجتمع اليوناني القديم كان (المدينة-الدولة/دولة المدينة)، وليس الدولة المركزية. (جان جاك شوفالييه: تاريخ الفكر السياسي، ص 14).
وارتباط مفهوم (سياسة) بشكل (المدينة- الدولة) يعني أمرين: أولهما أن مفهوم (سياسة) وُلد مع (الإنسان المجتمع)، وليس مع (الإنسان الفرد). وثانيهما أن مفهوم (سياسة) وُلد في كنف حالة اجتماعية كان فيها البشر تجاوزوا الطور البدائي/المشاعي، وانتقلوا إلى الطور المدني/الحضري. وهذا يعني أن السياسة- من حيث كونها علماً وفنّاً- لم توجد في طور (توافق المصالح) بين أفراد المجتمع، طور المشاعية، الطور الذي كان الأقوياء يوظّفون فيه قوتهم لخدمة الضعفاء، وفق مبدأ (الكل للواحد والواحد للكل)، وإنما وُجدت السياسة في طور (تصادم المصالح)، الطور الذي وُجد فيه فائض الإنتاج، ووظّف فيه الأقوياء قوتهم لاستغلال الضعفاء، وفق مبدأ (الكل للواحد).
ويمكننا القول بأن (السياسة) هي في جوهرها علم/فنّ إدارة المصالح رعايةً وحماية، كي لا تتصادم، وكي لا ينهار المجتمع، وهي تسمّى (سياسة داخلية) إذا كان موضوعها إدارة المصالح ضمن المجتمع الواحد، وتسمّى (سياسة خارجية) إذا كان موضوعها إدارة المصالح بين المجتمعات إقليمياً وعالمياً. ومثل بقية معارف البشر كانت السياسة تقوم على العفوية والارتجال في البداية، ثم تطوّرت مع تكاثر البشر وتشابك المصالح، فصارت علماً وفنّاً، وأُلّفت فيها الكتب، ولعل من أقدمها كتاب (الجمهورية) لأفلاطون (427 – 347 ق.م)، وكتاب (السياسة) لأرسطو (384 – 322 ق.م) أستاذ الإسكندر المكدوني. أما في العصر الحديث فمن أشهر الكتب التي تناولت السياسة بالتنظير والتحليل كتاب (الأمير) للسياسي الإيطالي نيقولا مِكْياڤيللي Niccolo Machiavelli (1469- 1527 م)، وكتاب (روح الشرائع) للمفكر الفرنسي مُونتسكيو Montesquieu (1689 – 1755 م)، وكتاب (العِقْد الاجتماعي) للمفكر الفرنسي جان جاك رُوسّو Jean-Jacques Rousseau(1713 – 1778 م).
ومع توسّع معارف البشر، وتنوّع العلوم وتفرّعها، نمت جملة من المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة بمفهوم (السياسة)، منها: العقيدة السياسية، والجغرافيا السياسية، والإپستيمولوجيا السياسية، وعلم نفس السياسة، وسوسيولوجيا السياسة، والنظام السياسي Political System، وهو يستعمل غالباً لوصف الترتيبات السياسية لمجتمع ما، ويكاد يكون مرادفاً لكلمة (الدولة)، غير أنه لا يحمل الدلالات القانونية والفلسفية التي تحملها كلمة (الدولة)، وثمة مصطلح الفكر السياسي Political Thought، وهو ” مصطلح عامّ جداً لأنواع النظريات والفلسفات والعقائد والعمليات الذهنية المتعلقة بالسياسة، والتعبير عنها، وفي هذا المعنى الواسع يتضمن الفكر السياسي الفلسفة السياسية والنظرية والعقيدة السياسية”. (جيوفري روبرتس: القاموس الحديث للتحليل السياسي، ص 340، 342).
واستناداً إلى ما سبق يمكن القول بأن الذهنية السياسية تشتمل على الثقافة السياسية السائدة في مجتمع ما (أيديولوجيا، مُثل عليا، مبادئ، قيم، مفاهيم)، وتشمل أيضاً المدارس السياسية، والنظم السياسية، والفكر السياسي الذي يسترشد به الساسة في مواقفهم، والخبرة السياسية المتراكمة، والإستراتيجيات والتكتيكات السياسية، وطرائق إدارة الأزمات السياسية، وكيفية بناء العلاقات السياسية سلماً وحرباً، سواءً داخل المجتمع الواحد أم فيما بين الشعوب.
والآن، ماذا عن ذهنية الكرد السياسية؟
ظاهرات في ذهنية الكرد السياسية
من أبرز الظاهرات في ذهنية الكرد السياسية ما يلي:
أولاً – النفور من الدولة المركزية:
إن الشخصية الكردية تنفر أيّما نفور من الانضواء تحت لواء حكم مركزي، ولا يخفى دور ثالوث (الجبل، الرعوية، القبلية) في نشأة هذه النزعة، ولنبدأ بالسومريين، فرغم انتقالهم من جبال كردستان إلى سهول ميزوپوتاميا، ظلت بعض الخصائص الجبلية راسخة فيهم، ولم تستطع جغرافيا السهول اقتلاعها، ومن أبرز تلك الخصائص- سياسياً- عدم قيام دولة سومرية مركزية، وإنما قيام دول- مدن، كما كانت الحال في بلاد اليونان بعد حوالي خمسة عشر قرناً، وصحيح أن بعض حكام دول- المدن حاولوا فرض توسيع نفوذهم على حساب دول المدن الأخرى، لكنهم ما أفلحوا في ذلك، قال سبتينو موسكاتي:
” فالواقع أن السومريين كانوا عاجزين دائماً من الناحية السياسية عن بناء دولة كبيرة، فقد كانوا منقسمين إلى دول في مدن، كان ملوكها هم أيضاً الكهنةَ والممثّلين للآلهة المحلية. وتاريخ المدن السومرية قصة متصلة من التنافس، كان التوازن المتراوح هو الوضع الطبيعي فيها، ولكنه كان ينقطع من حين إلى حين بغلبة مدينة أو أخرى غلبةً قصيرة الأمد، وكانت الدولة الوحيدة التي بلغت مكانة مرموقة هي تلك التي وُفِّق الملك لوجال زاجّيزي Lugal zaggisi إلى إنشائها حول مدينته أُمّا Umma [تل جُوخَة الآن]، ولكن بعد أن احتفظ بسيادته سنين عديدة غلبته أخيراً دولة سامية [الدولة الأكادية بقيادة سرجون الأول]، وكان ذلك حوالي 2350 ق.م “. (سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 67).
