الرئيسية » دراسات » دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة الثانية عشرة )

دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة الثانية عشرة )




متى يكون المرء نبيلاً؟
تناولنا من قيم الفروسية- فيما مضى- الشجاعةَ والبسالة، واتضح لنا، بالشهادات المحايدة، وبالأدلة التاريخية الموثَّقة، أن الشجاعة خَصلة أصيلة في الشخصية الكردية. ونتناول في هذه الصفحات قيمة خَصلة النبل، فماذا عنها في الشخصية الكردية؟ وما موقعها في ثقافة الكرد وسلوكهم؟
وأذكر في هذا الصدد أني كنت مقبلاً في شبابي على مطالعة سِيَر المشاهير، ومن بينهم الفيلسوف اليوناني سقراط، وأكثر ما شد انتباهي في سيرة هذا الرجل هو حادثة وفاته، فالمعروف أنه كان يدعو إلى التغيير الفكري والأخلاقي في المجتمع الأثيني، وفي سنة ( 399 ق.م) اتُّهم بالإساءة إلى الآلهة وإفساد الشباب، وحكمت عليه المحكمة بالموت، وحينما كان في السجن، انتظاراً لموعد تنفيذ الحكم، عرض عليه طلبته خطة لتهريبه من السجن، وإيصاله إلى خارج حدود دولة أثينا، فرفض سقراط ذلك، وتجرّع الشراب المسموم حسب قرار المحكمة، واستقبل الموت بشجاعة.
وكنت أتساءل: لماذا رفض سقراط الهرب؟ ولماذا أقبل على الموت، مع يقينه بأنه مظلوم؟ كانت الحجّة التي تمسّك بها هي أنه لن يسيء إلى سمعة شعبه، ولن يخرق القوانين التي اتفق عليها شعبه. وما كنت قادراً حينذاك على فهم هذه الحجّة؛ ومن أين لي حينذاك أن أفهم موقف سقراط، وهو في مداراته العظمى؛ في حين كنت ما زلت أتخبّط في المدارات الدنيا؟ وكيف كان لي أن أستوعب موقفه النبيل؛ في حين كانت قيم الانحدار تتلقّفني، وتأخذ عليّ السُّبل والمعارج؟
أجل، أن تكون في المدارات العظمى يعني أن تكون ابن الإنسانية البارّ، ابن المُثُل العليا والمبادئ السامية، راعي القوانين الكلية وممثَّلها المخلص، تدافع عنها، وتحرص على ديمومتها، وترفض الإخلال بها من قريب أو بعيد. وأن تكون في المدارات العظمى يعني أن تجسّد الشهامة في شخصك فكراً وقولاً وعملاً، وتكون على استعداد لأن تبذل في سبيلها مالك ووقتك ونفسك.
وهل يمكنك أن تكون هكذا ما لم تكن نبيلاً؟ وهل يمكنك أن تكون نبيلاً ما لم تشرب من نبع المروءة، وتتحرر من طغيان الأنانية؟ وهل يمكنك أن تكون نبيلاً ما لم تتغلّب على جاذبيات العصبيات العائلية والقبلية والطائفية، وتتوحّد بأمتك قلباً وقالباً؟ وهل تكون نبيلاً ما لم تتخذ أمتك نافذة تنفتح من خلالها على الأمم جميعاً؟ وهل تكون نبيلاً ما لم تحرص الحرص كله على ألاّ تَظلِم ولا تُظلَم، ولا تَستعبِد ولا تُستعبَد؟
النبل في الوعي الجمعي الكردي
والحقيقة أن لخصلة النبل في الشخصية الكردية موقعاً رفيعاً، وبما أننا قررنا في تفسير الأمور ألا نوقف التاريخ على رأسه، ولا نضع العربة أمام الحصان، فلن نزعم أن الكرد هم (شعب الله المختار)، وأن صكوكاً هبطت عليهم من السماء، فاستحقوا بموجبها أن يكونوا (الشعب الأنبل)؛ إن هذه المزاعم وأشباهها اختُرعت في أزمنة طفولة الوعي البشري، وكان الغرض منها تحشيد شعب ما لغرض معيّن، وتكريس المشاريع التوسعية، وتبرير الغزوات الاحتلالية. إن المنهج القويم لفهم تاريخ البشرية هو معرفة العوامل، وعلى ضوء هذا المنهج نرى أن خصلة النبل في الشخصية الكردية تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة:
أولاً – البيئة الجبلية:
