الرئيسية » مقالات » حوارات حضارية حول قوانين النفط والغاز-ثانيا

حوارات حضارية حول قوانين النفط والغاز-ثانيا

مناقشة:
نقرأ دراسة لجواد كاظم البكري نشرت على موقع الحوار المتمدن العدد: 2196 – 2008 / 2 / 19، نجد فيها أن الكاتب قد وقع، كغيره من الدارسين للفقرات الدستورية، ضحية لجهله بمفردات هذه الصناعة من الناحية الفنية، حين يتسائل “”السؤال المطروح هو بخصوص تكييف ما ورد في المادتين أعلاه (القصد هو المادة111والمادة112) فهل إنهما ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية أم إنهما خارج تلك السلطات الحصرية؟ وإذا لم تكن ضمنها، فهل هي من السلطات والصلاحيات المشتركة بين الاتحاد والأقاليم؟””، بالرغم من أن هاتين المادتين تقعان ضمن الاختصاصات غير الحصرية للحكومة الإتحادية، وهذا واضح جدا في الدستور، لكنه يجيب هو على ذلك السؤال بالآتي “”لذلك فالجدل الفقهي يدور حول تكييف ما ورد بالمادتين (111 و112) بخصوص النفط والغاز، ونرى صعوبة تكييفها على وجه يدخلهما ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية للسبب الذي ذكرناه سابقا””>
وهكذا نستطيع تفهم سبب حيرته كغيره وتساؤله، لأنه لم يستطع فهم هذه الصناعة على حقيقتها من خلال تحليل مفرداتها لكي يستطيع أن يزيل الضبابية، أو العتمة، التي تحيط بالموضوع، لذا لجأ إلى وضع إفتراضات وبنى عليها استنتاجات خطير تؤدي إلى مزيد من الخلافات بين الأطراف، فهو لم يأتي بجديد بل أعاد كتابة التفسيرات التي نشأ بسببها الخلاف دون أن يتنبه إلى ضرورة تحليل مفردات الصناعة الاستخراجية، واتخذ جانبا غير موفق بالتفسير، أو التأويل، فلو كان يعرف تفاصيل مفردات الصناعة النفطية لما وقع بهذه الأزمة لفهم المادتين، كونهما تقعان خارج الاختصاصات الحصرية للحكومة الإتحادية، فإن هذا يعني أنهما من الاختصاصات المشتركة بين الإثنين ولكن من حيث الأساس من الاختصاصات المركزية او الاتحادية بمشاركة باقي الجهات، فلو كانت المسألة تتعلق بتطوير حقل في محافظة ميسان فإن الموضوع من اختصاص المركز ومحافظة ميسان، ولو كان التطوير أو الاستكشاف على سبيل المثال في النجف فإنه يكون من اختصاصات المركز والنجف ولا دخل لمحافظة ميسان بالأمر، لذا فإن المركز يشترك مع الجميع ولا يشاركه إلا الجهة التي يتعلق أمر التطوير في أراضيها.
كما اسلفنا، إن كاتب التحليل كان في حيرة من أمره، لذا راح يضع افتراضات لتفسيرات غير موفقة للمادة الستورية111، ففي التفسير “”أولا”” نجده يقع بالخطأ الأول، بقوله “”لم تقل هذه المادة بان النفط والغاز ملك للدولة العراقية بل جعلتهما ملكا للشعب العراقي، وفي ذلك دلالة خاصة تخرجهما من كونهما من الأملاك الحكومية للدولة الاتحادية.””، وهكذا بضربة واحدة يخرج هذا الاختصاص غير الحصري للحكومة الإتحادية ويجعله من اختصاصت الإقليم، ولم ينتبه إلى حقيقة أن الحكومة الإتحادية منتخبة من قبل الشعب بكامله، وهذا الانتخاب يمنحها حق التصرف بملكية النفط شرط التزامها بالدستور، وهذا التفويض ضمني، ولا يقبل أي تأويل آخر، فحين نقول أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي فإنه من غير المنطقي، وفق الفقه الدستوري، أن يتصرف أي شخص عراقي كما يشاء بملكية عامة، ولا أي جهة يمكنها التصرف بهذه الملكية من دون تخويل.