إن الدولة شبه المركزية الوحيدة التي أقامها السومريون كانت علي يد الملك السومري أُور- نَمُّو Ur- Nammu ، في حدود سنة (2050 ق.م)، إذ كان حاكماً على مدينة أور من قِبل الملك الگوتي (الجوتي/ الجودي) الأخير أُوتو حَيكال، فثار عليه، وقضى على سلطته، وطرد الگوتيين من بلاد سومر، ووسّع نفوذ دولته، وأسّس سلالة أور الحاكمة الثالثة، وسيطرت تلك السلالة على المدن السومرية والأكّادية، وأعادت توحيد البلاد، وأقامت إمبراطورية تضاهي الإمبراطورية الأكّادية من حيث سعة رقعتها ونظام حكمها المركزي، غير أن حكامها كانوا من السومريين، واستمرت أكثر من مئة سنة (2113 – 2006 ق.م). ولا يخفى التأثير الثقافي الأكّادي السامي في إحداث هذه القفزة داخل الذهنية السومرية، وهي مع ذلك شذوذ على القاعدة التي تأكد ثبوتها طوال ألف عام تقريباً قبل ذلك. (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 117 عامر سليمان، أحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 109).
وبعد السومريين برز الگوتيون، وكانت دولتهم في الأصل اتحاداً قَبَلياً، هدفه الرئيس هو الوقوف في وجه العدوان الأكّادي المستمر، وانعكست ذهنيتهم السياسية على طريقتهم في حكم بلاد أكّاد، وعلى نحو أكثر وضوحاً في حكمهم لبلاد سومر؛ إذ اكتفوا باستلام الجزية من السومريين، ” تاركين تسيير دفّة الأمور للحكام للمحليين، ومن ثَمّ فقد بقيت المدن السومرية تتمتع بشيء من الحرية السياسية والتجارية؛ الأمر الذي أدّى إلى تطور كبير في مدائن الجنوب “. (محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 163).
وكان الطابع السياسي الغالب على العهد الحُوري هو وجود الدويلات المتناحرة، ولذلك كانت سرعان ما تنهار أمام أيّ اعتداء خارجي، وقد ظهر الفرع الميتاني من بين الحوريين، وأسّس دولة واحدة شبه مركزية، في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، دامت حوالي قرن من الزمان، ويعدّ ذلك استثناء. (جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 201). وكانت دولة ميديا اتحاداً شبيهاً بما يسمّى في عصرنا (اتحاد فدرالي)، ولم تكن دولة مركزية، وكان الميديون يتعاملون مع المناطق غير الميدية الخاضعة لهم، كبلاد فارس مثلاً، وفق النظام السياسي الاتحادي، قال هيرودوت: “وكان الميديون اعتمدوا، في عزّ دولتهم، هذا المبدأ في الإدارة والحكم، فكانوا يتولّون أمر جيرانهم المباشرين، ويدعون كل أمة أن تحكم جارتها، وفق مبدأ القرب “. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 96).
وثمة في التاريخ السياسي الكردي دولتان فقط كان لهما طابع الدولة المركزية، هما الدولة الكاشية (1595 أو 1531 – 1157 ق.م)، والدولة الأيوبية (1171 – 1250 م)، لكن لا ننس أن الدولة الكاشية المركزية قامت في بلاد بابل، وليس في الجغرافيا الكردية، وكان أغلب رعاياها من البابليين الساميين، وكان البابليون خرّيجو ذهنية سياسية تقبل الخضوع لدولة مركزية، وبتعبير آخر: كان النظام السياسي الكاشي نتاج الثقافة السياسية البابلية. وأما الدولة الأيوبية فقد تأسست في مصر وبلاد الشام، ولم تتأسس في الجغرافيا الكردية، وكان القسم الأكبر من رعاياها من غير الكرد، إضافة إلى أن رعاياها – كرداً وغير كرد- كانوا قد تربّوا طوال خمسة قرون على الذهنية السياسية الإسلامية، ومعلوم أن للسلطة المركزية أهمية قصوى في الفكر السياسي الإسلامي؛ على الأقل حسبما تجسّد في دولة الخلافة منذ عهد الخلفاء الراشدين والأُمويين والعبّاسيين.
ثانياً – النفور من الحكم الفردي المطلق:
تنفر الشخصية الكردية، بشكل عام، من حكم الفرد (ملك، طاغية)، فالحكم داخل كل دولة- مدينة سومرية لم يكن متمركزاً في يد شخص واحد لا ضابط له ولا رادع، وإنما كان حكماً ديمقراطياً، وكانت السلطة تتركز في مجلس المواطنين العام (أُونْكِين) Unkin، ولاحظوا الشبه الصوتي والدلالي بين هذا الاسم والكلمة الكردية Ain gin، أي (الذين هم للجميع/ممثلو الجميع/ نواب الشعب/الجمعية العامة). وكان مجلس أونكين ينقسم إلى مجلسين: مجلس الكبار في السن، ومجلس الشباب، وكان مجلس أونكين هو الذي ينتخب حاكم مدينة- الدولة، ويتخذ القرارات الهامة، ومن بينها قرارات السلم والحرب، وبذلك يكون السومريون أول من أسس النظام البرلماني الديمقراطي في تاريخ البشرية. (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 78 – 79، 83 – 84. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 67. سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، ص 127).