فقد مر سابقاً أن الجبل مفتاح الشخصية الكردية، وأنه جغرافيا القسوة والصلابة والعزلة والاكتفاء، وأنه حصن منيع لمن يلوذ به ويتلاءم معه، ومر أيضاً أن هذه الخصائص- بتفاعلها معاً- تُنمّي في شخصية الجبلي قيم الشجاعة والإقدام، وتفرض عليه أن يكون قويّ الجسم، شديد البأس، صلب العزيمة، أبيّ النفس، عاشقاً للحرية، رافضاً لآليات الاستبداد، ثائراً على مشاريع الاستعباد؛ وهذا يعني أن جغرافيا الجبل تساهم بقوة في إنتاج الإنسان (الحر)، لا الإنسان (العبد)؛ ومتى كانت المنظومة الأخلاقية للإنسان الحر تخلو من خصلة النبل؟ ومتى كان الحر يرتضي لنفسه الأنانية منهجاً، والنذالة موقفاً، والخَساسة مسلكاً؟
ثانياً – أخلاقيات المشاعية:
إن طور المشاعية، في العصور الحجرية، كان يتطلّب خصلة النبل لتستقيم حياة الجماعات، إنه كان طوراً تقوم فيه حياة الجماعات على التكامل والتضامن، ووفق مبدأ (الواحد للكل والكل للواحد). وفي مجتمعات ذلك الطور لم يكن ثمة مكان للأناني والجَشِع، ولا للنذل والخسيس، وحتى إذا وُجد أمثال هؤلاء فإن مكانهم الطبيعي كان هو الهامش، وما كانت شروط الحياة تسمح لهم بالعبور إلى مواقع السيادة والقيادة في المجتمع، وكانوا من ثَمّ عاجزين عن الارتقاء إلى مصافّ النُّخبة، وغير مؤهَّلين لتجسيد المُثُل العليا، ولإنتاج القيم السامية الملائمة لتلك المُثل. بلى، إن مقولة ” كما تكونوا يُوَلَّ عليكم ” صحيحة جداً بالمعايير التاريخية لمسيرة المجتمعات، ومن الضروري أخذها في الحسبان عند تقييم وتقويم أيّ مجتمع كان.
ولا يخفى أن أهم مطلبين شغلا البشرية منذ القديم، وسيظلان يشغلانها، اثنان: مطلب المعدة (الغذاء)، ومطلب الكرامة (الحرية). وكان طور المشاعية هو العصر الذهبي من حيث توافر هذين المطلبين. لكن مع تكاثر البشر، وظهور فائض الإنتاج، انمحق ذلك العصر الذهبي، وتهدّمت منظوماته الأخلاقية تحت سنابك خيول صنّاع الإمبراطوريات قديماً، وتحت دبابات المستعمرين والمحتلين في العصر الحديث، وما كلُّ طموح إلى الديمقراطية في جوهره إلا محاولة لاسترداد بعض مزايا العصر الذهبي، وفي إطار هذه الحقائق نصبح أقدر على فهم قصائد (الرَّعَويات) للشاعر الروماني ڤيرجيل Virgil (70 ق.م – 19 م)؛ مشيداً فيها بحياة الرعي والريف، ونفهم أيضاً النزعة الرومانسية في الأدب العالمي الحديث.
ومن حسن حظ الكرد- ومن سوء حظهم أيضاً- أنهم من الشعوب التي ظلت على تماس مع منظومة أخلاقيات المشاعية؛ وذلك لأسباب ثلاثة:
1- إن البيئة الجبلية فرضت على الكرد نمط المجتمع الرعوي، بكل ما يعنيه هذا النمط من ذهنية ومزاج وعلاقات، ومن مُثُل عليا، ومن مبادئ وقيم، وفي مقدمتها قيم الفروسية (الشجاعة، الإقدام، النبل، إلخ) .
2 – إن موقع كردستان الجيوسياسي، ومرور (طريق الحرير) التجاري العالمي من خلالها، ووفرة المعادن والأخشاب والخيول والمواشي فيها، جعل الكرد عُرضة للغزاة العابرين من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، وجعل الكرد من ثَمّ أكثر ارتباطاً بجبالهم، وأكثر التزاماً بمجتمعهم القبلي، وبمنظومتهم الأخلاقية، ليتمكّنوا من التصدي للغزاة.
3 – إن دولة ميديا كانت التجلّي الأعظم والأبهى للحضور الكردي في تاريخ البشرية، وكان من الممكن- لو استمرت قائمة قرنين آخرين- أن يكون الكرد اليوم من أصحاب الشهرة العريقة؛ كالفرس واليونان والرومان والعرب. غير أن قيام الفرس بتفكيك دولة ميديا عام (550 ق.م)، والاستيلاء على منجزاتها الحضارية، وقيام الملك الفارسي قَمْبَيز Cambyses بوضع وصيته سنة (522 ق.م)، لقطع الطريق على إحياء دولة ميديا؛ كل ذلك أدّى إلى تهميش الكرد، وإخراجهم من حركة الحضارة، فانزووا في جبالهم، محتفظين برعويّتهم، وبمنظومتهم الأخلاقية المتماسة مع قيم عصر المشاعية.
