الرئيسية » مقالات » إستراتجية الرفض والإقصاء للمختلف أم التمرس بسياسة الأعتراف المتبادل؟

إستراتجية الرفض والإقصاء للمختلف أم التمرس بسياسة الأعتراف المتبادل؟

المتصفح في دائرة المعارف الإيطالية يقرأ تحت الفكرة الفاشية تحديد لموسوليني مضمونه ما يأتي: “الفاشية دين يحدد وضع الإنسان و علاقته الوثيقة بقانون أعلی و إرادة سامية تسمو به الی عضوية واعية في مجتمع روحي- الفاشية نظام فكري الی جانب كونها نظام للحکم – الفاشية تهمل الفرد و تحصر إهتمامها في الدولة، والفرد الصالح هو الذي ينسجم مع الدولة لتحقيق الإرادة العامة الداعية للإنسان في كيانه التاريخي”.
لا شك أنه بعد سقوط النظام الفاشي في العراق عام 2003، الذي أتخم نظالات فاشلة و قضايا خاسرة و حاول بشكل بربري العودة من جديد الی سلطة زاقورات بابل أو مواقد أثينا و روما، حصلت تغيّرات إيجابية بإتجاه نقد الذات أو من حيث العلاقة مع الحقوق والحريات، لكنها لم تطل الثوابت والقناعات، لأن النسبية و الذرائعية من حيث العلاقة بالحقوق والحريات لم تجتاز بعد الخطوط الأولی نحو إبتكار الجديد من الرؤی و المفاهيم و القيم والسياسات و الإستراتيجيات التي تتوسل مفردات المفاوضة والتسوية والتعاون والشراكة أو التداول والتبادل. ما نراه في العراق هو إفتقار الأحزاب الدينية والقوموية الی التمرس بسياسة الإعتراف المتبادل.
للأسف تمر الحياة السياسية في العراق بمرحلة من التوتر والتشتت والفوضى والالتباسات الفكرية والسياسية، لذا بات لزاماً علينا التأكيد على المنطلقات التي تؤدي الی الديمقراطية وإعادة النظر في بعض المفاهيم التي شابها شيء من الغموض أو اللبس، جرَّاء الظروف التي استجدت بعد سقوط الطاغية، وإعادة صياغة بعض التوافقات التي تستدعيها هذه الظروف الصعبة. وفي مقدمة هذه التوافقات إخراج مشروع دمقرطة المجتمع من دائرة التجاذب بين الاطراف المتصارعة وتوكيد استقلاله وانبثاقه من حاجات المجتمع ومن توق جميع القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الديمقراطي إلى الحرية والحياة الكريمة. ويقتضي ذلك توكيد الروابط الضرورية، المنطقية والتاريخية، بين الوطنية والديمقراطية وأن إلغاء أي منهما هو إلغاء للأخرى، إذ الديمقراطية التي تستمد جميع عناصرها من الشعب، الذي هو مصدر جميع السلطات، هي مضمون الدولة الوطنية، وهذه الأخيرة هي شكلها السياسي وتحديدها الذاتي وتجريد عموميتها.
إن علاقة الوطنية بالديمقراطية هي علاقة جدلية بامتياز، ومن المؤكد ان فك الاشتباك بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وتحرير هذا الاخير من هيمنة الدولة سيساهم في وضع مشروع دمقرطة المجتمع موضع التطبيق، وبالتالي المساهمة في بناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد، تلعب فيه مؤسسات المجتمع المدني، على تنوعها، دوراً مهماً وبناءً.
هناك شعوب نموذجية مرت بالتجارب المُرّة وتمكنت بعدها من نزع عباءتها الأصولية والتحرر من عقائدها الثورية، بعد أن أوصلتها العقائد الثورية إلی الكوارث والمآزق، و قامت علی إطلاق قواها الحية والديناميكية، لكي تمارس حيويتها الفكرية علی سبيل الإنتاج والإبداع و تتقن لغة الخلق والتحول. إن التجارب المريرة و الأزمات المتلاحقة و فتح أبواب جهنم في غير مكان من العراق أثبتت أيضاً بأن القوة واستعمال المنطق العنصري العدواني والهيمنة والاحتكار والصدام والغزو والإرهاب من قبل السلطات المركزية لم يعد يجلب أمناً أو يصنع سلاماً أو يصون هويةً، والشواهد علی ذلك بليغة.
في السابق اعتبرت الدولة العراقية نفسها هي الممثلة الأولی للمجتمع و قامت بإقصاء مختلف مؤسسات المجتمع المدني من الأحزاب السياسية المعارضة، إلى النقابات المهنية والعمالية، مروراً بالمؤسسات الاجتماعية المختلفة، من مجالها السياسي، وبنت النخبة السياسية -الإدارية الحاكمة فيها نموذج الدولة التسلطية، التي تعاظم دورها في مختلف الميادين والنشاطات الاقتصادية تحت شعارات مختلفة. ما نتمناه هو أن يوقف الأحزاب التي تسكن دفة الحكم في العراق الفدرالي عجلة توليد المآزق التي تضع الجميع بين فکّي الكماشة و ما نحتاجه اليوم في العراق الاتحادي هو قياديون يستمعون إلی الآخر لخلق وسط للتفاهم أو خط للتواصل، و يديرون القضايا والمصالح بعقول تداولية، وسطية إجرائية.
إن التماهي مع الذات حتى الذوبان والانتشاء و إقصاء الغير حتى الاستئصال الرمزي أو المادي يعني إبراز التشكيل العنصري أو الحشد الفاشي و النتيجة هو إرسال مصالح العباد والبلاد إلی الجحيم.
ومن المؤکد بأن القوة اليوم لا تصنع من خلال حشد الأسلحة والجيوش والصواريخ والترسانة النووية أو إرادة الغطرسة والهيمنة أو صنع القطعان البشرية والكُتل العمياء التي هي مادة الاستبداد وآلة الإرهاب، بل تصنع بالدرجة الأولی من خلال القادرين علی خلق ما تحتاج إليه مشاريع النهوض والإصلاح والتحديث والتنمية والسلم و من إجتراح المعادلات والصيغ والأطر والشبكات والأسواق والأدوات. فالفكر ليس “مهنة” لفئة من الناس، بل هو “ميزة” الإنسان عامة.
و ختاماً: لا يقوم المجتمع العراقي من دون خلق وسط جامع و شراكة حقيقية يتوسط فيه جميع المكونات المختلفة بعضهم البعض، بقدر ما يديرون اختلافاتهم و نزاعاتهم عبر الوسائط التي تمثلها اللغة بقدراتها التواصلية و المحاججة العقلانية بمسوّغاتها المفهومية، وصولاً إلی إجتراح قواعد جامعة للعمل المشترك، تكون مقبولةً لدی الرأي العام أو العقل العمومي أو العقل الكوني.