وقد فسّر الدكتور محمد بَيُّومي مهران هذه الظاهرة قائلاً: ” ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التنظيم السياسي لدويلات المدن السومرية- سواء أكان في شكل الجمعية العمومية أو الملكية- قد كان انعكاساً لأفكار القوم الدينية؛ ذلك لأن الآلهة السومرية إنما كانت لها جمعيتها العمومية التي تضم كل الآلهة- ذكوراً وإناثاً- كلٌّ له دوره الفعّال في مداولاتها، وكان على رأس هذه الجمعية العمومية المعبود (أنو) إله الماء وملك الآلهة، الذي أُودِع أمامه الصولجان والتاج وعصا الراعي، وقد كانت المعبودات السومرية تصوَّر في شكل إنساني، وتحكمهم عواطف إنسانية، ويرتدون كالبشر زيّاً مجدولاً، ربما كان من جلود الغنم، رغم أنه كان يمثّل سمات حياة البداوة التي انتهت منذ زمن بعيد “. (محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 100).
ونحسب أن تفسير العلاقة بين البشر والآلهة على هذا النحو غير صائب، والصحيح أن ننطلق من الواقع البشري إلى عالم الآلهة، باعتبار أن آلهة كل مجتمع هم التجسيد الروحي والرمزي للمثل العليا والمبادئ والقيم والطموحات التي يشتمل عليها الوعي الجمعي لذلك المجتمع؛ أي أن واقع الآلهة يعكس الواقع البشري، وليس العكس. وانطلاقاً من هذا التفسير نرى أن المَجْمع الإلهي السومري كان يعكس بدقة الذهنية السومرية السياسية، وبما أن هذه الذهنية لا تتقبّل الحاكم المطلق فكذلك لا نجد في اللاهوت السومري الإله الواحد الأحد، الكلي القدرة، المطلق المشيئة، وإنما ثمة كبير الآلهة الذي يقبل أن يتقاسم آلهة آخرون الصلاحيات معه، أي يقبل (الإشراك به)، ثم لاحظوا ظهور الرموز الرعوية الجبلية في البانثيون الإلهي السومري، فثمة عصا الراعي والزيّ المجدول من جلود الغنم.
وقد لجأت بعض المجتمعات الكردية إلى آليات طريفة للتعبير عن النزعة الديمقراطية في تولّي السلطة، يقول نيكيتين: “وللهكّاريين عُرف غريب يخص كيفية تولّيهم السلطة. فإذا تبيّن أن الـ (خان) المحلي غير جدير بتولّي أعباء الحكم، يُدعى جميع الوجوه والأعيان إلى الاجتماع، فينظر هؤلاء في الوضع، وإذا تبيّن لهم أنه غير جدير بالحكم، وثبت زوال حقه، وُضع أمامه زوج من الحذاء، وعليه أن يحتذيهما ويغادر الاجتماع، بعد إعطاء موافقته على تعيين شخص آخر سواه لتسلّم الحكم، ولكن أموال المعزول وأملاكه لا تصادر من قبل أحد “. (نيكيتين: الكرد، ص 257).
ودأبت العادة على أنه كلما ظهر، في مجتمعات أسلاف الكرد، حاكم مستبدّ، ينزع إلى الانفراد بالسلطة، ويهمّش أقرانه من النبلاء وزعماء القبائل، كان سرعان ما يُواجه بالثورة، وكان ذلك يؤدي تارة إلى مقتله، كما حدث للملك المانني آزا، إنه عقد معاهدة للاتحاد مع الآشوريين، والتعاون مع سرجون الثاني ملك الآشوريين، فانتفض الشعب المانني ضده بقيادة (يگداتو)، وقبض عليه الثائرون، وقتلوه، ورموا بجثته من فوق الجبل. (دياكونوف: ميديا، ص 199).
وفي كثير من الأحيان كانت ردود الأفعال ضد الحكّام المستبدّين تجر على أسلاف الكرد كوارث مدمّرة، وأبرز مثال على ذلك استبداد الملك الميدي أستياگ بالحكم، واستهانته بالنبلاء وزعماء الاتحاد الميدي، فكانت النتيجة أن أحد أولئك الزعماء، ويدعى هارپاك- وكان أعلى قادة الجيش الميدي رتبة- وحّد كلمة الناقمين على أستياگ، وتآمر عليه سراً مع ملك فارس كورش الثاني، وجرّ الجيش الميدي إلى هزيمة مفتعلة، وقدّم الدولة الميدية كلها غنيمة لكورش على طبق من ذهب، وكان الدافع إلى انتهاجه- هو وأقرانه- نهجَ الخيانة هو الحقد على أستياگ والانتقام منه، وعدم السماح له بالحكم المطلق، قال دياكونوف: “ولولا خيانة كبار رجال ميديا، داخل الدولة الميدية، لما استطاع الفرس السيطرة على الحكم في الإمبراطورية الميدية”. (دياكونوف: ميديا، ص 394).
ثالثاً – قصر عمر الدول والممالك الكردية:
إن قصر عمر الممالك والدول والإمارات الكردية ظاهرة واضحة المعالم في التاريخ الكردي، فطوال خمسة آلاف عام، وبدءاً من العهد السومري، وانتهاء بسقوط جمهورية مهاباد سنة (1947 م)، ليس ثمة دولة كردية حكمت مدة أكثر من قرنين بصورة متماسكة غير الدولة الكاشية، وسبق أن ذكرنا أنها كانت تحكم في بابل، وليس في الجغرافيا الكردية. وعلى سبيل المثال كان عمر الدولة الگوتية لا يتجاوز (91) عاماً، وكان عمر دولة ميديا أقل من قرن، وكذلك كان شأن الدولة الدوستكية (المروانية)، وشأن الدولة الأيوبية، أما بعض الإمارات والدويلات الكردية التي عاشت في الإسلام أكثر من قرنين، فهي لم تكن مستقلة بالمعنى الدقيق للاستقلال، وإنما كانت تتبع دولة مركزية ما، كالدولة العباسية، أو الدولة العثمانية.