في حقيقة الأمر أن الحكومات بذاتها لا تملك شيئا، وإنما تمتلك حق التصرف بالملكية العامة، لذا فإن أي ملكية تعود للشعب بكامله تسمى في الفقه الدستوري “”بالملكية العامة””، ويتفق على ذلك فقه اللغة والفقه السياسي، وليس بدعة منا القول أن الملكية العامة، مجازا، تعني ملكية الدولة، أضف الى ذلك إن الدولة كيان متغيير، وتتغير مع نتائج الإنتخابات في المجتمعات الديمقراطية، وقد تتغير بالإنقلابات في المجتمعات الشمولية على سبيل المثال، لكنها في نهاية الأمر ستذهب سواء بإنقلاب أو بثورة شعبية أو بأي وسيلة أخرى، لكن الشعب باق، وملكيته لا يمكن التصرف بها حتى من قبل أفراد من الشعب بصفتهم كأفراد، ولكن يبقى التصرف بها حصرا بيد الحكومة المركزية، مهما كان شكلها، ديموقراطية أم دكتاتورية، وتبقى هي التي تمثل كل الشعب، وليس بعضا منه، وحين تمنح الحكومة هذا الحق، فإنها تمنحه لجهات تعتبر جزءا منها، كأن تكون وزارة أو بلدية لمدينة، وذلك لكي تخفف الأعباء عنها.
في التفسير الثاني الذي يضعه الكاتب أعلاه، يقع بالخطأ الثاني، وهو أنه يضع الحكومات المحلية سواء كانت حكومة اقليم أو محافظة كصاحبة حق بالتصرف بالملكية العامة، بقوله “”أن شعب كل إقليم أو محافظة يملك النفط والغاز الموجودة في إقليمه أو محافظته وبهذا يختص هؤلاء بما هو موجود في أقاليمهم أو محافظاتهم””، ويمضي بالتحليل لينتهي عند استنتاج وهو أن شعب الإقليم هو الذي يحق له التصرف بملكيته كما يشاء وفق التفسير السياسي للمادة111من الدستور، أي بمعنى أنه يمنح مسؤلية التصرف بهذه الملكية العامة لحكومة الإقليم، بالرغم من أن هذه الثروة مملوكة من قبل الشعب الذي لا يعيش كله ضمن الإقليم، في حين في “”أولا”” أعلاه، رفض منح هذا الحق للحكومة الإتحادية المتخبة من قبل الشعب العراقي كله، وهكذا تناقض مع نفسه، وهكذا نجد من باب أولى أن يكون هذا الحق للحكومة الإتحادية للتصرف بملكية للشعب العراقي العامة، لأنها منتخبة من قبل كل العراقيين، ويبدو أن الكاتب قد انتبه إلى هذا التناقض مع النفس، لذا ذهب بعيدا بتفسير ثالث أعلاه قبل مراجعة المنطق بالتفسيرات المتناقضة، ولجأ الى التفسير السياسي كما أسماه، أي وفق الفقه السياسي، لأنه يتناقض مع المنطق بشكل عام ويتناقض مع والفقه الدستوري وفقه اللغة، وبهذا التفسير يكون الكاتب قد أسقط حق أبناء إقليم كوردستان في نفط البصرة أو نفط كركوك أو ميسان، في حين أن الإقليم يأخذ حصته من الميزانية العامة للبلد والتي تعتمد بتمويلها على واردات النفط من تلك المحافظات خارج إقليم كوردستان.
يبدو بوضوح أن كاتب الدراسة ليس فنيا، كأن يكون مهندسا يمتلك خبرة في مجال النفط، لأنه كغيره يتخبط بالتفسيرات لعدم وضوح الرؤيا له بتفاصيل مفردات الصناعة الاستخراجية، ففي الحقيقة إن للإنتاج جانبين مهمين جدا، الأول هو الجانب العملياتي للإنتاج، وهناك جانب يتعلق بالتخطيط لسقوف الإنتاج، والإلتزامات الدولية، وتحديدا مع دول الأوبك بما تفرضه من سياسات انتاجية على جميع الأعضاء، أيضا لدينا استراتيجية وطنية تتعلق بالإنتاج وسياسات وضعتها الدولة تتعلق بالإنتاج، وهناك جانب آخر ثالث بنفس الأهمية، وربما اكثر، وهو الجانب المالي، فإن العائد المالي سيكون، بلا شك، حصرا من اختصاصات الحكومة الإتحادية، وهي التي ستكون مسؤولة عن توزيعه توزيعا عادلا بين ابناء الشعب على أشكال مختلفة.
