الرئيسية » مقالات » لمبادرة العربية..وقت تقاس ثوانيه بالدم

لمبادرة العربية..وقت تقاس ثوانيه بالدم

حكمة قديمة تلك التي تتحدث عن اننا نستطيع ان نستل الحكمة من جميع الافواه حتى من الذين رفع الله-والناس-عنهم القلم..وهذا ما يجعلنا لا نجد حرجا من ان نأخذها من فم المندوب الروسي في مجلس الامن والذي اشار بوضوح الى ان مبادرة الجامعة العربية لا تصلح لحل الازمة التي يعاني منها الشعب السوري النبيل..
واقع جديد فرضه الفيتو الروسي-الصيني على معطيات المقاربة السياسية للاحتجاجات الشعبية السورية المطالبة بالتغيير والحرية والعدالة والكرامة الانسانية..وهذا الواقع يتلخص في انسداد الافق تماما امام المبادرة التي تفترض حل-او قد يكون تعقيد-المشهد المأساوي الذي تدور رحاه على الارض السورية والتي لم يكن هناك من كان يؤمن بنجاحها اصلا..فبعيدا عن الانسياق وراء البلاغة المفرطة التي صيغت بها المواقف السياسية لمندوبي الدول الاعضاء في مجلس الامن..فان الموقف الواقعي الذي يجب البناء عليه هو انه لم تكن هناك اي فرصة حقيقية امام المبادرة العربية للحياة..
قد يكون مقتل المبادرة ومكمن الخطل فيها ليس في الفيتو المزدوج الذي كان فرصة لالتقاط الانفاس الى العديد من الاطراف..بل كان فيها نفسها,وفي منطلقاتها وفي المآلات التي ينتظر ان تفضي اليها..فلو استثنينا صياغتها الانشائية المبهمة, وتقدمها الكبير غير الموفق على مواقف الدول الكبرى,وعدم استنادها على قراءة سليمة ومنطقية للاحداث..يبقى الخلل الاهم وهو في كونها بنيت على رؤية قطرية ملتبسة منتحلة للمبادرة السعودية للحل في اليمن دون ان يكون لقطر في سوريا ما للسعودية في اليمن..
فلا يخفى ان المملكة العربية السعودية عندما ضغطت باتجاه دفع الرئيس اليمني الى تسليم السلطة لنائبه وتكوين حكومة وحدة وطنية تمهد لانتقال سلس للسلطة كانت تعتمد على دالة قوية لها على نظام علي عبدالله صالح وتغلغل بعيد لنفوذها واذرعها في الكثير من مفاصل الحكم اليمني العليا وعلاقات قوية مع العديد من-ان لم يكن كل-العناوين والرموز القبلية المهمة وتحصلها على العديد من وسائل الاقناع والتي قد يكون ابلغها ما همس به في اذن العقيد وهو تحت الانقاض في جامع النهدين والذي جعله يعيد النظر في موقفه المتصلب..وكل هذا غير متحقق ولا يمكن تخيله في الحالة السورية..
مراجعة بسيطة للرئاسة القطرية للجامعة العربية نجد ان نصفها كان للترويج لبعثة المراقبين العرب على انها الاستجابة الطبيعية لصلوات السوريين وسفح النصف الآخر في التنديد بالبعثة والتشكيك بنواياها ومن ثم قيادة حملة من الانسحابات شملت الدول الخليجية والمتخلجنة تبشيرا وتمهيدا لمبادرة لا يعلم الا الله كيف ومتى وتحت اي ظرف ستطبق وكم من الوقت تحتاج لكي تتحصل على الرضا في ظل كل هذا الانقسام الدولي حيالها,وكم من الرئاسات تحتاج قطر لتقنع الوريث الحانق بالتعامل معها والثواني تقاس بالدم في ارض الشام المستباحة..
حكمة اخرى تقول ان الازمات لا تحل بالتموضع امام كاميرات الاعلام ولا في اطلاق العبارات المتذاكية في المؤتمرات الصحفية..ولا في التعمية على قوى الثورة الشعبية السلمية المناضلة المنددة بالنظام لصالح المسلحين الذين يدفعون الى عسكرة الثورة وتحولها الى حرب اهلية تقدم اكثر من غطاء لتصعيد النظام لآلته القمعية الوحشية ..وهي بالتأكيد لن تجد حلا ولا مخرجا في تكرار وضع الملتحين في مقدمة البرامج الحوارية التي تزدحم بها شاشات الرأي والرأي الآخر..