رابعاً – عدم قيام إمبراطوريات كردية:
الإمبراطورية Empire دولة ضخمة، يقيمها نُخَب ذوو توجّهات توسّعية، وهي تنشر سلطانها على مساحة واسعة، وتفرض سيطرتها على شعوب عدّة بالحرب غالباً، وبمبرّرات سماوية أو أرضية، ويحتكر نُخَبها القرارات السيادية في جميع أراضي الإمبراطورية، وغالباً ما يكون لكل إمبراطورية مشروع شمولي التوجّه، يقوم على الترويج لنموذج ثقافي معيّن، وللإمبراطورية قوتان: قوة خشنة (عسكرية)، وقوة ناعمة (أيديولوجية)، تستعملهما للسيطرة على فائض الإنتاج (فائض القيمة) في المناطق التي تهيمن عليها، ولا وجود لحدود معيّنة للإمبراطورية، حدودها شبه مفتوحة، والإمبراطوريات نوعان: إمبراطوريات عالمية، وإمبراطوريات إقليمية ذات عمر قصير. (غي هيرميه وآخران: قاموس علم السياسة والمؤسسات السياسية، ص 68. هيرفريد مونكلر: الإمبراطوريات، ص 8، 10، 16، 97، 103).
وقد قال الأمريكي بريجنسكي: ” الديمقراطية غير ملائمة للتعبئة الإمبراطورية ” (بريجنسكي: رقعة الشطرنج الكبرى، ص 53)، وهو صائب في قوله؛ فالمشاريع الإمبراطورية لا تخرج إلا من عباءة الذهنيات السياسية المركزية الطابع، وقد تكون الإمبراطورية بقيادة فرد، يجمع في قبضته جميع القرارات السيادية والمصيرية، ومثال على ذلك جميع الإمبراطوريات التي قامت في غربي آسيا، وفي الشرق عامة. وقد تكون بقيادة هيئة عليا تحتكر تلك القرارات، وتنتخب من بينها فرداً يمثّلها، ومثال على ذلك الإمبراطورية الرومانية قديماً، والإمبراطورية الإنكليزية حديثاً.
ومن الطبيعي- والحال هذه- ألا تخرج أية إمبراطورية من عباءة الذهنية السياسية الكردية، فقد مرّ أنها ذهنية تنفر من الطابع المركزي للدولة، وترفض الانصياع للحكم المطلق، ثم إن خمسة آلاف عام من تاريخ غربي آسيا تؤكد هذه النتيجة المنطقية، فالسومريون لم يقيموا إمبراطورية، أما الگوتيون فاضطروا تحت ضغط الإمبراطورية الأكّادية المستمر إلى أن يقضوا عليها، ويبسطوا سيطرتهم على أكّاد وسومر، وليس على كافة الجغرافيا التي كانت خاضعة للأكّاديين. وأما الكاشيون فاكتفوا بالسيطرة على بابل إلى جانب قسم من الجغرافيا الكردية. وأما الحوريون والميتانيون فاقتصر نفوذهم على جغرافيا أسلاف الكرد.
واقترب الميديون من تكوين إمبراطورية بالمعنى المشار إليه أعلاه، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وكان الفرق شاسعاً بينهم وبين الإمبراطورية الآشورية السابقة عليهم، والإمبراطورية الفارسية اللاحقة لهم، وأقصى ما فعلوه أنهم وحّدوا القبائل والشعوب الآريانية القريبة منهم سلالياً- بما فيهم الفرس- ضد دولة آشور للخلاص منها، واكتفوا بالسيطرة على الجغرافيا التي كانت تقيم فيها تلك القبائل والشعوب، في حين أن الفرس انفلتوا كالمارد بمجرد سيطرتهم على دولة ميديا، فاحتلوا دولة بابل في الجنوب الغربي، ودولة ليديا في الشمال الغربي، وعبروا البوسفور إلى مكدونيا واليونان، وهاجموا بلاد السكيث في شمالي البحر الأسود، ثم احتلوا سوريا الكبرى ومصر، وما اكتفوا بذلك، بل توجّهوا شرقاً نحو الهند والشعوب التورانية (التركية)، وأخضعوا قسماً منهم للسلطة الفارسية، فأين هذا مما قام به الميد؟
خامساً – عدم النزوع إلى إلغاء الآخر:
باستثناء الفترات التي كانت فيها الذهنية الكردية واقعة في قبضة ثقافات التعصب الديني، وكان الحكام الكرد يتلقّون أوامرهم من دول تنفّذ سياسات الإقصاء والإلغاء الديني والقومي، وخاصة في العهد العثماني، يمكننا القول بثقة تامة: إن الذهنية السياسية الكردية غير ميّالة إلى الإضرار بالآخرين، ولا تنزع إلى إلغائهم جغرافياً أو قومياً أو ثقافياً، وكل من يستعرض التاريخ الكردي منذ خمسة آلاف عام، على الصعيد الحربي، يصبح على يقين من أن الكرد كانوا- في القسم الأعظم من تاريخهم- مدافعين لا مهاجمين، وحتى في الحالات القليلة التي كانوا يتحوّلون فيها إلى مهاجمين كانوا مُكرَهين على ذلك، وكانوا يهاجمون ليقضوا على مصدر التهديد الموجَّه إليهم، وبمجرد تحقيق الهدف كانوا يكفّون عن النهج الهجومي.