ثالثاً – الجذور الميثولوجية:
إن ميثولوجيا الشعوب هي خلاصة رؤيتهم إلى الوجود والكون عامة، وكما أنجز الملك كَيْ أَخْسار (كَيْخَسْرَو حسبما أفاد الدكتور مَهدي كاكايي مشكوراً) التجلّي السياسي الأبهى للكرد في صيغة (دولة ميديا)، أنجز النبي زَرْدَشْت- عليه السلام- التجلّي الثقافي الأبهى للكرد في صيغة (الزردشتية)، معتمداً على الموروث الأزدائي الآرياني العريق، ومعلوم أن كل ديانة هي منظومة متكاملة من الرموز المقدسة (آلهة، أرباب، قدّيسين)، ومن المُثُل العليا والمبادئ والقيم والضوابط والموجّهات، وتتغلغل تلك المنظومة- بنسب متفاوتة- في جميع مناحي الحياة الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكذلك كان شأن الزردشتية، لكن المثير أنها تركّز كثيراً على خصلة النبل في المجال الإلهي والبشري، وفيما يلي بعض الأدلة.
• وُصف الإله الأكبر أهُورامَزْدا في الأڤستا بأنه ” سيّد الطقوس، النبيل الشامخ “. (أڤستا، ياسنا، هايتي 22، آية 4، ص 101).
• وُصف ميثرا (إله العقود) في الأڤستا بالنبل أيضاً، فقد جاء في دعاء: ” أُعلن هذه الياسنا من أجل كل من أهورا الخالد وميثرا النبيل “. (أڤستا، ياسنا، هايتي 1، آية 11، ص 45).
• جاء في زند أڤستا: ” كن نبيلاً “. (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 835).
• جاء في زند أڤستا: ” سأل الحكيم روح العقل: ما هي السبل والمآثر التي يبلغ بها البشر الجَنّة ؟ أجاب روح العقل: أولُ عملِ خير النبلُ. ثانياً الاستقامةُ. ثالثاً عرفانُ الجميل. رابعاً القناعةُ. خامساً إدراكُ ضرورة فعل الخير للناس الطيبين، وأن تكون صديقاً لكل شخص “. (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينو خراد، ص 856).
• جاء في زند أڤستا: ” سأل الحكيم روح العقل: ما الأفضلُ؛ النبالةُ أم الحقيقة؟ … أجاب روح العقل: للروح الأفضلُ هي النبالة، ولكامل العالم الحقيقةُ…”. (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 840).
• جاء في زند أڤستا: ” الشهامة والنبل هو الأفضل لتنفيذ الأعمال “. (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 835).
• جاء في زند أڤستا: ” مع الأعداء كن نبيلاً رقيقاً وحسن النية “. (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 843).
وأحسب أن هذا التركيز على النبل كان من الأسباب التي جذبت الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إلى شخصية النبي زردشت- عليه السلام- فصاغ على لسانه أفكاره بشأن الإنسان الحر (السوبرمان). وأحسب أيضاً أن هذه القيم الزردشتية، وقد نبتت في جبال ميديا، وفي أحضان المجتمع الميدي، إنما كانت تجسّد عشق (الوعي الجمعي) الميدي لفضيلة النبل، وظلت تلك القيم راسخة في الشخصية الكردية إلى يومنا هذا، وإذا كانت مشاريع تفتيت الهوية الكردية، وحملات السلخ والمسخ، قد أفلحت في تجريد بعض الشرائح الكردية المهزومة من هذه الخصلة، فإن النخب الكردية الأصيلة ظلت مخلصة لقيمها العريقة، ومن بينها خصلة النبل، وثمة ما يؤكد أنها ما تزال حية في أعماق (الوعي الجمعي) الكردي، وتفصح عن نفسها بين حين وآخر.
شواهد من التاريخ
من العهد الأخميني:
يقول مثل كردي: (الشجرة تنتصب على أصلها) Dar li ser kokê xwe disikin e وكذلك هي قيمة النبل، إنها عريقة في تاريخ أسلاف الكرد، فمنذ حوالي (2500) سنة، وتحديداً في سنة (490 ق.م)، جرت واحدة من المعارك الحاسمة بين آسيا بقيادة الفرس، وأوربا بقيادة الإغريق، وجرت المعركة في سهل (ماراثون) على مسافة (40) كم من أثينا، وكان قائد الجيش الفارسي في تلك المعركة واحداً من كبار العسكريين الميد، واسمه (داتيس الميدي)، وبينما كان يحتل الجزر اليونانية، تمهيداً للتقدم نحو أثينا، فرّ سكان جزيرة ديلوس Delos، وكان فيها معبد الإله الإغريقي الأكبر أپوللو، فأرسل داتيس إليهم رسالة يعبّر فيها عن احترامه لمقدساتهم، يقول فيها:
” أيها السادة المبجّلون، لماذا تهربون؟ ما هذا الرأي الغريب الذي تَحملون، والذي يدفعكم إلى التواري؟ من المؤكد أنني أمتلك من الحَصافة- دونما حاجة إلى أوامر الملك [دارا الأول]- ما يكفي لأن أستثني الجزيرة التي ولد فيها أپوللو وأَرْتِميس [من كبار آلهة اليونان]، وألاّ أقوم بأيّ عمل فيه ضررٌ لهما ولشعبهما؛ ولهـذا فإنني أرجوكم أن تعودوا إلى بيوتكم وجزيرتكم “. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 467).
