الرئيسية » مقالات » حوارات حضارية حول قوانين النفط والغاز-رابعا

حوارات حضارية حول قوانين النفط والغاز-رابعا

في هذه الحلقة والحلقة الخامسة سأضع التفسير الذي خرجت به الدراسة دون العودة كثيرا للتفاصيل، وذلك تحاشيا للإطالة على القارئ الكريم، وكذلك سنتناول مجمل القضايا الخلافية بين الحكومة الإتحادية والإقليم حول مسودة القانون أيضا دون الخوض بالتفاصيل لنفس السبب أعلاه، وهو تحاشي الإطالة، لذا أرجو من القارئ الكريم الذي لم يقرأ الحلقات السابقة للموضوع الرجوع إليها وقرائتها لكي يكون على بينة من الأسباب التي دعتنا إلى إتخاذ الصيغة التي يجدها بين يديه.
خروج على الدستور:
• لا يوجد ما يشير صراحة إلى تفرد الإقليم بالتخطيط والتفاوض والتعاقد والاستكشاف والإنتاج دون الرجوع إلى الحكومة الإتحادية، وهذا ما أقدمت عليه حكومة الإقليم بشأن النفط،
• الأمر ذاته يمكن ملاحظته في جولات التراخيص الأولى والثانية والثالثة نجد أن الحكومة الاتحادية قد تخطت أدوار المحافظات، فثارت ثائرة الأخيرة وراح بعضها يهدد ويتوعد ويطالب بإقامة إقليم
إعادة تفسير المواد الدستورية111 و112:
1. هاتين المادتين تقعان ضمن الاختصاصات الغير حصرية للحكومة الاتحادية، وهذا يعني أن كل ما يتعلق بهذا الموضوع يجب أن يكون على أساس إشراك الإقليم والمحافظات به، وأن لا تتفرد الحكومة الاتحادية بإدارة هذا الملف بالكامل، لكن من حقها الاحتفاض بموقع القيادة.
2. المادة111 تتعلق بملكية مشتركة للعراقيين، وأود التذكير هنا على أن القوانين العراقية النافذة تقنن بشكل جيد مسألة التصرف بالملكية العامة، والنفط والغاز واحدا منها، مع الأخذ ببعض الخصوصية لهذه المسألة.
3. نفهم من المادة111أن النفط والغاز في أي مكان في العراق هو ملك لكل العراقيين أينما وجدوا، ومادام المنطق يوجب إشراك الإقليم والمحافظات، لذا يجب أن تشترك جميع المحافظات، سواء كانت منتظمة بإقليم أو لا، بإدارة هذا الملف، وسواء كانت منتجة أو غير منتجة، لأن الجميع يملكون.
4. قد يقول من قائل، مادامت المحافظة غير منتجة، لماذا تشترك بهذه الإدارة؟ في الواقع إنها تشترك بملكية الثروة الهايدروكربونية، كما وأن مبدأ التوزيع العادل للثروة، يلزم إشراك هذه المحافظات لكي تأخذ نصيبها من الثروة بشكل غير مباشر، فحينما تنتج محافظة النفط والغاز، سيستفيد أبنائها بشكل مباشر من النشاط الاقتصادي لهذا الاستثمار هناك، كما وأنها ستستفيد من البترودولار، لذا يجب أن يتم تصنيع النفط والغاز في المحافظات الغير منتجة لكي تستفيد من النشاط الاقتصادي للاستثمار والبترودولار أيضا.
5. أما بالنسبة للمحافظات المنتظمة بإقليم، فإن تمثيلها سيكون ضعيفا مقارنة بالمحافظات الأخرى، لأن الإقليم سيمثل ثلاثة محافظات بجهة واحدة، في حين المحافظات الأخرى تمثل نفسها فقط، لذا يجب أن يتم تمثيل الإقليم مرة والمحافظات المنتظمة به مرة أخرى، أي بأربعة ممثلين في حالة إقليم كوردستان.
6. نفهم من المادة111أن ليس من حق أي جهة لوحدها أن تتعاقد حول استثمار النفط والغاز دون إشراك الآخرين وبقيادة الحكومة الإتحادية، لأن الملكية مشتركة بين الجميع لهذه الثرة الطبيعية.
