الرئيسية » مقالات » المملكة السعودية رحابة الجغرافية وضيق الأفق

المملكة السعودية رحابة الجغرافية وضيق الأفق

تُقدر إيرادات المملكة السعودية للسنة المالية الحالية بمبلغ (702 مليار ريالٍ سعودي)، (187 مليار دولار). وهذا الرقم الفلكي يمثل بحسب تصريحات أعلى المسؤولين المحليين أكبر ميزانية شهدتها المملكة في تأريخها الماضي والحاضر.
لكن على الرغم من الوفرة المالية السعودية فإن هناك العديد من القوى الفكرية المعارضة خارج الدولة السعودية ما فتأت تحذر من استفحال ظاهرة الفساد الحكومي واضمحلال الطبقة الوسطى بين السعوديين في ظل تكديس الثروات الوطنية داخل شريحة ارستقراطية ضيقة.
صحيح أن هذا النقد ما يزال نقدا نخبويا وأقل من مستوى إحداث تغييرات عاجلة في المنظومة السياسية والاقتصادية بيد أن احتمال سريان عدواه إلى الأوساط الشعبية يظل احتمالا قائما في ظل الحراك الجماهيري المحيط بالأرض السعودية من كل جانب تقريبا، فضلا عن انفتاح بعض مؤسسات الإعلام السعودي في الفترة الحالية على مناقشة قضية الفساد بشكل غير مسبوق. فلن يغدو في المستقبل القريب عدم نقد العائلة المالكة أو الكشف عن فسادها داخلا في جملة المحرمات على صعيد الرأي العام السعودي وهذا الأمر لو حدث بشكل كاف فإنه سيمثل أول نذر الانهيار لهذه المملكة الخليجية التي وصلت إلى مرحلة الهرم لاسيما في نطاق المؤهلين قانونياً لاعتلاء سدة العرش فيها.
إن جزءاً كبيراً من المشكلة الرئيسية السعودية تتلخص في طبيعة النظام الملكي الوراثي السائد في هذه الدولة منذ مطلع الثلاثينيات من القرن الفائت والمبني على اختيار ملك قليل الخبرة وطاعن في السن لإدارة شؤون البلاد، مع احتمال تفجر النزاعات بين العائلة الحاكمة مع كل مناسبة لتداول السلطات، وفي هذا السياق يقول الباحث الأمريكي سايمون هندرسن ” إن الكثير من الأخوة الأشقاء وغير الأشقاء للملك عبد الله الذين ما زالوا على قيد الحياة، يفتقرون إلى صفات الخبرة اللازمة لحكم البلاد… ويبدو من سلاسة انتقالات السلطة في السعودية أنها تخفي بالفعل منافسات ضارية داخل العائلة المالكة التي غالباً ما تستفحل وتستمر فترات طويلة”.
لقد حاول الملك عبد الله بن عبد العزيز أن يُخطط لاحتواء الصراعات على السلطة المتوقعة بعد وفاته، فعمد إلى إنشاء مؤسسة رسمية غير منتخبة بمسمى هيئة البيعة مؤلفة من بقية أبناء عبد العزيز آل سعود المتوفى 1953، وأوكل إلى عهدتها تعيين الملك وولي عهده لكن أول اختبار حقيقي لهذه الهيئة كشف عن قلة جدوى هذه الهيئة في انجاز غرضها الرئيس الذي أُسست من اجله حتى في عهد هذا الملك نفسه فقد قدَّم الأمير طلال بن عبد العزيز قبل أشهر استقالته من هذه الهيئة ونقلت وكالة “يونايتد برس انترناشيونال” في تعليل نبأ استقالته ” أنها جاءت تعبيرا عن سخط الأمير طلال ورفضه تعيين أخيه الأصغر الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية ولياً للعهد في المملكة خلفا للأمير سلطان بن عبد العزيز الذي تُوفي في نيويورك مؤخرا “. لكن استقالة طلال بن عبد العزيز من هيئة البيعة مرَّ في ساحة الحدث السعودي وكأن شيئا لم يكن ولعل تفسير ذلك راجع إلى فلسفة النظام المبنية على التفرد بالسلطة وعدم الاكتراث بالأصوات المعارضة حتى تلك التي تصدر من حلقة العرش الضيقة.