وبعد أن خسر الجيش الفارسي المعركة في ماراثون، لم يقم داتيس الميدي بالانتقام والبطش بالسكان، وإنما ظل متعلقاً بقيمه النبيلة، معبّراً عن الاحترام لمقدّسات الإغريق، قال هيرودوت: ” في طريق عودته إلى آسيا على رأس جيشه توقّف داتيس في مِيكُونُوس، وفيما هو نائم رأى حُلماً لم يتمّ التعرف على فحواه، فأصدر أوامره منذ الفجر الباكر بتفتيش جميع السفن، فعثر على تمثال أپوللو في إحدى السفن الفينيقية [كانت مشاركة في الحملة]، وقد وُضعت فوقه القطع الذهبية لإخفائه، فاستعلم عن المكان الذي سُرق منه، والمعبد الذي كان فيه، فأخذه وأبحر على متن سفينة إلى ديلوس، وأعاده إلى المعبد هناك “. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 476).
من العهد الإسلامي:
في سنة ( 583 هـ / 1187 م)، جسّد زعيم كردي آخر النبالة في سلوكه القيادي، إنه السلطان صلاح الدين الأيوبي، فقد تولّى السلطنة في مصر وسوريا سنة (570 هـ)، وأسّس الدولة الأيوبية. ومع سنة (581 هـ) كانت دولته تمتد من أربيل شرقاً إلى ليبيا غرباً، ومن خلاِط شمالاً إلى اليمن جنوباً، وكان من الطبيعي أن يقع على كاهله عبء الدفاع عن غربي آسيا، ومجابهة القوات الأوربية (الفرنجية) التي كانت تحتل فلسطين والأردن والقسم الأكبر من الساحل السوري، وتهدّد مصر. (أبو شامة: عيون الروضتين، 2/83. وابن الأثير: الكامل في التاريخ، 11/482 – 486، 493).
وفي سنة (583 هـ / 1187 م) توحّدت القوت الفرنجية جميعها ضد صلاح الدين، فانتصر عليها في معركة حِطّين بفلسطين، وتكلّلت جهوده بفتح مدينة القدس في السنة نفسها، وأصبح سيّد غربي آسيا بلا منازع، وإليكم بعض المواقف النبيلة التي خلّدها هذا السلطان، وشهد له بها الأصدقاء، وأشاد بها الأعداء. ولنبدأ بالقاضي بهاء الدين ابن شَدّاد، إنه كان يرافق صلاح الدين في حروبه، وألّف كتابه (النوادر السلطانية) بعد وفاته سنة (589 هـ / 1193 م)، وها هو يصف أحد مواقفه قائلاً:
” كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدوّ [الفرنج]، فيسرقون منهم الرجال، وكان من قصتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلاً رضيعاً له ثلاثة أشهر، … ولمّا فقدته أمّه باتت مستغيثةً بالويل والثَّبور طول الليل، حتى وصل خبرُها إلى ملوكهم[الفرنج]، فقالوا: إنه [صلاح الدين] رحيم القلب، وقد أذِنّا لكِ بالخروج، فاخرجي واطلبيه منه، فإنه يرده عليك.
فخرجت تستغيث إلى اليَزَك [الحرس]، فأخبرتهم بواقعتها، بترجمان كان يترجم عنها، فأطلقوها وأَنْفَذوها [أرسلوها] إلى السلطان، فلقِيَتْه وهو راكب على تلّ الخَرّوبة، وأنا في خدمته [معيّته]، وفي خدمته خلق عظيم، فبكت بكاءً شديداً ومرّغت وجهها في التراب. فسأل عن قصتها فأخبروه، فرقّ لها، ودمعت عينه، وأمر بإحضار الرضيع، فوجدوه قد بيع في السوق، فارتدّه [أرجعه]، وأمر بدفع ثمنه إلى المشتري، وأَخْذِه منه، ولم يزل واقفاً حتى أُحضر الطفل، وسُلّم إليها، فأخذته وبكت بكاءً شديداً، وضمّته إلى صدرها، والناس ينظرون إليها ويبكون، وأنا واقف في جملتهم، فأرضعته ساعة، ثم أمر بها فحُملت على فرس، وأُلحِقَت بعسكرهم مع طفلها “.(ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 158 – 159).
وعلّق ابن شدّاد على هذا الموقف قائلاً:
” فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة لجنس البشر، اللهم إنك خلقتَه رحيماً، فارحمه رحمة واسعة من عندك، يا ذا الجلال والإكرام، وانظر إلى شهادة الأعداء له بالرأفة والكرم “. (ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 159).