7. نفهم من المادة111أن ليس هناك حقا بإشراك أية جهة بهذه الملكية الجماعية للشعب العراقي، لذا فإن منح امتيازات نفطية أو عقود مشاركة بالإنتاج أمر غير دستوري، وفي حال وجدت الحكومة أو المجلس الإتحادي للنفط والغاز ضرورة لمنح عقد مشاركة بالإنتاج، يجب أن يحال الموضوع للبرلمان ليصدر تشريعا بذلك ويجري عليه استفتاء شعبي بالقبول أو الرفض، لأن السلطات الإتحادية الثلاثة المنتخبة والسلطات الجهوية في الإقليم والمحافظات، منتخبة جميعا على أساس الإلتزام ببنود الدستور، وعند الخروج عما نص عليه الدستور، يعني سقوط التفويض الشعبي لها وفقدان الشرعية الدستورية، ما لم يستفتى الشعب بذلك.
8. إن هاتين المادتين لا تحددان بشكل كمي حجم مشاركة اٌلاقليم أو المحافظات، سواء كانت منتجة أم لا، ولا حجم مشاركة الحكومة الاتحادية بإدارة هذا الملف، ولكن بالرجوع إلى مفردات الصناعة النفطية الأساسية نستطيع وعلى شكل واقعي تحديد حجم المشاركة لأي من هذه الجهات، وهذا ما تحدثنا عنه سلفا.
9. المادة112أولا: تعني أن الحكومة الاتحادية بالتعاون مع الإقليم والمحافظات المنتجة حاليا، أي وقت كتابة الدستور، بإدارة الملف النفطي دون تحديد لحجم المشاركة، لكن وكما أسلفنا نستطيع تحديد هذا الحجم تقريبا.
10. ومن ثم تقوم الحكومة الإتحادية بتوزيع الثروة بشكل منصف ومتوازن بين المحافظات والأقاليم، وهنا لم يحدد الدستور فيما إذا كانت المحافظات منتجة أم لا، على أن يتم إنصاف المحافظات المتضررة من سياسات النظام السابق، وهذا تأكيد على وجود دور قوي للمحافظات غير المنتجة، على أن ينظم ذلك بقانون، والقصد هنا قانون توزيع الثروة الوطنية، وهو احد أهم القوانين التي يجب أن ينجزها البرلمان.
11. المادة112ثانيا تؤكد مرة ثالثة على مبدأ المشاركة برسم السياسات، والقصد هنا تلك السياسات المتعلقة بالتعاقد والتفاوض من قبله، وسياسة الاستكشاف، وسياسة التطوير، وسياسة الإنتاج، وسياسة التسويق، وهذه تتم بشراكة بين الحكومة الاتحادية والإقليم والمحافطات.
الاستنتاجات النهائية:
رسم سياسات في الإقليم والمحافظات:
تطبيق السياسات العامة للبلد مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية الاقليم أو المحافظة وإشراكها، لكن أيضا تحت إشراف ومتابعة ورقابة من قبل المركز.
التخطيط:
التخطيط لكل ما يتعلق بالصناعة الاستخراجية، التي سنأتي على ذكرها في السياق، والتخطيط لتصنيع النفط والغاز بوضع استراتيجية واضحة وعلى اساس علمي لعموم البلد، وعلى ضوء هذه الاستراتيجية الطويلة والقصيرة الأمد، مع الأخذ بنظر الاعتبار إشراك كافة المحافظات والإقليم عند وضع هذه الاستراتيجية، ويضع الإقليم والمحافظات خططهم الطويلة والقصيرة الأمد بما يتعلق بالصناعة الاستخراجية وتصنيع النفط والغاز، بمشاركة المركز لضمان عدم تعارض هذه الخطط مع التخطيط العام للحكومة الاتحادية.
التعاقد:
إن للتعاقد خصوصيات تتعلق بالسياسة العامة للبلد والتخطيط الاستراتيجي قصير وبعيد الأمد، كما ويتعلق بالشفافية وتحقيق معايير دولية اعتمدها المركز لتكون عامة ومناسبة للبلد، على أن يكون هناك مشاركة من قبل الإقليم والمحافظات بوضع هذه السياسة، وتقوم الحكومة الإتحادية بهذه الوظيفة نيابة عن الجهات المختلفة لأن انعكاساتها على المردود المالي كبيرة جدا، لذا فإن أي تعاقد يجب أن يكون تحت إشراف المركز بالكامل بمشاركة فعلية من قبل الأطراف الأخرى المعنية بالتعاقد، بحيث تمتد مساهمة الإقليم والمحافظات إلى التفاوض بشكل فاعل لما له من انعكاسات على هذه الجهات.