وفي محاولات مستمرة لعلاج أزماتهم الداخلية دأب حكام السعودية تاريخيا على الاشتغال في ساحات خارجية مستهدفين الظهور بمظهر الأقوياء والحكماء أيضا عبر تقديم أنفسهم بوصفهم حلالين لمشاكل العالم لاسيما العالم العربي. لكن التاريخ المعاصر للسعودية يكشف أن مبادرات السعودية السياسية على صعيد معالجة مشاكل الآخرين غالبا ما كانت تنتهي إلى الفشل الدبلوماسي، ولعل فشل السياسة الخارجية السعودية في هذا الإطار نابع من صميم فلسفة الحكم السياسية السعودية القائمة على أساس النفس القصير في تعاملهم مع الآخرين.
هذا الأساس الذي يعود بجذوره إلى خط ديني متشدد لا يضع نصب عينيه أدنى قيمة لمن يختلف معه فكريا، ولا يفلح في تصور أكثر من وجه واحد للحقيقة الواحدة. فانعدام المرونة الفكرية على المستوى الديني لدى أفراد العائلة السعودية المالكة هو ما يوصلهم دائما إلى تصور معالجات أحادية النظرة لا تعترف برؤى مغايرة ومن ثم لا تؤمن بحلول وسطى.
هذه العقيدة الدينيسياسية هي ما توصل السعوديين دائما إلى طرق مسدودة مع الآخرين وقد تجلى هذا الأمر بشكل واضح في سلسلة المبادرات السعودية السياسية الأكثر حداثة فبدءا من بيروت مرورا ببغداد إلى صنعاء كان عرض الحل السعودي الدبلوماسي مرفوضا لأنه لم يكن مبنيا على أسس الواقعية والاعتدال التي تنظر إلى جميع الفرقاء على حد سواء بل كان تجليا سافرا لصفات الغطرسة والغرور المدفوعة بأوهام القوة ومبادئ التكفير الديني.
آخر سلسلة المبادرات الفاشلة السعودية وليس أخيرها هو إعلانهم عن سحب المراقبين السعوديين من فريق المراقبين العرب المشكل من قبل الجامعة العربية لرصد الحقائق على الساحة السورية الملتهبة منذ شهور بنيران العنف والإرهاب. طبعا لم يعط الجانب السعودي أي مسوغ منطقي لموقفهم الأخير هذا. وكلما صرحوا به في العلن لا يخرج عن عبارات إنشائية ليست ذات قيمة من الناحية السياسية من قبيل “إننا اتخذنا هذا الموقف من اجل دماء السوريين الغالية “. لم يجرؤ المسؤولون السعوديون ولن يجرؤوا على الإقرار بأنهم انسحبوا من فريق المراقبين العرب لأنهم وجدوا في التقرير لغة معتدلة لا تضع اللوم على طرف دون آخر ولا تتماشى مع صورة الحل المرسومة مسبقا بإرادة ملكية.
إن الخارطة الجغرافية السعودية الشاسعة بما تختزنه من موارد طبيعية هائلة إلى جانب البعد الديني الذي يتمركز في هذه المنطقة على وجه التحديد ويحمل بين جوانبه ثروات روحية لا سبيل لمقارنتها بأي مورد آخر مهما ارتفعت قيمته المادية، لا يتناسبان مع الطريقة التي تدار فيها هذه البلاد داخليا وخارجيا ما يستدعي إحداث مرونة في العقلية القابضة على مقاليد السلطة في الأرض السعودية، ولابد أن يدرك أهل الحل والعقد في هذا البلد أن التغيير آت لا محالة، وان انغماسهم في لعبة العبث في خرائط الآخرين الصغيرة لن يجنوا منه في المدى المنظور سوى العبث في خارطتهم الكبيرة.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث
http://mcsr.net