من الواضح هنا أن الجانبين الثاني والثالث من اختصاصات الحكومة الإتحادية، وهو مستمر حاليا ومستقبلا كذلك، حيث ثبت الدستور اختصاصات الحكومة الاتحادية، وهاتين المهمتين حصرا تقعان ضمن اختصاص الحكومة الاتحادية، أما الأول، أو الجانب العملياتي، فهو غير مشروط بأن يكون حصرا من اختصاص الآتحادية، فهو جانب يهم الإقليم والمحافظات ولكن ليس بشكل حصري، أي بمشاركة من المركز، وكون الإقليم والمحافظات لا تمتلك الوسائل التي تنتج بها النفط والغاز من الحقول المنتجة وقت كتابة الدستور والاستفتاء عليه من قبل الشعب، لأن كلمة “”المنتجة”” التي وردت في النص الدستوري في المادة112أولا، هي في اللغة اسم مفعول، وإسم المفعول يأخذ زمانه ومكانه من ضرف الزمان وضرف المكان في الجملة، فالزمان “”حاليا”” كما ورد في النص تعني وقت كتابة الدستور، أما المكان فإنه ضمنا يعني العراق بالكامل، لأن الدستور كتب لدولة العراق، وهذا لا يعني أن يتم تحميل هذا النص أكثر مما يحتمل، وأن يتم معاملة باقي الحقول النفطية أو الغازية على هذا الأساس كما هو الحال في نسخة مسودة قانون النفط والغاز والتي صدرت في شباط من عام2007، حيث تم على أساس من هذا الفهم الخاطئ لتقسيم الحقول على أنها منتجة حاليا، وأخرى مكتشفة لكن غير مطورة، وأخرى معروف عنها أنها تركيب جيولوجي يمكن أن يكون حاملا للنفط أو الغاز أو كليهما معا، لكن غير مثبتة على أساس واقعي من خلال الحفر، وهناك مناطق لم يجري بها أي عمليات استكشاف جيوفيزيائية، وطبعا لم يجري بها حفر استكشافي، وهكذا راحت المسودة بعيدا جدا وتم تحميل النص الدستوري أكثر بكثير مما يحتمل وأضيف للقانون أربعة ملاحق تحدد هذه المناطق التي ورد ذكرها، ومرة أخرى أقول، كلها جائت وفق تفسير خاطئ ولا يمت للواقع بصلة ولا يمت للفقه الدستوري ولا لفقه اللغة بصلة على الإطلاق.
ففي الواقع حين اسند دور الإنتاج للحكومة الإتحادية من تلك الحقول المنتجة وقت كتابة الدستور لأن لا الأقاليم ولا المحافظات تمتلك الوسائل المادية التي تستطيع بها إنتاج هذه الحقول، في حين أن الحكومة الإتحادية تمتلك تلك والسائل، وهي وزارة النفط والشركات المنتجة كشركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال وهكذا، أي أن استمرار الحكومة الإتحادية بإنتاج الحقول الحالية جاء كضرورة موضوعية للوضع القائم وقت كتابة الدستور.
كان ما تقدم فقط يتعلق بعمليات الإنتاج، أما الجوانب الأخرى من الإنتاج، أي الجوانب المالية والسياسات للاستكشاف، وإعادة التطوير، وتطوير الحقول الخضراء، والإنتاج، والتسويق فإنها كانت وستبقى حصرا من اختصاصات المركز وهو ما ورد ذكره في المواد110أولا ورابعا، والمادة80، كما وأن المادتين111و112 تقع ضمن الاختصاصات غير الحصرية للحكومة الاتحادية، أي أنها اختصاصات مشتركة ولكن بقيادة اتحادية كما أسلفنا، وإلا لوقعت ضمن اختصاصات الإقليم أو المحافظات غير الحصرية، أما المادة115، فإنها لم تعد تهتم بشأن النفط، لأن كل ما يتعلق بهذا الشأن قد نص عليه الدستور صراحة أو ضمنا، وليس هناك ما يدعوا إلى أخذ اختصاصات من قبل الإقليم أو المحافظات تتعلق بالنفط والغاز على هذا الأساس كما نصت عليه هذه المادة، والتي لا يجب أن تكون مثارا للجدل، لأنها واضحة جدا ولا تقبل التأويل مطلقا بشأن النفط.
كما ونلاحظ أيضا أن هناك تهميشا واضحا لدور الإقليم والمحافظة في مسودة قانون النفط والغاز التي قدمتها الحكومة الاتحادية خلال عام2011، وهذا غير مقبول أيضا، فإنها تهمل تقريبا بشكل تام دور المحافظات التي ينبغي أن تمتلك صلاحيات أوسع من الصلاحيات الحالية، ولم تعطي الإقليم حقه أيضا كونه يمتلك إمكانيات كبيرة في مجال الصناعة الاستخراجية ولديه دستور وقوانين وحكومة قوية وبدرجة تعتبر نسبيا عالية في تطورها، فقد أخذت المسودة معظم الاختصاصات التي هي مشتركة وجعلتها حصرية بدون وجه حق ولا مسوغ قانوني أو دستوري.