إن الگوتيين لم يهاجموا دولة أكّاد إلا بعد أن فعلت بهم الدولة الأكّادية الأفاعيل، وأشبعتهم استعباداً وقهراً وإذلالاً، وإن الميتانيين/ الحوريين لم يهاجموا دولة آشور إلا لأن الآشوريين كانوا قد احتلوا منطقة سوبارتو، وهي جزء من جغرافيا أسلاف الكرد، وكانت واقعة ضمن الانتشار الحوري، وإن الميديين لم يهاجموا دولة آشور إلا بعد أن نشرت الرعب والتدمير في ميديا، وعدا هذا فإن الرعايا غير الكرد، وغير المنتمين إلى العقيدة التي يدين بها الكرد، كانوا ينعمون بالأمن والحرية الدينية في ظل الدول الكردية، وأبرز مثال على ذلك النهج الذي تعاملت به الدولة المروانية والدولة الأيوبية مع الرعايا غير المسلمين، ثم إن الحالة القائمة الآن في إقليم كردستان – العراق أبرز دليل على ما نقول؛ إذ كل من يخشى بطش الإرهاب الديني أو القومي في أنحاء العراق يجد الملاذ الآمن في المنطقة الكردية.
سلبيات ذهنية الكرد السياسية
إلى جانب الظاهرات الإيجابية السابقة، ثمّة سلبيات عديدة ومزمنة في الذهنية السياسية الكردية، ولكنها تُعَدّ أمراً طبيعياً إذا أخذنا في الحسبان الشروط الموضوعية التي أثّرت في المجتمع الكردي، والظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي مر بها الكرد طوال خمسة وعشرين قرناً، وتحديداً منذ سقوط دولة ميديا سنة (550 ق.م)، إن هذا التاريخ هو تاريخ كارثي بالنسبة إلى الكرد؛ لأن الشعب الذي يخسر دولته يخسر مظلّته الجامعة، ومؤسساته الضابطة الرابطة، كما أنه يخسر السلطة (القوة الموحِّدة)، ويخسر السيطرة على جغرافياه وثقافته، وينزلق إلى هامش تاريخ البشرية، بل إنه يصبح ريشة في مهبّ الرياح.
وبتعبير آخر: إن ضعف الفكر السياسي الكردي- ولا عيب في أن نسمّيه تخلّفاً- ليس ناجماً عن قصور ذاتي في الذهنية الكردية، ولا عن خلل في الشخصية الكردية، بقدر ما هو نتاج الحالة الغريبة والشاذّة التي زُجّ فيها الكرد رغماً عنهم، فحالت بينهم وبين ممارسة السياسة الداخلية والخارجية وفق حاجات المجتمع الكردي، وبما يلبّي تطلّعاته، وحالت من ثَمّ دون تشكّل خبرة سياسية متراكمة، ونشوء علم سياسة كردي متطوّر، وتجسيده في فنّ سياسي كردي ، فالسياسة بدايةً ونهاية علمٌ وفن، نظريةٌ وممارسة، وبقدر ما تمارس تتعلم، وبقدر ما تتعلم تمارس، ومعروف بيولوجياً أن العضو الذي لا يمارس وظيفته الطبيعية ينتهي به الأمر إلى الضمور فالزوال، وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى الذهنية السياسية الكردية، إنها تعرّضت قروناً طويلة للتعطيل القسري، فهل من العجب أن تضعف؟ وهل من العجب أن تنهشها السلبيات من هنا وهناك؟
ونستعرض فيما يلي بعض السلبيات العالقة بذهنية الكرد السياسية.
أولاً – التناحر السياسي:
الخصومات السياسية بين أبناء المجتمع الواحد، وبين أفراد الأسرة الحاكمة، ظاهرة عادية، لكنها تأخذ في التاريخ الكردي منحى غير عادي، فالذهنية الكردية الجبلية لا تأخذ بالمثل العربي القديم” إذا عزّ أخوك فهُن”، ولا بالمثل العربي الخليجي: ” إذا شاخ ابن عمّك شِلْ نِعالَهْ “؛ والمغزى إذا ساد قريبك فكن له مطيعاً. إن الذهنية الكردية تفعل العكس، وتأخذ بمبدأ (إذا عزّ أخوك فأَهِنْه، وإذا شاخ ابن عمّك فكن أوّل أعدائه)، وكان هذا النهج وراء كثير من الكوارث التي حلّت بالكرد، سواء على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد السياسي، ومنها سقوط وزوال معظم الممالك والدول والدويلات والإمارات الكردية طوال التاريخ.
بلى، لو لم يتناحر السومريون فيما بينهم لما تغلّب عليهم الأكّاديون، ولو لم يتناحر الكاشيون فيما بينهم لما تغلّب عليهم الآشوريون، ولو لم يتناحر الميتانيون فيما بينهم لما تغلّب عليهم الحثّيون والآشوريون، ولو لم يتناحر الميديون فيما بينهم لما صارت دولة ميديا غنيمة بين أيدي أقاربهم الفرس، ولو لم يتناحر المروانيون فيما بينهم لما تغلّب عليهم السلاجقة، ولو لم يتناحر الأيوبيون فيما بينهم لما انتزع مماليكهم الأتراك الدولة منهم، ولو لم يتناحر الكرد فيما بينهم لما انهارت الثورات الكردية طوال المئتي سنة الأخيرة. ولو استعرضنا التاريخ السياسي الكردي في النصف الثاني من القرن العشرين لوجدنا كثيراً من الأمثلة في هذا المجال.
ثانياً – التشرذم السياسي:
التنوّع السياسي شيء، والتشرذم السياسي شيء آخر؛ فالتنوّع ضرورة ديمقراطية، ودليل عافية الذهنية السياسية، وهو ترمومتر تقاس به حيوية الفكر السياسي، وصحيح أن الاتجاهات السياسية المتنوّعة تختلف في الأطر والشعارات والسياسات والتكتيكات، لكنها تنشط جميعاً ضمن مشروع سياسي واحد، وتسعى إلى تحقيق هدف عام مشترك. أما التشرذم السياسي فحالة مختلفة، ومن أبرز مظاهر التشرذم السياسي نزوع التوجّهات السياسية (الأحزاب) إلى التصارع والتناحر، والدوران في فلك الوحدانية السياسية، وعدم الانضواء تحت مظلة سياسية جامعة.
