الرئيسية » شؤون كوردستانية » التلاشي في الزمن اللا مُجدي..

التلاشي في الزمن اللا مُجدي..

الحرب تدخل شهرها الخامس.. الزعيق يتصاعد لتعبئة المزيد من الجنود لجبهات القتال .. الناس بدأت تتحسسُ الموت من خلال برامج التلفزيون قبل أن تأتي جثث القتلى من جبهات القتال.. أما الصواريخ التي تلقيها الطائرات فإنها قد حولت كل أراضي البلاد إلى ساحة معركة.. لم يعد هناك مكان آمن في كل موضع تابع للوطن..

تتجاوز القذائف الساتر الأمامي لتدك الخطوط الخلفية.. أما المدن فباتت تواجه خطر الصواريخ العابرة للحدود.. التلاميذ في المدارس اجبروا على تعلم فنون الرماية.. اخذ المدرسون يفسحون للمدربين المزيد من ساعات التدريس.. بات التدريب العسكري في مقدمة أهداف التعليم.. لم يعد هناك حاجة للتعليم إلا بالقدر الذي يساعد الجندي على إدراك المفاهيم العسكرية.. اليوم سَتختمُ الدورة بعدها سيكون المشتركون فيها مؤهلين لخوض القتال..

بعدَ أيام وجد مجيد نفسه أمام حشدٍ من الطلبة الذاهبين للمعايشة في فترة العطلة.. تأبط حقيبته وأشياءه الصغيرة.. ترك خلفه أماً تنوح.. لكنها الحرب التي تسلب الأبناء من أحضان الأمهات.. تتركهم ينوحون ساعات وأيام طوال بدء من لحظة الفراق التي تكون ذاتها لحظة ضياع..

المئات من الجنودِ سُجلوا في السجلات الحربية في قائمة المفقودين تتجنب سلطات الحرب الإعلان عن مصيرهم.. الأسير الذي نفذ عتاده واقتيد للطرف الآخر من الحدود سُجل خائنا… بات أفراد عائلته مطلوبين للدولة تطاردهم وتلاحقهم من دائرة لأخرى في حملة تطهير تحت غطاء تحجيم دور العملاء والخونة..

في الحرب التي لا تحتاج إلاّ لغة الذكور.. تسّقط الأنثى وتبتذلها.. تمحو دورها يكون الرحم مداناً والعرق دساساً والقرابة هولاً.. أما الجريح فليسَ في خطط الدولة إلا حالة يجب إهمالها وتركها فالتوجيهات والأوامر الصادرة تؤكد عدم الانشغال بالجرحى.. عند انتهاء المعركة يصبح التخلص منهم من مهمات الفرق الخاصة التي كانت تدفنهم في مقابر تحفرها معدات عسكرية تابعة للأشغال..

في ذلك المساء سقطت قذيفة مدفع بالقرب من الملجأ… أعقبتها أخرى وأخرى كنت وحيداً من بقى حيا..ً قررت أن أحمي نفسي.. أخذت أتكورُ على نفسي في الملجأ.. أتكور مع كل صوت انفلاق يعقب انفجار قذيفة بالقرب مني.. هكذا مضت الساعات أحسست باللزوجة من تحتي.. كنت أدرك ما حل بي من شدة الخوف والقلق.. لم أتمكن من السيطرة على نفسي فعلتها دون إرادتي.. لستُ وحيداً من تعرض لهذه الحالة..

الحرب لِمَن لا يشترك بها ليست إلاّ بطولة رجال يواجهون الموت.. يتفاخرون بقصص وحكايات ينقلها الإعلام ليثبها في صفحات الحرب كأمجاد لرجال لا يهابون الموت.. أما نحنُ البشر المرسلين لخطوط الموت فندرك حجم الهول والفزع وشدة الخوف.. نحن فقط نعرف وندرك ما يحصل فيها ونشهد من خلال فتحات أجسادنا الطارحة للفضلات الكثير مما لا يحكى في الإعلام.. نتحمل كل هذا من أجل أن لا نموت..

نفكر بزوجاتنا وأشقائنا وأبنائنا وأمهاتنا.. نحلمُ بالرجوع وندرك أن الحرب ليست بإرادتنا ولا مصلحة لنا فيها لهذا نسعى بكل ما نملك من السبل لننجو بأنفسنا.. لهذا بدأتُ أكور جسدي قدر ما أستطيع.. أطبقت رجلي لتلتصق ببطني ووضعت رأسي المنحية في مواجهة ركبتي المنثنيتين.. كنت غير منتبهاً لما حدث.. بعد تواصل هدير القذائف شعرت بالنعاس أخذتني أسنة النوم.. رحت كالميت أغادر عالم اليقظة..

لم أعد أشعر بالحرب وما يدور من حولي..

في اليوم التالي.. فزني صوت ينادي: الجميع قد استشهد.. لم يعد رجلاً حياً في الفصيل.. هذه أشلاء الضابط.. هذا هو العريف عناد.. أيقنت أنهم جنودنا حاولت التريث لدقائق للتأكد قبل أن اخرج لأعلن للمتواجدين من حولي.. أني ما زلتُ حياً لم أمت..

تقدم نحوي.. الضابط المكلف باستطلاع الموقف.. قائلاً بفرح كأنه وجد شيئاً يخصهُ.. لم أكن اعرفه ولا أضنه يعرفني.. هذا جندي حي سنطلب منحه نوط شجاعة.. ليشهد لنا أننا أنقذنا الموتى ودفناهم ورددنا العدو لأعقابه.. بعد أسبوع جرى تكريمنا بأنواط شجاعة.. مُنحت نوطاً.. وحصل الضابط على نوطين.. من ذلك الزمن… في ذلك اليوم.. أدركت أن الحرب ليست إلا كذبة كبرى.. لهذا اعذروني إنْ كنتُ ارتعدُ بلا خجل من الحرب القادمة!..

ــــــــــــــــــــــ
صباح كنجي

ـ أمين خلف خُرْمَه.. من قرية ملجبرـ الشيخان.. أعلنت سلطات الحرب عن (إصابته واستشهاده) بعد توقف القتال في 8/8/1988 لتؤكد أن الطرف الآخر خرق الاتفاق ولم يلتزم ببنود إنهاء الحرب..