الاستكشاف:
الاستكشاف مسألة غاية بالأهمية بالنسبة لاقتصاد البلد، فالتوسع بالاستكشاف وتحقيق اكتشافات كبيرة وكثيرة سوق يكون له عواقب وخيمة على أسعار النفط مستقبلا، ففي حال تحققت اكتشافات كبيرة، من شأنه أن يطمئن السوق العالمية للطاقة، وبالتالي ينعكس سلبا على الأسعار، كما أن عمليات الاستكشاف مكلفة جدا، وفي حال تحقق لعراق اكتشافات جديدة معتبرة فإن كلف الاستكشاف تعتبر ضائعة ولا فائدة منها على المدى المنظور، في حين يمكن الاستفادة منها في جوانب تنموية اخرى قد تكون ملحة، لذا يجب أن تكون سياسات الاستكشاف والتخطيط له مدروسة بعناية تامة ومحافظة جدا، وأن لا يترك الباب مفتوحا على مصراعيه للأقاليم أو المحافظات للقيام بهذه المهمة نيابة عن المركز، لكن تنفيذ هذه السياسات والخطط الاتحادية من مسؤولية الإقليم بالكامل مع ضمان دور للمركز بالرقابة والمتابعة والإشراف، أما الإعلان عن الاكتشافات النفطية فإنه يجب أن يبقى مهمة حصرية للمركز للأسباب التي ذكرناها سلفا.
الجانب الفني للاستكشاف متعلق من حيث الأساس بالجيولوجيا، وهي قضية عامة بالعراق ولا تتعلق بإقليم أو محافظة، لذا فإن التخطيط للاستكشاف يجب أن يكون على أساس العراق بالكامل، فالجيولوجيا لا تعترف بالسياسة ولا تعترف بحدود الأقاليم أو المحافظات.
هناك جانب آخر للاستكشاف، تلك المتعلقة بالتنمية، فمن المعروف أن العراق الآن بصدد البحث عن المزيد من الاحتياطيات الغازية لأغراض التنمية بالخصوص، فضلا عن التصدير، فالمحافظات المحرومة من وجود حقول نفطية بأراضيها وهناك مؤشرات علمية جيولوجية تشير إلى إمكانية وجوده في تلك الجهة المحرومة، فإنها ستعطى الأولوية في البرامج الاتحادية للاستكشاف على حساب المناطق التي تتمتع بوجود حقولا نفطية في أراضيها، لذا فإنها مسألة تتعلق بالمركز مع ضمان مشاركة فاعلة للإقليم وجميع المحافظات خصوصا تلك المحرومة.
التخطيط للاستكشاف في الحقول الحدودية مسألة قد تجد الحكومة الاتحادية والبرلمان أنها تأخذ أولوية في التخطيط لعمليات الاستكشاف، لذا فإنها يجب أن تكون مهمة اتحادية بمشاركة من الجهات المعنية.
التطوير:
التطوير لا يختلف كثيرا عن الاستكشاف، يجب أن يكون مدروسا على أساس قابلية العراق على استيعاب المردود المالي من التطوير، واستيعاب السوق العالمية للنفط والغاز المنتج، وأن يكون على أساس يتسق مع الضوابط الوطنية، حيث أن المسعى العام هو أن يكون التطوير بجهود وطنية، ويعتمد أساسا على توفر الأموال للقيام بالتطوير، وكلها أمور اتحادية من حيث الاختصاص، أما القيام بعمليات التطوير فعليا على أرض الواقع فإنه مهمة جهوية ولكن برقابة واشراف ومتابعة من قبل المركز، لأن كلف التطوير تعتبر وعاء لا حدود له للفصاد، بمعنى أنها مجال واسع للفساد قد يكلف البلد عشرات وربما مئات مليارات تذهب هدرا بجيوب الفاسدين.
التعاقد يجب أن يكون مع جهات مقبولة، وكما أسلفنا أنها مهمة مركزية تقوم على اساس معايير دولية للاعتماد الشركات التي يمكنها أن تقوم بالتطوير وتحقق جميع الأغراض منه، وهي التطوير بحد ذاته، وتطوير القوى البشرية، ونقل التكنولوجيا الحديثة وأنظمة العمل المتطورة للبلد، بحيث تجري كل هذه الأمور وفق معايير عامة للبلد.