ولا يخفى أن الطابع الغالب على الحالة السياسية الكردية- منذ قرنين على الأقل- هو التشرذم، وحريّ بصانعي السياسة الكردية أن يتأمّلوا بعمق قصة (الحمامة المطوَّقة) التي أوردها الأديب الفارسي ابن المُقَفَّع في كتابه (كَلِيلة ودِمْنة)، وخلاصتها أن مجموعة من الحمامات وقعن في شبكة صياد، وحاولت كل واحدة الطيران والنجاة بمفردها، فما استطاعت، فاقترحت الحمامة المطوَّقة على رفيقاتها الطيران معاً وفي وقت واحد، ففعلن ذلك، واقتلعن الشبكة، وطِرْن بها في الجوّ، ثم توّجّهن إلى جُرَذ كان صديقاً للحمامة المطوَّقة، فقضم الشبكة، ونجت الحمامات جميعها.
ثالثاً – غياب المشروع السياسي الشامل:
طوال قرنين من النشاط السياسي والثورات، وإلى هذا اليوم، لم يتبلور مشروع سياسي كردي شامل ومتكامل وجذري، وقابل للتنفيذ، والأغرب من هذا أن مشاريع قليلة بدأت بأهداف كبرى وشاملة، ثم راحت تتقلّص على أرض الواقع، ولو صدرت تلك المشاريع عن ذهنية سياسية علمية وواقعية دقيقة لما تقلّصت وتقزّمت، بل لتطوّرت وتوسّعت أكثر، وإن غياب المشروع السياسي الكردي الشامل دليل أكيد على فقدان وحدة الرؤية والموقف، كما أنه دليل على أن الذهنية السياسية تعاني من عيوب ثلاثة: الاضطراب على صعيد التنظير، والاغتراب عن الواقع على صعيد التطبيق، والتخبّط على صعيد تمييز الممكن من المستحيل.
رابعاً – فجاجة الفكر السياسي:
نقصد بالفجاجة الافتقار إلى النضج، وإن مظاهر فجاجة الفكر السياسي الكردي عديدة؛ منها عدم القدرة على تحديد الأولويات وترتيبها بصورة واقعية، ولذلك يُهمَل ما هو مهمّ أو يؤجَّل، وينصبّ الاهتمام على ما هو أقلّ أهمية. ومن مظاهر الفجاجة أيضاً عقلية المغامرة ووضع البيض كله في سلّة واحدة، وفق مبدأ (إما لنا وإما علينا). والخلطُ في الممارسة بين الإستراتيجية والتكتيك، والثقةُ المطلقة بالآخر السياسي والاعتماد عليه، التزاماً بمبدأ (كلمة شرف)، وبالمقولة الكردية الشهيرة şor ji devî mêra derdikeve (الكلمة تخرج من أفواه الرجال)، وكأن الفكر السياسي الكردي يتعامل مع خصومة بين عائلتين في قرية كردية. وقد نبّه مكياڤللي إلى خطورة الاعتماد على الآخرين قائلاً: ” والأمير العاقل هو الذي يعتمد على ما يقع تحت سلطانه، لا تحت سلطان الآخرين”. (نيقولا مكياڤللي: الأمير، ص 146).
خامساً – اللاواقعية السياسية:
الواقعية هي ألفباء العمل السياسي، والمفروض في الذهنية السياسية- كائنةً ما كانت- أن تتعامل مع وقائع محدّدة ممكنة التحقيق، وليس مع أوهام أو تخيّلات أو فرضيات لا تمتّ إلى الواقع بصلة، ومن أولى دلائل الواقعية السياسية أن يجيد السياسي قراءة واقع مجتمعه، فلا يحمّله أكثر مما ينبغي، وأن يجيد قراءة الواقعين الإقليمي والدولي، ويحدّد بدقّة المصالح الممكن التعامل على أساسها مع كل جهة، فالدول ليست جمعيات خيرية للبِر والإحسان، إنها مؤسسات مسؤولة عن مصالح شعوبها، وهي لا تعطي ما لم تأخذ، بل هي لا تعطي ما لم تتأكد من أنها ستأخذ أكثر مما تعطي، ولو استطاعت أن تأخذ كل ما تريد، دون أن تدفع شيئاً، لكانت قريرة العين بذلك، وقد جسّد دِزْرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في ذروة العصر الفيكتوري هذه الحقيقة في قوله: ” إن بريطانيا ليست لها صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، وإنما لها مصالح دائمة “. (محمد حسنين هيكل: سنوات الغليان، ص 148).
سادساً – الانفعالية والشخصانية:
قال مِكْياڤيللي: ” وعلى الأمير … أن يقلّد الثعلب والأسد معاً؛ إذ إن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الأشراك، والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام الذئاب؛ ولذا يتحتّم عليه أن يكون ثعلباً ليميّز الفخاخ، وأسداً ليُرهب الذئاب، وكلُّ من يرغب في أن يكون مجرد أسد ليس إلا لا يفهم هذا “. (نيقولا مكياڤللي: الأمير، ص 148). ويبدو أن السياسي الكردي قرر أن يكون أسداً على الدوام، وهو مستعدّ للهلاك ولخسارة كل شيء على ألا يكون ثعلباً ولو مرة واحدة، إنه مخلص للمثل الكردي القائل: Dîkê rokê be û ne mirîshka salekê be (كن ديكَ يومٍ، ولا تكن دجاجةَ سنة)، والمشكلة أن الذهنية الكردية عامة لا تتقبّل اتخاذ وضعية الثعلب بعض الوقت، وكم يظهر الغضب على وجوه الكرد وعلى ألسنتهم؛ حينما يتجرّأ زعيم كردي على لعب دور الثعلب ولو مرة واحدة!