وقال ابن شدّاد يصف موقفاً آخر من مواقف نبل ومروءة صلاح الدين:
” فإنه وصل في أثنائه خمسة وأربعون نفراً من الإفرنج كانوا قد أُخذوا في بيروت، وسُيِّروا إلى السلطان، ووصلوا في ذلك اليوم إلى ذلك المكان. ولقد شاهدتُ منه رقّةَ قلبٍ لم يُرَ أعظم منها؛ وذلك أنه كان فيهم شيخٌ كبير طاعن في السنّ، لم يَبق في فمه ضرس، ولم تَبق له قوة إلا مقدارَ تَحرُّكٍ لا غير. فقال للترجمان: قل له ما الذي حملك على المجيء وأنت في هذا السنّ؟ وكم من ههنا إلى بلادك؟ فقال: بلادي بيني وبينها عدة أشهر. وأما مجيئي فإنما كان للحج إلى القيامة [كنيسة القيامة]، فرقّ له السلطان، ومنّ عليه، وأطلقه وأعاده راكباً على فرس إلى عسكر العدو “.(ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 156).
وقال ابن شدّاد يصف نفور صلاح الدين من سفك الدماء: ” ولقد طلب أولادُه الصغار أن يأذن لهم في قتل أسير، فلم يفعل، فسألته عن سبب المنع، وكنت حاجبَهم [ناقل الطلب] بما طلبوه، فقال: لئلا يعتادوا من الصغر على سفك الدماء، ويهون عليهم ذلك “. (ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 156). وأكّد صلاح الدين نهجه هذا في وصيته لابنه الملك الظاهر قائلاً له: ” وأحذّرك من الدماء، والدخولِ فيها والتقلّدِ بها، فإن الدم لا ينام “.(ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 238).
وظهر نبل صلاح الدين بجلاء في موقفه من الفرنج حينما استردّ القدس، وكان قد أَخرج منها نحو ستين ألفاً من الفرنج؛ لأنهم كانوا من المستوطنين الذين جُلبوا من أوربا للإقامة في القدس؛ وتلك هي عادة الغزاة والمحتلين في كل عصر، وكانت الاتفاق بين صلاح الدين وقادة الفرنج أن يعود هؤلاء المستوطنون من حيث أتوا، وكان عدد الأسرى نحو ستة عشر ألفاً؛ ما بين رجل وامرأة وصبي. (المقريزي: كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك،الجزء 1، القسم 1، ص 122). فكيف تعامل مع هؤلاء جميعاً؟ وقبل ذلك تُرى ماذا فعل الفرنج بسكان القدس، حينما احتلوها سنة (492 هـ/1099 م)؟
لندع المؤرخ ستيڤن رنسيمان يروِ لنا الحدث، قال:
” إن الصليبيين، وقد زاد في جنونهم ما أحرزوه من نصر كبير بعد شقاء وعناء شديد، انطلقوا في شوارع المدينة، وإلى الدور والمساجد، يقتلون كلَّ من يصادفهم من الرجال والنساء والأطفال دون تمييز، استمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم، وطوال الليل، ولم يكن عَلَم تانْكِرد [قائد فرنجي] عاصماً للاجئين إلى المسجد الأقصى من القتل، ففي الصباح الباكر من اليوم التالي اقتحم باب المسجد ثُلَّةٌ [جماعة] من الصليبيين، فأجهزت على جميع اللاجئين، وحين توجّه ريموند آجيل [قائد فرنجي] في الضحى لزيارة ساحة المعبد، أخذ يتلمّس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت الرُّكب “. (ستيڤن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، 2/1/426).
والآن، كيف كان موقف صلاح الدين من المستوطنين والأسرى الفرنج؟
لقد أشاد المستشرق الفرنسي البير شاندور بنبل صلاح الدين ومروءته في معاملة الفرنج، فقال تحت عنوان (أَريحيّة صلاح الدين ونبله): ” وأظهر في مناسبات عدّة أَريحيّته نحو أبأس المسيحيين، ومحاولاً تجنيبهم قسوة وضعهم الجديد؛ فأمر بإبقاء المرضى في المستشفيات التي كان يعالجهم فيها الأَسْبِتاريون [فرسان القديس يوحنّا]، وتخلّى عن كنيسة القبر المقدس للروم السريان، وأُعفيَ بناءً على أمره وأمر أخيه الملك العادل ألفٌ وخمسمئة أسير من الفرنجة الفقراء من دفع الفدية “. (البير شاندور: صلاح الدين الأيوبي، ص 234).
ووصف ستيڤن رنسيمان نبل صلاح الدين مع نساء الفرنج، فقال:
” ثم أعلن صلاح الدين أنه سيطلق سراح كل شيخ، وكل امرأة عجوز. ولمّا أقبلت نساء الفرنج اللائي افتدين أنفسهن، وقد امتلأت عيونهن بالدموع، فسألن صلاح الدين أين يكون مصيرهن، بعد أن لقي أزواجهن أو آباؤهن مصرعهم، أو وقعوا في الأسر؟ أجاب بأن وعد بإطلاق سراح كل من في الأسر من أزواجهن، وبذل للأرامل واليتامى من خزانته [ماله] العطايا كلٌّ بحسب حاله. والواقع أن رحمته وعطفه كان على نقيض أفعال الغزاة المسيحيين في الحملة الصليبية الأولى “. (ستيڤن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، 2/753، وانظر البير شاندور: صلاح الدين الأيوبي، ص 234).
