الرئيسية » مقالات » التحولات الثقافية ما بعد الثورة

التحولات الثقافية ما بعد الثورة

يشهد العالم العربي مع انطلاق الثورات مرحلة جديدة وحقبة متميزة في تاريخ التطور الحضاري يفرض نوعا من الاستقراء والاستشراف للمستقبل لفهم هذه المتغيرات والتحولات التي يحملها ولم تواجه المنطقة مثلها من قبل . وإثر فوز الأحزاب الاسلامية في الانتخابات عقب الثورات تعالت الأصوات المطالبة بتوضيح المآلات الثقافية التي ستتجه اليها الأنظمة الوليدة وهل سينتج عنها ثقافة متنوعة متجانسة بين أطياف الشعب الواحد ومنفتحة على كل جديد ومتعاونة مع العالم والمجتمع الدولي أم انها ستكرس ثقافة رفض الآخر وابعاده ؟ وعلى الصعيد العالمي هناك تساؤل يتمحور حول ما ستؤول اليه موجات التغيير المتجهة نحو ثقافة عالمية قد تدمر الخصوصيات الثقافية الأخرى المتنوعة .
المواجهات الثقافية كانت قد شهدت تعقيدات اثر أحداث 11 سبتمبر ففي الوقت الذي كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ومن خلفها كافة الانظمة العربية تشن حربا على الإرهاب المتمثل بفكر القاعدة الاقصائي، تنامى لدى الشباب العربي وعيًّا بالثقافة الانسانية وحقوق الانسان وكرامته والعدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي. وبعد ان سعت بعض الانظمة الديكتاتورية الى استرضاء الغرب بمكافحة الارهاب لتطيل أمد سلطتها القامعة، أثبت الثورات أن مشكلتها الرئيسية تكمن في جوهر الثقافة الاقصائية التي تكرسها الانظمة عبر التسويق الدائم لفكرة عدم نضج الشعوب لممارسة حقوقها الديموقراطية وإلصاق تهمة الارهاب بكل من تسول له نفسه المطالبة بالتغيير، حيث تعود معظم النزاعات الثقافية إلى أمرين أولها اختلاف المصالح، وثانيها اختلاف المفاهيم وتطبيقاتها حيث يتم استغلال المفاهيم لتكريس الاختلاف والباسه لبوس النزاع العقائدي .
موجات التغيير الثقافي … وشباب الثورات
لا بد من عرض موجات التغيير التي تعرضت لها الثقافات قبل الوقوف عند شباب الثورات العربية ؛ فقد أنتجت الموجة الأولى الثورة الزراعية التي تحول فيها المجتمع من الحياة البدائية غير المستقرة المعتمدة على الصيد وجمع الغذاء إلى حياة الاستقرار والزراعة؛ بينما أنتجت الموجة الثانية والتي بدأت مع الثورة الصناعية حضارة جديدة متمحورة حول الاستهلاك الكمي القائم على الإنتاج والتوزيع ، والثقافة الكمية؛ أما الموجة الثالثة فاعتمدت على تحسين الكيفية والنوعية و تقليص اليد العاملة عبر احلال التكنولوجية محل القوة العضلية في الاقتصاد.
واليوم نشهد تغيّرًا مفصليا حاسمًا تجاوز التغيير الكيفي الى الانفتاح السيبيري التام لفضاء الاتصالات بحيث تغيرت مفاهيم المطابقة والمماثلة بالكامل نحو تنوع لامحدود ومنفلت في آن معا،مما يعني أن مستقبل الحضارة سيتعرض إلى تنوع ثقافي هائل بعيدا عما ألفه الناس في الموجات السابقة .
وقد أدهش الشباب العربي في ثوراته الحكومات التي أصرت على إبقائه في طور الطفولة الحضارية، مؤكدا انّه تجاوز كل المراحل ليقفز الى الواجهة الثقافية العالمية عبر الانترنت معلنا عن نفسه مطالبًا بحقوقه متجاوزا كل العوائق التي حاولت الأنظمة إبقاؤه خلفها .
الشباب اليوم لم يعودوا يكترثوا بأي اعتراف رسمي بهم، فعلى الصعيد الفني هم يغنون ويرسمون ويعبرون على طريقتهم في الميادين وينشرون ابداعاتهم دون اللجوء الى كهول وشيوخ الطرب؛ وعلى الصعيد الأدبي واللغوي يؤلفون في اليوم آلاف القصائد ويطورون لغتهم ومصطلحاتهم الخاصة المطعمّة بلغات أخرى دون أن يلتفتوا لآراء النقَّاد واللغويين الذين يخشون من تطوير اللغة ويرون فيه عملا يمس بالهوية ؛ وكتّاب المواقع الإجتماعية وصحفيي الشارع من الشباب والهواة قد سبقوا جهابذة الاعلام في حسن تقاريريهم وأدائهم بأشواط ، ان لجهة سرعة إيصال المعلومة او لجهة الايجاز، فهم يوصلون الخبر بعبارات قصيرة بعيدة عن التطويل والمقدمات الفارغة وغير آبهين بمكاتب الاعلام المترهلة والجرائد والفضائيات الرسمية المملة. و شباب مواقع التواصل الاجتماعي سبقوا في حواراتهم ونقاشاتهم النخب الثقافية المتقوقعة على ذاتها في المقاهي الفلسفية .