وفي التاريخ العالمي مواقف تنازل فيها كبار الساسة عن أن يكونوا أسوداً، ورضوا أن يكونوا ثعالب بعض الوقت، ليحققوا أهدافهم، ومنهم الملك الألماني هنري الرابع Henry 1V، فقد وقف ثلاثة أيام في كانوسّا Canossa، خلال شهر كانون الثاني/ديسمبر (1077 م)، حافي القدمين، بثياب صوفية بائسة، يلتمس العفو من البابا غريغوار السابع؛ إذ كان قد تمرد على الكرسي البابوي، فأصدر البابا قراراً بحرمانه علناً، بعد أن قضى بعزله، وحلّ رعاياه من يمين الولاء له، وعفا عنه غريغوار أخيراً، وأبطل قرار الحرمان. وما مرت سنوات قليلة حتى أطاح الملك هنري بالبابا من كرسي البابوية. (جان جاك شوفالييه: تاريخ الفكر السياسي، ص 167). وهذا النهج الذي مارسه الملك هنري مرفوض من الذهنية السياسية الكردية، إن الزعيم الكردي يضع شخصه مباشرة في الحسابات السياسية، ولا يستطيع أن يضعها جانباًَ، وقلة قليلة جداً من ساسة الكرد استطاعوا اتخاذ القرار بأن يكونوا ثعالب بعض الوقت، ومنهم صلاح الدين الأيوبي قديماً، ومحمد علي باشا في العصر الحديث؛ ولذلك تمكّن كل منهما من تأسيس دولة في جغرافيا غير كردية.
سابعاً – الهوّة المعرفية بين النُّخب والجماهير:
إن الهوّة المعرفية بين النخب والجماهير ظاهرة عامة، وليست مقتصرة على المجتمع الكردي، ويحرص الحكماء من النخب على تحرير جماهيرهم من ثقافة الضعف والهزيمة، قبل البدء بتنفيذ مشاريعهم الدينية أو الوطنية أو القومية، وقبل أن ينتقلوا من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم، إنهم يعملون لتشكيل وعي الجماهير من جديد، عبر الارتقاء بهم معرفياً وأخلاقياً وسيكولوجياً، هكذا فعل الأنبياء والمصلحون وقادة الثورات طوال التاريخ، لقد مارسوا (التعبئة الشاملة)؛ إذ إن الجماهير المنفصلة عن نخبها وعياً ورؤيةً، لا تصبح فقط عبئاً على النخب، ولا تسهم فقط في صناعة الفشل، وإنما تكون مهيّأة لأن تصبح حصان طروادة، يتسلل الخصوم من خلاله لضرب المشروع الوطني/القومي جملة وتفصيلاً.
ولو أخضعنا التاريخ السياسي الكردي- بما فيه ثورات القرنين (19 و 20م) للتحليل، لاتضح أن النخب الكردية كانت مخلصة وشجاعة في قيادة الكفاح منذ خمسة وعشرين قرناً، وكذلك كانت الجماهير الكردية، لكن النخب لم يعملوا بما فيه الكفاية، للارتقاء بالجماهير إلى المستوى المطلوب في مجال (التعبئة الشاملة)، ولا يخفى أن ثالوث (الجبل- الرَّعَوية- القبلية) كان مهيمناً على الذهنية الكردية بشكل عام، وهذا الثالوث هو مدمّر لكل كفاح يتطلّب وحدة الرؤية والموقف، إنه مرتع خصب للروح الفردية المتطرفة، وللتخلف المعرفي، وللتسيّب والانخلاع من الواجب، كما أنه بؤرة لإنتاج الغفلة والخيانة، فكيف يمكن لأصحاب الأهداف الكبرى أن يفلحوا وهم يجرجرون وراءهم جماهير تعشّش فيها ذهنية كهذه؟
ثامناً – انفصام القيادة عن الجماهير:
ثمة ظاهرة سلبية أخرى واضحة ومتكررة في التاريخ السياسي الكردي؛ ألا وهي سرعة انغلاق بعض القادة الكرد على أنفسهم في القصور، بعد أيّ إنجاز مما يكون استقلالاً أو شبه استقلال، أو حتى ولايةً على شعبهم من قِبل جهات حاكمة أخرى، إنهم سرعان ما ينسون واقع جماهيرهم، ويغفلون عن الأخطار المحدقة بهم وبشعبهم، وبدل أن ينزلوا إلى الجماهير، ويقاسموها البؤس، ويحرصوا على التخفيف من عذاباتها، ويكونوا مضرب المثل في بساطة العيش، وعفّة اليد، وحسن السيرة، والاستقامة في الحكم، ينشغلون بمصالحهم ومصالح أقاربهم وأتباعهم والمتزلّفين إليهم، وينكبّون على حياة الترف والرخاء وملذات الحياة، غير منتبهين إلى سيكولوجيا الجبال الكامنة في الشخصية الكردية؛ تلك السيكولوجيا التي تثير الغضب والحنق والنقمة على كل قائد وزعيم يستعلي على بني قومه، ويستأثر بالمكاسب من دونهم.
وكي لا أطيل أقترح مراجعة سيرة الملك الميدي الأخير أستياگ، وسيرة الملك المرواني نصر الدولة أحمد، وسِيَر الجيل الأخير من السلاطين الأيوبيين، إن انكباب أستياگ وبطانته على الترف واللهو، إلى جانب استبداده بالسلطة، كان من أهم أسباب سقوط دولة ميديا. وإن انشغال الملك المرواني نصر الدولة بالبذخ الشديد، وحرصه على إحياء ليالي الأنس والطرب، كان يتمّ في وقت كان فيه السلاجقة يعدّون العدّة للانقضاض على الدولة المروانية. وإن انشغال سلاطين بني أيوب، من الجيل الأخير، بالترف والمصالح الشخصية، كان من أهم أسباب جرأة مماليكهم عليهم، ومقتل السلطان تَوْران شاه على أيديهم، وإسقاط الدولة الأيوبية، ولم تكن سِيَر كثير من الإقطاعيين الكرد إلا نماذج مصغَّرة من سِيَر ملوك الكرد المنسلخين عن جماهيرهم.
