الرئيسية » مقالات » مصير الكيان السياسي العراقي – 1 –

مصير الكيان السياسي العراقي – 1 –




يقوم الكثير من الكُتّاب و المثقفين بدراسة الوضع السياسي العراقي بالإستناد الى تحليلات سطحية و بمعادلات بسيطة، لا تخلو من العاطفة و قُصر النظر. إنهم يقومون بالتركيز على الحالة الحاضرة و عزلها عن الإمتدادات التأريخية و الإقليمية و حصرها محلياً و الإنشغال بالظواهر الآنية التي تفرض نفسها، دون الرجوع الى التأريخ القديم و المعاصر لتعقّب علاقات الشعوب و القوميات و الطوائف عبر المراحل التأريخية المختلفة، ليست في العراق فقط، و إنما في منطقة الشرق الأوسط و الأدنى و البحث عن الأسباب التي خلقت هذا الوضع، دون التمسك بالنتائج و الدوران حولها تائهاً. من أجل جعل هذه الدراسات متكاملة و شاملة و واقعية، يجب أن تكون الدراسات موضوعية و شاملة و علمية، مبنية على الوقائع التأريخية و السياسية و الثقافية و الإقتصادية و الفكرية و أن لا تهمل المُعتقدات و الخارطة الجغرافية لشعوب المنطقة. أما الكتابات الإستعراضية و الخطابية، فأنها عاجزة عن تغيير الواقع الذي يفرض نفسه و في نفس الوقت فأن مثل هذه الكتابات تضر بمصالح جميع سكان المنطقة، بغض النظر عن الإنتماء القومي و الديني و المذهبي، حيث أنّ التهرب من الواقع يُساهم في تعقيد الحالة العراقية و تؤدي الى تراكم المشاكل و إستمرارية معاناة الإنسان “العراقي”، حيث الحروب و الموت و الدمار و القتل على الهوية و الفوضى و الفقر و المرض و إستنزاف الثروات البشرية و المادية و الدوران في حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها.

لذلك ينبغي أن نكون واقعيين و موضوعيين في تحليلاتنا و نبتعد عن التمنيات و الرغبات و المصالح الشخصية و الحزبية و الطائفية و القومية، لنساعد شعوب المنطقة في محنتها و نوقف نزيفها و ننقذها من بؤسها و عوزها و جهلها و نوصلها الى بر الأمان و الحرية و الإزدهار و التقدم و ذلك بإحترام إرادتها في تقرير مصيرها بنفسها، كفاها القتل و الدمار و الخراب و القلق و اللاإستقرار!

إن الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط و الأدنى تم رسمها من قِبل الدول الإستعمارية دون مراعاة إرادة شعوب المنطقة في ظروف غير طبيعية و قلقة بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، إضافة الى فترة الإستعمار العثماني و التغييرات التي تمت في خارطة الولايات العثمانية خلال تلك الفترة. القوى الإستعمارية جمعت شعوب و قوميات و طوائف مختلفة مع بعضها و جعلتها شعوباً هجينة تعيش في كيانات سياسية مصطنعة، لخلق ظروف غير مستقرة في المنطقة، و التي بدورها تقود الى التخلف، لتسهيل السيطرة عليها و نهب مواردها الطبيعية و جعلها أسواقاً مربحة لشركاتها و منتوجاتها.