التطوير يجب أن يقوم على أساس حاجة السوق العالمية للنفط ووفق سياسة مركزية محكمة لكي لا يكون هناك فائض كبير بالطاقة الإنتاجية، لأنها ستضغط على أسعار النفط عالميا وتظر بمصالح العراق.
للتطوير سياسات عامة يجب الإلتزام بها وأن لا يفتح الباب على مصراعيه، لذا فهي مهمة مركزية بمشاركة فعلية من الجهات الأخرى.
التعاقد على التطوير، وعملياته على أرض الواقع يجب أن يكون من صلب اختصاصات الجهات المعنية مع إعطاء المركز دوره الذي اصبح معروفا.
النقل والتسويق: يجب أن تبقى مهمة اتحادية دون تدخل من الإقليم أو المحافظات جميعا، إلا بما تمليه الحاجة وذلك بتكليف مباشر من المركز، بحيث تبقة ملكية منشآة النقل والتصدير مملوكة بالكامل من قبل الدولة وتدرا ايضا من قبل المركز، وعدا ذلك يجب أن يكون بتفويض.
العوائد النفطية: مهمة اتحادية تتعلق بوزارة المالية والبنك المركزي فقط، وتوزيعها مهمة حصرية للحكومة والبرلمان الإتحاديين.
توزيع عادل للثروة: مسألة اتحادية يحسمها البرلمان العراقي في النهاية.
وهكذا أصبح واضحا، الكيف وليس الكم، دور كل جهة من الجهات وفق الفهم الدستوري، ويمكن محاكمة أية مادة أو فقرة في قانون النفظ والغاز على هذا الأساس.
الجانب السياسي للموضوع:
نطرح هذا السؤال على أنفسنا قبل طرحه على الآخرين، مهما كان انتمائنا أو وضعنا بالنسبة للدولة أو العملية السياسية.
السؤال: ما هو سبب الخلافات الكبيرة والأزمات المتعاقبة والمركبة وذات الأبعاد الخطيرة في العملية السياسية العراقية؟
بالنسبة لي على الأقل، الجواب هو وجود أزمة الثقة بين الأطراف جميعا.
العراق ليس اسنثناءا من هذه الناحية، في العالم أجمع، تعززت الثقة بين الأطراف حين تسنى لهم فصل السلطات عن بعضها، وبدأ الفصل بالسلطات الثلاثة، لكن باقي المؤسسات سميت بالهيئات المستقلة كنوع من الإعتراف من قبل الجميع حول استقلاليتها عن السلطات الثلاثة الرئيسية بسبب طبيعتها المشتركة بين هذه السلطات الثلاثة من ناحية الوظيفة، لذا تصالحت الأطراف وسارت المراكب بإنسيابية وسيطرة تامة، إلا في العراق، لأن العراق مازال يبني نظامه السياسي وهو ما نسميه “”بالعملية السياسية”” التي يهدد البعض بالخروج عنها كلما اشتدت الأزمة، لأنها ليست مكتملة لحد الآن، وهذا ليس نقصا فينا، فإننا مازلنا نكتشف الجديد ونصلح البناء كلما اشتدت الأزمة.
على هذا الأساس سنتعامل مع أزمة قوانين النفط والغاز بالكامل، ونحاول من خلال التحليل معرفة موطئ القدم قبل المضي بالخطوة، فمازالت أمامنا أرض موحلة ومنزلقات خطيرة وأنفاق طويلة مظلمة وموحشة.
لكن يجب أن نمضي نحو نظام ديمقراطي إتحادي حقيقي ينسجم الجميع فيه ويحتوي كل الخلافات بين الأطراف العراقية المختلفة.
هذه محاولة للتفكير بصوت عالي حول قانون النفط والغاز المختلف عليه بين الأطراف المتعددة وليس الإقليم والمركز كما يوحي البعض، لذا أدعو الجميع للتفكير أيضا بصوت عالي وأن لا نخجل من ضحالة أفكارنا ولا نغتر من قوتها إن كانت كذلك، فمازال هناك الكثير من التعديل لهذه الأفكار لتتكامل وتتضح الصورة النهائية.