وذكر البير شاندور أنه لمّا أَخرج صلاح الدين المستوطنين الفرنجَ من القدس، وأطلق سراح قسم من الأسرى، توجّه هؤلاء شمالاً نحو بني جِلْدتهم في طرابلس وأنطاكيا، فاستقبلهم هؤلاء بفتور، بل كانوا في بعض الحالات يقتلونهم، ويجرّدونهم مما معهم من أموال ومتاع، ويمنعونهم من دخول مدنهم، ” وعاد أولئك البؤساء أدراجهم نحو الجنوب، بعد أن طُردوا من كونتية طرابلس وإمارة أنطاكيا، فأمر صلاح الدين بأن تُوزَّع عليهم الخيام، وأن يُطعَموا مجّاناً، حتّى يتمكّنوا من الإبحار إلى الغرب، وأمر بنقل عدد كبير منهم إلى الإسكندرية، للتعجيل بترحيلهم “. (البير شاندور: صلاح الدين الأيوبي، ص 235).
وبعد تحرير القدس من الفرنج، ثارت ثائرة الباباوية، واستنفرت أوربا لاسترداد القدس، وشارك ثلاثة من قادة كبرى دول أوربا في الحملة الصليبية الثالثة سنة (1190 م)؛ الأول هو فريدريك باربَروسا إمبراطور الجرمان (الألمان)، وريتشارد (ريكاردوس) قلب الأسد ملك إنكلترا، وفيليب أُوغست ملك فرنسا. ووصلت الحملة إلى شرقي المتوسط سنة (1191 م)، وأمضى صلاح الدين ثلاثة أعوام مقارعاً القوات الفرنجية، يخرج من معركة ليخوض معركة أخرى، وصحيح أنه خسر بعض المعارك، لكنه ألحق الفشل بالهدف الأكبر الذي شُنّت الحملة من أجلها، وهو استرداد القدس.
ولعل من المفيد الأخذ في الحسبان أن المقاتلين الفرنج كانوا معروفين بالشجاعة والبسالة وشدّة البأس، ولا ننس أن الحافز الديني كان من وراء الحملة، وكان الشعور الدين حافزاً للاستبسال والإقدام على الموت، وكان الملك ريتشارد فارساً طويل القامة، ضخم الجثة، قويّ البنية، صعب المراس، بارعاً في فنون الحرب، وصفه ابن شدّاد قائلاً: “هذا ملكُ الأَنْكَتار [الإنكليز] شديدُ البأس بينهم، عظيمُ الشجاعة، قويُّ الهمّة، له وَقَعاتٌ عظيمة، وله جَسارةٌ على الحرب “. (ابن شدّاد: النوادر السلطانية، ص 157).
ومع كل ما ألحقه ريتشارد من خسائر بجيش صلاح الدين، كان صلاح الدين معجباً بفروسية خصمه، وكان يتصرف معه بنبل وشهامة، وهذا يؤكد قول الباحث الأرمني أرشاك سافراستيان: ” فالكرد يتأثّرون بعمق بأية شجاعة فردية وبأية مأثرة حربية “. (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 178). وتعالوا نرَ موقفاً يندر أن يوجد مثله في تاريخ سلاطين وملوك غربي آسيا؛ وهو موقف صلاح الدين من خصمه ريتشارد، قال ستيڤن رنسيمان، يتحدث عن معركة جرت في فلسطين سنة (1192 م):
” وحمل الفرسان المسلمون في سبع موجات، تألّفت كلُّ موجة من ألف فارس، غير أنهم لم يستطيعوا أن يخترقوا السور الفولاذي [صفوف الفرنج]، استمرت هذه الهجمات إلى ما بعد الظهر، ولما تبيّن لرتشارد أن الإرهاق والتعب حلّ فيما يبدو بخيول المسلمين، نقل رُماته إلى الصف الأمامي، وأطلق كلَّ سهامه على الجيش الإسلامي الزاحف عليهم، فأوقف إرسالُ السهام تقدّمَ العدوّ، ثم رجع الرماة إلى مواقفهم وراء الرمّاحة الذين حملوا حَملة صادقة، وعلى رأسهم ريتشارد على متن جواده. واشتد إعجاب صلاح الدين بهذا المنظر، فلمّا هوى حصان ريتشارد من تحته، دفعته المروءة إلى أن يبعث من قِبله سائساً يقود جوادين في غمار المعركة، هديةً للملك الباسل “. (ستيڤن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، 3/138).