بحث عن الأسباب
إن هذه السلبيات في الذهنية السياسية الكردية، وغيرها مما لم يتّسع المجال لذكره، لا تعود إلى قصور ذاتي في الشخصية الكردية، وهي ليست قدراً أبدياً لا يمكن الخلاص منه، إن المسألة مسألة وعي في الدرجة الأولى، إن وعياً متقدّماً كفيل بإنتاج ذهنية سياسية متقدمة. وترجع سلبيات الذهنية الكردية- فيما نرى- إلى عاملين رئيسين:
– العامل الأول: هو افتقار الكرد منذ خمسة وعشرين قرناً إلى تكوين سياسي وطني/قومي، وبالطبع كان نخب الفرس أول من دشّن ذلك، ثم توالت القوى الإقليمية في غربي آسيا على الأخذ بذلك النهج، وزُجّ بالكرد جيلاً بعد جيل في المزيد من التهميش، وظلوا بلا تكوين سياسي (دولة/مملكة) تكون حاضنة لولادة ثقافة سياسية ناضجة، وتصبح ميداناً لاكتساب خبرات سياسية متطورة، عبر ممارسة السياسة داخلياً، والاندماج في الحياة السياسية إقليمياً ودولياً، وتهيّئ المناخ لإنتاج فكر سياسي واقعي ومتقدم، فكر غير منغلق، فكر منفتح على الآخرين سياسياً، فكر قادر على الانتقال من حالة الانفعال إلى حالة الفعل المؤثر، وقد أشار جوناثان راندل ضمناً إلى هذا الأمر بقوله: ” ليس لدى الأكراد التراكم الحضاري الذي تزخر به الثقافتان الفارسية والتركية، أو ما راكمتاه من معرفة إدارية، لتعزيز وعيهم لهويتهم التاريخية “. (جوناثان راندل: أمة في شقاق، ص 32 – 33).
– العامل الثاني: هو سيطرة ثالوث (الجبل- الرَّعَوية- القَبَلية) بشكل حادّ على المجتمع الكردي، حتى منتصف القرن العشرين، وقد يقال: ذكرت (الرعوية)، ولكن أين (الريفية)؟ والحقيقة أن الريف الكردي لم يستطع أن يصبح منصّة للانتقال بالمجتمع الكردي إلى حالة (التمدّن)، لأنه كان غارقاً حتى أذنيه في الثقافة الرعوية القبلية، ولا أظن أنه تعافى من تلك الثقافة حتى يومنا هذا. أما (الجبل) فصحيح أنه كان القلعة التي حمت الكرد من الإفناء جسدياً وقيمياً، لكنه عندما تفاعل مع (الرعوية) و(القبلية) أصبح أحد عناصر الإضرار. وقد تنبّه بعض كبار الكردولوجيين إلى الأضرار التي ألحقتها الثقافة الرعوية القبلية بالمجتمع الكردي، ومنهم نيكيتين، فقد وجد في البنيان العشائري العائقَ الأكبر أمام التطور الطبيعي للكرد؛ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً. (نيكيتين: الكرد، ص34). ومنهم مينورسكي، فقد قال بشأن الكرد:
” أما السبب العام لفقدان الوحدة بينهم وتفرقهم، فهو الوضع الجغرافي، حيث الوديان الكثيرة وسلاسل الجبال الوعرة، ومجاري المياه القوية، أدّت إلى تقسيم الحياة السياسية والحالة الإقطاعية. ولكن بالرغم من هذا إن الشعور بالحرية والاستقلال قوي جداً عندهم، وهو من مقوّمات الوجود الكردي، وينعكس في تاريخ الحركة الكردية أيضاً “. (مينورسكي: الأكراد، ص 31).
المراجع
1. إريك لوران Eric Laurent: حرب آل بوش، ترجمة سلمان حرفوش، دار الخيّال، للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م.
2. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001م.
3. جاك شوفالييه: تاريخ الفكر السياسي، ترجمة الدكتور محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1985م.
4. جوناثان راندل: أمة في شقاق، ترجمة فادي حمّود، دار النهار، بيروت، 1997م.
5. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ترجمة عامر سليمان، جامعة الموصل، 1986م.
6. جيوفري روبرتس وألستر إدواردس Geoffre Roberts and Alistair Edwards:القاموس الحديث للتحليل السياسي، ترجمة سمير عبد الرحيم الجلبي، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1999م.
7. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
8. زبغنيو بريجنسكي: رقعة الشطرنج الكبرى، ترجمة أمل الشرقي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، الطبعة الأولى، 1999م.
9. سامي سعيد الأسعد، ورضا جواد الهاشمي: تاريخ الشرق الأدنى القديم، إيران والأناضول، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، 1971م.
10. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرُّقِي، بيروت، 1986م.
11. صمويل نوح كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الأستاذ طه باقر، مكتبة المُثَنّى، بغداد، ومؤسسة الخانجي، القاهرة، 1970م.
12. دكتور عامر سليمان، أحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد، 1978م.
13. غاستون بوتول: فن السياسة: جمع وتلخيص وتعريب أحمد عبد الكريم، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م.
14. غي هيرميه وآخران: قاموس علم السياسة و المؤسسات السياسية، ترجمة هيثم اللّمع،
المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2005م.
15. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1990م.
16. محمد حسنَين هَيكل: سنوات الغليان، مركز اٍلأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1988م.
17. موريس دوڤرجيه: مدخل إلى علم السياسة، ترجمة الدكتور جمال الأتاسي والدكتور سامي الدروبي، دار دمشق، دمشق، 1970م.
18. مينورسكي: الأكراد، ترجمة معروف خَزْنَه دار، بغداد، 1968م.
19. نورتون فريش، رتيشارد ستيفنز: الفكر السياسي الأمريكي، ترجمة هشام عبد الله، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م.
20. نيقولا مكياڤللي: الأمير، ترجمة خيري حمّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981م.
21. هيرفريد مونكلر: الإمبراطوريات، ترجمة عدنان عبّاس علي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2008م.
22. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله المَلاّح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 2 – 6 – 2010