المجلس الاتحادي للنفط والغاز:
المجلس الاتحادي للنفط والغاز يجب أن يكون هيئة تهتم بالصناعة النفطية الاستخراجية وتصنيع النفط والغاز، وأن لا يقتصر عمله على الصناعة الاستخراجية وذلك لتداخل العلاقات بداخل هذه الصناعة وصعوبة الفصل بين أجزائها لوجود ارتباط عضوي لمراحلها المتعددة.
قبل أن نقترح بأن يكون المجلس الاتحادي للنفط والغاز هيئة مستقلة على غرار مجلس القضاء الأعلى وذلك لأهمية النفط والغاز بالنسبة لبلد مثل العراق، يجب أن نفهم حقيقة مهمة وهي أن المجلس الإتحادي للنفط والغاز يؤدي مهمة تنفيذية، بمعنى ليست تشريعية ولا قضائية، لكن هذه المجلس يؤدي مهمة رقابية من خلال الإشراف والمتابعة، حتى الميدانية منها، لذا له دور مشابه إلى حد بعيد دور البرلمان بالرقابة، وهو أشبه بدور هيئة النزاهة مثلا، التي مازال الجدل حولها قائما، هل هي تابعة للبرلمان بسبب هذا الدور أم هي تابعة للسلطة التنفيذية بالرغم من تعارض عملها مع هذه السلطة تحديدا، وبسبب طبيعة عملها التي تقع بين التنفيذ والقضاء، لذا فإن تابعية المجلس الإتحادية قد تبدو مبهمة بعض الشيء لحد هذه اللحظة على الأقل، فالإقليم يجد أنها أقرب للسلطة التشريعية ويحبذ إبعادها عن السلطة التنفيذية، في حين نجد مسودة الحكومة تؤكد عائدية المجلس للسلطة الإتحادية كونها تقترح أن رئيس الوزراء هو رئيس المجلس، ونائب الرئيس لشؤون الطاقة والوزير موجودون أيضا.
المجلس، إذا، لا يمكن أن يتبع مجلس النواب لأن طبيعة عمله لا هي تشريعية ولا رقابية، كما وليس محبذا أن يكون تابعا لمجلس الوزراء بشكل مباشر لأنه سيتأثر بشكل كبير بقرارات الحكومة وسياستها وتوجهاتها، في حين يفترض أن يكون المجلس يحمل صفة الاستقلال السياسي والصفة المهنية، لأن المهنية في الصناعة النفطية شرط لا يمكن المساومة عليه، والحكومة، أو أي حكومة، بطبيعتها ستحاول تسيس موضوع الصناعة النفطية وتجعل من هذا الملف خاضعا للصراعات السياسية وعرضة لتدخلات تعرقل العمل وتعيق اتخاذ القرارات، وهذا ما لاحظناه خلال عمل الحكومات التي توالت على العراق بعد سقوط النظام السابق، فلم نشهد يوما ما أن هذا الملف لم يكن لعبة بيد السياسيين وليس بعيدا عن صراعاتهم التي طالت كل شيء، لكن، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، بقي القضاء، بعيدا عن تلك التجاذبات بشكل كبير، وأفضل بكثير مما هو عليه الأمر بالنسبة لقطاع النفط والغاز.
إن استقلالية الصناعة النفطية عن القرار السياسي، يعطيها زخما قويا، ويدفع الجميع للذود عنها بدلا من أن تكون مستهدفة من قبلهم.
بالتأكيد إن جميع الهيآة المستقلة مثل النزاهة والمسائلة والعدالة وديوان الرقابة المالية والبنك المركزي، كلها هيئات مستقلة ذات طبيعة مشتركة بين السلطات الثلاثة الرئيسية، السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية والسلطة التشريعية، لذا أعتقد أن المجلس الإتحادي للنفط والغاز لا يقل شأنا أو أهمية عن هذه الجهات، ويمكن اعتباره هيئة مستقلة أيضا وأحد مؤسسات الدولة الإتحادية الديمقراطية.
ما تقدم يعني أننا وصلنا بالتحليل إلى فهم يقترب كثيرا من فهم الإقليم للوضع الخاص للمجلس
في الحلقة القادمة نكمل ما بدأنا به في هذه الحلقة
بغداد 2012-01-23

*مهندس مختص بإنتاج وتطوير الحقول