وهل مرّ في سِيَر سلاطين وملوك غربي آسيا أن أحداً منهم عرف أن خصمه مريض، فأرسل له هدية من الفواكه النادرة والثلج؟ هذا ما فعله صلاح الدين مع خصمه العنيد والخطير ريتشارد، وذلك في صيف سنة (1192 م)، قال ستيڤن رنسيمان: ” لزم ريتشارد خيمته وقد اشتد به المرض، نتيجة لإصابته بالحمّى، … وأرسل إلى الملك المحموم الخوخ والكُمَّْثرى، فضلاً عن الثلج من جبال حَرَمون، لتبريد أشربته “. (ستيڤن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، 3/193).
وبعدُ، هل يبقى عجب في أن يذكر مؤرخو أوربا-أحفاد الفرنج- صلاحَ الدين بتقدير واحترام؟ وهل كانوا يفعلون ذلك لولا تأثّرهم بشخصيته النبيلة وخصاله الحميدة؟ وها هو ذا المستشرق الفرنسي سيديّو L.A. Sedillot يلخّص تلك الخصال بقوله: ” فصلاح الدين جمّاعٌ لأجمل الصفات، فهو شجاعٌ عند كل ابتلاء، عظيمُ النفس، صادقٌ في عهوده صدقاً منقطع النظير، خالصُ التقوى، مُشبَعٌ من روح العدل، معتدلٌ وقتَ النصر “. (سيديّو: تاريخ العرب العام، ص 227).
من العصر الحديث:
في العصر الحديث ظلت خصلة النبل راسخة في منظومة الكرد الأخلاقية، وجسّدتها النخب الكردية في مواقف كثيرة، أكتفي بذكر ثلاثة منها:
الموقف الأول أقتبسه من أحداث الحرب يين الدولة العثمانية والروس عام (1908 م)، فحينذاك كان العالم الكردي ملا سعيد نُورْسي (بديع الزمان) آمراً لفوج، في فرقة عسكرية بقيادة الجنرال نوري ويسي بولاية مُوش، وقد أمر الجنرال بجمع الأرمن في تلك المنطقة- رجالاً ونساء وأطفالاً- وقتلهم، فجمع الملا سعيد (1500) ألفاً وخمسمئة من الأرمن، ووضعهم في أحد الوديان على خطوط التماس مع الروس، وقدم لهم الأكل والماء حتى المساء، وأرسل أحدهم إلى الجيش الروسي سراً، ليسمح الروس لهم بالعبور إلى جانبهم، وقال للأرمني: سوف أطلق سراحكم، وأساعدكم على العبور، وكي لا يقتلك الحرس الروسي قل لهم: أنا أرمني. ووصل الأرمني إلى قائد اللواء الروسي، وأخبره برغبة الملا سعيد، فتعجب القائد الروسي، وسأله عن هوية هذا الرجل، فأخبره بأنه رجل دين كردي، فهز القائد الروسي رأسه وقال: إن الكرد رجال شجعان، ولا يقتلون الأسرى، ويعاملونهم معاملة إنسانية. ثم عاد الأرمني، واصطحب معه جميع الأسرى الأرمن. وكتب ملا سعيد في مذكراته قائلاً: لم أستطع النوم تلك الليلة حتى الصباح، خوفاً من أن يعدمهم الأتراك في اليوم التالي إن بقوا عندنا. (حسن هشيار: مذكرات مقاتل، حلقة 3).
والموقف الثاني أقتبسه من سيرة ضابط كردي آخر في الجيش التركي، هو قدري جميل پاشا (زِنار سُلوپي)، قال يصف أحداث الحرب بين الجيش التركي والثوار اليونان في مناطق البحر الأسود، خلال الربع الأول من القرن العشرين:
” وقد أجبَرَنا آمرُ العمليات العامة شكري بك بتمشيط كل القرى اليونانية الواقعة على طريقنا، وجَمْعِ الأطفال ما دون سن 15 ـ 16 سنة. وعلى إثر ذلك جُمع ما يقارب (20) عشرون طفلاً يونانياً في سهل قريب من آيتَپَه، واقتادوهم إلى زريبة. وبعد ذلك أمرني أن أُطلق عليهم النار. وكنت أعلم أن مخالفة الأوامر العسكرية في الحرب يُعاقَب عليها بدون رحمة. لكن الإباء الكردي الذي يمجّد الشرف الإنساني، ويضعه فوق كل الاعتبارات، منعني من تنفيذ هذه الجريمة النكراء. لذلك أعلنتُ رفضي للقيام بهذه المهمّة، وقلت: إنني جاهز ومستعد للقتال ضد القوات اليونانية، لكني لن أقتل الأطفال. ولم يستطع شكري بك بتهديداته ولا بوعيده وتكراره للأمر تغيير رأيي. آنئذٍ كلّف شخصاً آخر بتنفيذ هذه الجريمة البشعة، فأخرج الأطفال واحداً تلو الآخر من الزريبة، وقَتَلهم “. (زنار سلوبي: في سبيل كردستان، ص 49).