ان المبادرة العربية لا تقدم الجواب الصحيح للسؤال الصعب عن الخطوة التالية التي ستلي انفضاض القوم وخروج الشيخ حمد من مؤتمراته الصحفية التي لا تكاد تنتهي..وما العمل لايقاف النظام عن ممارسة القتل وسط افتقاد المجتمع الدولي لاي رغبة في التدخل العسكري تجاه اسقاط النظام..كما ان الاسراف اللاهث في استرضاء روسيا من خلال التعديلات المتناسلة التي ساوت بين الضحية والجلاد قد تشي بان الهدف الرئيس من المبادرة لم يكن ايقاف نزيف الدم السوري او حماية المدنيين بقدر ضمان ايصال اطراف معينة الى الحكم وتأمين تقاسم السلطة ما بين النظام والاخوان مع فسحة للسلفيين وهو ما عرضته تركيا من قبل ورفضه الاسد..
ان المبادرات الحقيقية يجب ان لا تستهدف تسليك الطريق الى الحرب الاهلية ولا ضبط الصراع ضمن المعايير الطائفية الممزقة للنسيج الوطني السوري بقدر اشتراط كونها يجب ان تقدم حلولا وامنا للمواطنين المدنيين العزل،الناس العاديين المسفرين عن وجوههم وصدورهم تجاه الة النظام الهمجية في ثورتهم السلمية الصابرة والذين لا يحملون السلاح ولا يقدمون البيانات المنسوخة من ادبيات الحركات الجهادية التي تضفي مشروعية كاملة على خيارات النظام القمعية وتجيرها في خانة الجهد الامني الذي يستهدف ضبط السلم والاستقرار على الارض..اولئك المواطنين الذين يجاهرون برفضهم للنظام والمطالبة بحقوقهم السياسية والديمقراطية، والذين يملأون الساحات والشوارع هتافا وصراخا بان لا استبداد وديكتاتورية بعد الان,وبسلمية,دون ان يتعرضوا للممتلكات العامة والخاصة، وللمقار والأبنية الحكومية، بالحرق والتدمير والإتلاف، فهؤلاء هم الذين يجب ان تكتب من اجلهم المبادرات ولهم على الجامعة العربية ان تقدم الحلول التي تستهدف حمايتهم ..اما حصر الجهود العربية في تسليك الطريق امام المسلحين لتصدر المشهد السياسي ومحاولة ادخال المجتمع الدولي كطرف في السباق الاخواني-السلفي لحجز المواقع على الارض استعدادا لخطبة القرضاوي في ساحة الامويين فهو لا يعد الا خسارة كبيرة للوقت والدم والكرامة السورية الجريحة..
ان تقطع السبل بالمبادرة العربية،وتعثرها داخل اروقة مجلس الأمن،والحرج الكبير الذي تحسه روسيا امام الادانة الدولية الواسعة لمواقفها..قد يكون الفرصة الاخيرة امام المعارضة السورية لاخذ زمام المبادرة والتحرر من الارتهان لمتبنيات وخيارات بعض الانظمة التي تسعى لـ”تصفير” مشاكلها من خلال خلط اوراق الثورات الشعبية المباركة وربطها بشعارات العسكرة والاسلمة والتحشيد الطائفي الذي يقدم للنظام الفرصة لادامة ممارساته القمعية ويجرد الجماهير من فرصة كسب التأييد الدولي الكامل من خلال خطابها الثوري السلمي المتحضر..والابتعاد عن الاصرار المعاند على تسويق المبادرة المقترحة في دهاليز الامم المتحدة مكممين الافواه عن التساؤل عن ماهية الضغوط التي يمكن لدول مجلس التعاون ممارستها على النظام السوري للقبول السلس للخطة العتيدة وخارطة الطريق التي اعدتها الجامعة العربية للخروج من الخانق الذي تعيشه المنطقة..
كما ان الاهم في الثورة السورية الان..وهي حكمة اخرى نستطيع ان نأخذها من فم المندوب الروسي وهي ان على المعارضة السورية ان تفصل نفسها عن المسلحين..