هناك إشكالية قد تطرقنا لها وهي أن الحكومة المركزية والإقليم والمحافظة كلها جهات تنفيذية، فكيف يتم تقسيم العمل بينها؟
في هذه الوقفة وقبل أن ننهي هذه المناقشة لابد لنا من توضيح مفهومي إدارة أي عملية ومسألة تنفيذ العملية، لأن الإدارة والتنفيذ كلاهما مفردات أو أدوات تنفيذية، وعلى هذا الأساس يتم تقسيم العمل، لنأخذ مثلا غير الإنتاج، لنقل الاستكشاف، وبما أن الحكومة المركزية هي جهة تنفيذية من حيث الأساس، وكذلك الإقليم والمحافظة، فإن الخلط يكون مبررا في هذه الحالة، فكلا الطرفين يقومان بتنفيذ عمليات الاستكشاف، لكن يتوضيح الأمر من خلال معرفة الجوانب الفنية التفصيلية لهذه المفردة أو أي مفردة أخرى من مفردات الصناعة الاستخراجية، وهكذا يتم الفرز، ولم يبقى مبررا للخلط.
الاستكشاف له عدة جوانب، وهي رسم السياسات، وصياغة الأنظمة المتعلقة به، وكتابة التعليمات، ووضع العقود المعيارية للاستكشاف، ووضع استراتيجية للاستكشاف وسياسات كثيرة تتعلق بالموضوع، كل هذه الجوانب تعتبر من اختصاص الحكومة الإتحادية، لكن بمشاركة فعالة من قبل الإقليم والمحافظات.
إما إدارة عمليات الاستكشاف، وتنفيذ العمليات الاستكشافية على أرض الواقع من مسوحات جيولوجية وجيوفيزيائية وحفر آبار استكشافية، وأخيرا الخروج بتحليلات ونتائج من تلك العمليات، كلها مهمات تنفيذية تناط بالإقليم أو المحافظة لكن يبقى للمركز حق المتابعة والإشراف والمحاسبة.
كل ما تقدم ذو طبيعة تنفيذية، وكلا الطرفين، المركز والإقليمالمحافظة هم جهات تنفيذية، وهذا ما يبرر الخلط، لكن إدارة الاستكشاف في الدولة ليست كإدارة الاستكشاف في المحافظةالإقليم، فالمركز يدير العملية من خلال وضع برامج الاستكشاف على المستوى الوطني ومتابعة تنفيذ برامج الاستكشاف من قبل الجهات المعنية على المستوى الوطني أيضا، ويضع العقود المعيارية ويضع التعليمات والضوابط للعمل الاستكشافي. أما الآخر على المستوى الجهوي يدير العمليات في أرضه، أي الإعلان عن الرقع الجغرافية التي يراد استكشافها والتي تم تحديدها من قبل المركز، ويتم التعاقد وفق الضوابط التي وضعها المركز، ومن ثم يتم التنفيذ من قبل الشركة أو مجموعة الشركات التي تعاقدت لتنفيذ عمليات الاستكشاف، وأخيرا الخروج بنتائج بعد تحليل المعطيات، وهكذا نجد أن الفرق بدا واضخا جدا بين الإدارتين التنفيذيتين، المركز والإقليمالمحافظة,
حين يشارك المركز بمتابعة الاستكشاف في الإقليم الذي ينفذ عمليات الاستكشاف في أرضه، فإن ذلك يعني أن المركز يراجع كل شيء للتأكد من التزام الإقليمالمحافظة بالخطة الوطنية، ومدى التزمها بشروط التعاقد الوطنية، ومدى التزام الإقليمالمحافظة بتنفيذ باقي التعليمات المركزية والأنظمة الملزمة التنفيذ، كما وحين يشارك الإقليمالمحافظة بوضع السياسات المركزية يكونوا قد تأكدوا من تحقيق مصالح الإقليمالمحافظة وسلامة السياسات من الناحية الدستورية، وعلى هذا الأساس يكون تقسيم العمل واضحا للعيان ولا يسمح بالخلط.
ويستمر الحديث في الحلقة الثالثة
بغداد 2012-01-23
*مهندس مختص بإنتاج وتطوير الحقول