الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق :وكم بالعراق من المبكيات

سلاما ياعراق :وكم بالعراق من المبكيات

 عندما شاركت في العام 2004 ببرنامج “الاتجاه المعاكس” الذي تقدمه قناة الجزيرة، في حلقة حول السيادة بالعراق بعد رحيل بريمر، سحبت الموضوع لتعريف معنى السيادة اجرائيا وليس نظريا. لخصت رأيي انه يمكننا، قبل كل شيء، ان نحكم على سيادة اي بلد من خلال قراءة حال نسائه وأطفاله.

فان وجدت النساء في بلد يفترشن ارصفة البلدان الغريبة ليبعن السجائر وشفرات الحلاقة و “علج الماي” أو “البستك” ويلهبهن حر الشمس وينخر اجسامهن الجوع والهوان، كما كان يحدث لنسائنا في الساحة الهاشمية بعمان، فلا خير بالسيادة كلها. كذلك ان وجدت الاطفال مشردين عند الطرقات لاستجداء المارة وسواق السيارات. أو تراهم يباعون في الأسواق سلعة للعمل والاستغلال اللا انساني، فابصق على سيادة بلدهم ومن يحكمه حتى وان قيل عنه بانه سيد الارض كلها.
اذكر انني قلت إن اراد اياد علاوي، الذي كان يرأس الوزارة، في وقتها، ان يشعرنا باننا استعدنا سيادتنا، فليوفر احسن الطائرت لنقل نسائنا اللواتي أضناهن الفقر والذل والهوان من عمان الى بغداد معززات مكرمات. وليوفر لاطفالنا حياة كريمة تنقذهم من الجهل والضياع. ضربت في آنها، مثلا لطفل قطري، اسمه محمد، في العاشرة من عمره وكيف أرشدني لاختيار احسن الاجهزة من اللعب التربوية كهدية لحفيدتي. قارنته بطفل يحمل نفس الاسم من قطاع 10 بمدينة الثورة يوم شاهد قطعة موز فاستفسر: ما هذه؟ ومرة اخرى اكدت انه ما لم يصبح محمدنا العراقي بمستوى محمدهم القطري أو اكثر فلا يحق لعلاوي ولا غيره ان يتحدث عن شيء اسمه سيادة .
وراح علاوي وجاء الجعفري ومن ثم المالكي الذي كرر المجيء كرتين، وكل منهم يدعي انه حقق السيادة، ولا ادري عن أي سيادة يتحدثون. أي سيادة! وأغلب اطفال العراق، بحسب منظمة “اليونسيف” ، محرومون من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أقرانهم في الدول الأخرى. وان هناك 50% من طلبة المدارس الابتدائية لا يرتادون مدارسهم ، و40% منهم فقط يحصلون على مياه شرب نظيفة. اضف لذلك بيع اطفالنا في اسواق النخاسة والدعارة في دول الجوار وابعد من الجوار.
لم اجد مسؤولا حكوميا أو برلمانيا أو حزبيا أو رجلا من رجال الدين أو ميسوري الحال، خاصة من الذين يعيشون في محمية الخضراء، نزلت له دمعة أو اهتزت شعرة في ضميره أو وجدانه على ما يعانيه اطفالنا من بؤس وضيم.
كم اتمنى ان تشكل لجنة لتقصي الحقائق، تختار خمسين طفلا عراقيا فقط، لا من بيوت التنك ولا من أولائك المشردين بالشوارع، بل من قطاع واحد من قطاعات مدينة الثورة، مع خمسين طفل من الخضراء. ولنقارن بين اطفال الطرفين كيف يأكلون ويشربون ويدرسون ويلعبون وينامون ليلهم. لا اريد ان احكم على النتائج مسبقا، لكني من الآن اقول لكم عاتبوني ان لم تجدوا في اطفال خارج الخضراء، من يبكيكم اكثر مما بكيتم على “اولاد مسلم”.
اما أنا ، فقد ابكتني من الآن غيرة بائع “كلشان” أجنبي انقذ حياة العشرات من اطفالنا. ساحدثكم عنه في العمود القادم.