والموقف الثالث أقتبسه من الحرب بين الكرد والجيش الملكي العراقي، ففي سنة (1943 م) دارت معركة، في خَيرْزُوك بجنوبي كردستان، بين الثوار بقيادة ملا مصطفى بارزاني وفوج من الجيش العراقي الملكي، تكبّد فيها الفوج خسائر جسيمة، وأصيب ملا مصطفى بجراح طفيفة، وشاءت الصدف أن يقع الشرطي الذي أصاب ملا مصطفى بجراح أسيراً، فأولاه ملا مصطفى رعاية خاصة، ولم يسمح لأحد بالإساءة إليه، وفي اليوم التالي أعاده مع جميع الأسرى إلى ميرگه سُور، وأرسل معهم نبي حسن، وكان موضع ثقته التامة، لحمايتهم وإخلاء سبيلهم بسلام. (مسعود البارزاني: البارزاني والحركة التحررية الكردية، 1/88).
وعدا هذا فالقاصي والداني يعلم أن الكرد قاموا بالثورات طوال القرن العشرين، وتعرّضوا لأبشع أنواع البطش والتنكيل والإبادات، فهل نقلوا القتال إلى مدن الخصوم؟ هل فجّروا الأسواق وغيرها من المرافق؟ هل فجّر المقاتلون الكرد أنفسهم وسط المدنيين؟ هل حزّوا رقبة؟ هل دمّروا مسجداً أو كنيسة؟ ثم أيّ شعب هذا الذي يغضب فلا ينتقم ممّن أغضبه وآلمه، وإنما يُشعل بعض أبنائه وبناته النار في أجسادهم، غضباً واحتجاجاً؟ أما حدث ذلك حينما تآمرت أمريكا وإسرائيل واليونان للقبض على عبد الله أوجلان سنة (1999 م)، وسلّمته للدولة التركية؟ إن من قرر الإقدام على الموت ألا يستطيع الفتك بالعشرات قبل أن يُنهي حياته؟
إن من الخطأ الاعتقاد بأن تاريخ الشعوب هو مصالح وسياسات وحروب فقط، إن تاريخ الشعوب هو في جوهره ثقافات وقيم وأخلاقيات، وإن مستقبل البشرية المشرق مرهون بتعميم الأخلاقيات النبيلة، وأحسب أن أخلاقيات الكرد النبيلة نموذج طيّب في هذا المجال، وهي ظاهرة جديرة بالتحليل المعمَّق، وخاصة من قِبل المهتمين بدراسة شخصيات الشعوب، ولو درسوها لاتّضح لهم أنها متأصّلة في الثقافة الكردية منذ فجر الحضارة، وكانت النخب الكردية الأصيلة حاميتها عبر العصور.
أجل، إن الكردي قد يكون راعياً ساذَجاً، أو فلاّحاً بسيطاً، وقد يعمل عتّالاً، أو أجيراً، أو كنّاساً للشوارع، أو ماسح أحذية، ليكسب قوت عياله، ويحتفظ بالحد الأدنى من متطلّبات الحياة. لكنه مع ذلك يبقى نبيلاً في قرارة نفسه، مستلهماً ذلك من الرصيد الأخلاقي في تاريخه العريق، وهذا الرصيد هو الذي جعل أحد زعماء الكرد يقول سنة (1675 م) بثقة: ” أنا، وليس السلطان العثماني، إمبراطور هذه الأرض، إنه قد يكون أقوى مني، ولكني أنبل منه “. (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 88).
المراجع
1. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979م.
2. أَرْشاك سافْراسْتيان: الكرد وكردستان، ترجمة الدكتور أحمد محمود الخليل، مطبعة دار سَرْدَم للطباعة والنشر، سليمانية، كردستان، 2008م.
3. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007م.
4. ألبير شاندور: صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام، ترجمة سعيد أبو الحسن، دار طلاس، دمشق، 1988م.
5. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001 م.
6. زنار سلوبي: في سبيل كردستان (مذكرات): ترجمة ر. علي، رابطة كاوا للثقافة الكردية، بيروت، الطبعة الأولى، 1987م.
7. ستيڤن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد باز العريني، دار الثقافة، بيروت، 1981 م.
8. أبو شامة: عيون الرَّوْضتين في أخبار الدولتين النُّورية والصَّلاحية، تحقيق أحمد البَيْسومي، وزارة الثقافة، دمشق، 1991م.
9. ابن شدّاد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، تحقيق جمال الدين الشَيّال، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1964م.
10. ل. أ. سيديّو: تاريخ العرب العام، ترجمة عادل زُعَيْتِر، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1969م.
11. مسعود البارزاني: البارزاني والحركة التحررية الكردية، رابطة كاوا للثقافة الكردية، بيروت، الطبعة الثانية، 1997م.
12. المقريزي: كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، نشره محمد مصطفى زيادة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1971م.
13. هشيار حسن: مذكرات مقاتل، ترجمة خليل كالو، www.gemyakurda.net.
14. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله المَلاّح، المجمَّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م.
ــــــــــــــــــ 
في 15 – 4 – 2010