لقد تجاوز الشباب كل التحولات والمتغيرات ليقفزوا نحو مجتمع كوني منفتح على العالم بعد ان سئموا من صبر من سبقوهم على التغيير نحو مجتمع عصري يحترم كرامتهم وانسانيتهم .
التحولات الثقافية في منتدى دافوس الاقتصادي :
هذه التحولات الثقافية المهمة كانت مثار اهتمام في مؤتمر “دافوس ” الذي انعقد أخيرا وهو منتدى إقتصادي بالدرجة الأولى، بيد ان افرازات الانتخابات في تونس ومصر طرحت سؤالا جادا حول :” هل الربيع العربي ربيع الاسلاميين ؟ ” وكيف ستنعكس هذه التحولات الجذرية على مستقبل العلاقات والمصالح الدولية ؟
آلان جوبيه كان قد اشار في إحدى حواراته مع إحدى الفضائيات مطلع العام إلى أنه ساد الاعتقاد لفترة طويلة في المجتمعات الغربية ان الاسلام كديانة يحض على الجهاد ضد الغرب ( وفق تقارير كانت تردهم ) بيد انه تبين أن الاسلام لا يتنافى مع المدنية وحقوق الانسان والدولة العلمانية وان الاحزاب الاسلامية تريد دولا ديموقراطية تحترم الحريات الفردية وعلاقة متكافأة ومحترمة مع الغرب .
راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي طمأن المجتمع الدولي في “دافوس” بأن الدولة لا تُعبّر عن إرادة ربانية نازعا كل امر لاهوتي عن العمل السياسي ومشيرا الى ان ثورات العرب تسعى لان تحرر الدين من الدولة في وقت عملت فيه اوروبا تاريخيا على تحرير الدولة من الدين والكنيسة .
فيما اتفق رموز العمل السياسي العربي في دافوس ان الثورات كانت لمواجهة أوضاع غير مقبولة ومافيا السلطة والفساد مؤكدين على ضرورة الجمع بين الحداثة والديموقراطية في ظل العمل على النهوض الاجتماعي والاقتصادي .
وأخيرا؛
لعل الفترة السابقة كانت أجزاء من العالم تعاني من التهميش الثقافي ولكن المشكلة التي ستواجهنا في المستقبل لن تكون في التهميش بل ستتمثل في التوجه نحو اللاتجانس والتباين . لأن الثقافة المستقبلية المتوقعة في الغد تضم عناصر من ثقافات مختلفة تجلبها إليها وتحولها لتشكل ثقافة مميزة وخاصة بها، وهي في نهاية الأمر ثقافة تختلف عن ثقافة التي عرفها الأجداد، ومختلفة تماما عن ثقافة الآخرين .
لذلك على الدول العربية أن تدرك ما يجري وما سيجري في العالم وتكون فاعلة بشكل ايجابي فيه, لا أن تنتظر الحدث لتفتش عن ردة الفعل المناسبة . فالمرحلة القادمة ستحتوي على تغييرات هائلة في التوزيع الثقافي للأفكار والمعلومات مما سيؤدي إلى تجزئة مجتمعات الكم إلى وحدات اصغر حيث ستُتَاح للفرد خيارات لا تعد ولا تحصى ، وان اضفاء نزعة أحادية لثقافة “صافية ” ستيصبح أمرا متعذرا . فلا مكان فيه لاحزاب شمولية او ايديولوجيات مغلقة، وهو ما سيؤثر بدون شك على المؤسسات القائمة على مبدأ الكم مثل النقابات و الأحزاب والجماعات… بشتى توجهاتها وبلا شك سيكون هناك المزيد من القيم الثقافية المختلفة , ومزيج من الحضارات و أنماط من الحياة مختلفة وصيغا من العلاقات الاجتماعية متنوعة , واديان مولدة ، وربما ستنشهد ظهور نحل جديدة وتيارات حديثة , واختلافات بين الأجيال . وهذا سينعكس على بنية الجماعات لان هذا التغيير يجلب نوعا من الفردانية على الصعيد الشخصي وقيم تنتصر للانسانية بشكل عام تخفت في ظلها مشاعر الانتماءات الضيقة .
لذلك على الحركات “الاسلامية ” ان تستوعب هذه التحولات وان تعمل على تطوير وتغيير بنيتها الفكرية “المنغلقة ” وان تخرج من اطار العقائد الى اطار عالمي واسع وان تتجه للعمل السياسي البناء العلماني ، فهل سنجد في حزب النهضة او حزب العدالة والحرية مثلا أطياف من غير المسلمين كالأقباط واليهود وغيرهم تجمعهم الرؤى السياسية والاصلاحية لبناء دولة مدنية ؟
هذا ما نأمله؛ لان التحولات الثقافية في العالم تطلب دينامية أكثر عمقا لانها تشمل كل نواحي التاريخ الإنساني تغيير اقتصادي اجتماعي ثقافي سياسي تقني ، وهي موجة كثيفة و متسارعة وعالمية. وتشكل فرصة مميزة للمشاركة في عولمة كونية نأمل ان يكون للعرب فيها جزءا اساسيا لابراز معالمها .