نتيجة التربية الخاطئة المستمرة منذ زمن طويل، فأن الكثيرين من الناس، قد تشبّع عقلهم الباطني بفكرة الدفاع عن الوطن و “قُدسية” حدود الدول المرسومة، دون أن يدركوا بأن مبدأ الدفاع عن الوطن لم يأتِ إعتباطياً، بل هناك مستوجبات و دوافع و شروط للدفاع عن الأرض التي يعيش عليها الإنسان. يدافع الإنسان عن وطنه عندما يوفر له الوطن الحماية و الحرية و وسيلة العيش الكريم. إفتقار الإنسان الى هذه العناصر أو بعضها، يُلغي واجب الإنسان و إستعداده للدفاع عن وطنٍ لا يحميه من الأخطار و الإنتهاكات أو يُقيّد حريته التي إكتسبها منذ أن ولِد حراً أو يُعرّضه للجوع و المرض و الذل الذي يهدد وجوده و يهدد كرامته كإنسان له حق الحياة و العمل و الضمان الإجتماعي و الصحي. لهذا نرى ملايين البشر يهجرون أوطانهم بحثاً عن الحماية و الحرية و العيش الرغيد التي يفتقدونها في أوطانهم. إن الإنسان هو محور الإهتمام و أن الأرض التي يعيش عليها، يجب أن تمنحه الحماية و الحرية و العيش الكريم ليكون الإنسان مستعداً للدفاع عن هذا الوطن بحياته و ماله، لأنه حينذاك سيكون أي تهديد للوطن هو تهديد للحماية و الحرية و العيش الكريم، التي يتمتع بها الإنسان في وطنه. بينما لا يكون هناك أي دافع يحفز الإنسان على الدفاع عن وطنه، عندما يكون الإنسان محروماً فيه من الحماية و يتم إنتهاك حرياته فيه و يكون عيشه و مستقبله غير مضمون، حيث يكون دفاعه حينذاك دفاعاً عن إستمرارية عبوديته و مظلوميته. الحدود الدولية ليست “مقددسة”، بل أنها مرسومة من قِبل الإنسان، حيث ظهرت و تظهر عبر التأريخ إمبراطوريات و دول و من ثم تختفي، كما أن حدود الدول غير ثابتة، تزول أو تتوسع أو تنكمش، تبعاً للظروف، و بذلك فهي في تغيير مستمر و التأريخ القديم و الحديث يشهد على ذلك. هنا لا أود التكلم عن مواقف القومويين و الإسلامويين و العنصريين من الكيانات السياسية و الحدود الدولية، لأنها مواقف معروفة و لا تحتاج الى المناقشة، حيث تستند مواقفهم على مصالحهم و تبعاً لأفكارهم الإلغائية، إلا أنه أود هنا الإشارة الى أنه من المؤسف حقاً أن الكثيرين من الذين يرون أنفسهم يساريين و الذين يدّعون بأنهم يضعون مصلحة الإنسان في مركز الإهتمام و يدافعون عن هذه المصلحة، يجدون أنفسهم يدافعون عن الحدود الدولية المصطنعة و يصرّون على إجبار الشعوب و القوميات و الطوائف المتحاربة و النازفة، على العيش معاً ضمن كيان سياسي واحد ضد إرادتها رغم أنها لا تستطيع أن تعيش معاً في هذا الكيان، حيث لا تربط هذه الشعوب و القوميات و الطوائف ثقافة مشتركة و لا مصالح و أهداف جامعة لها و التي هي من الأسس الرئيسة التي تستند عليها شروط و مقومات العيش المشترك، إبتداءً من العائلة و مروراً بالقبيلة و التنظيمات السياسية و الإجتماعية و الثقافية و القوميات و الشعوب و إنتهاءً بسكان الكيانات السياسية و التجمعات و الإتحادات الدولية، حيث أن العيش المشترك هو عقد إجتماعي و ثقافي و إقتصادي بين مجموعة من الناس التي لها ثقافة مشتركة و مصالح و أهداف تجمعهم و تتآلف بينهم. هكذا فأن تراكمات غسل الأدمغة حول “قُدسية” الكيان السياسي و حدود الدول قد غزتْ عقول حتى المُدّعين باليسارية و يبدو أن المبادئ اليسارية التي تعلموها خلال حياتهم السياسية و الحزبية عاجزةً عن منافسة فكرة “قُدسية” الكيان السياسي و حدود الدول، عند الكثيرين من المحسوبين على اليسار، حيث أن الفكرة الأخيرة مغروسة في العقل الباطن و أنهم معرضون في أية لحظة الى الإرتداد عن الأفكار الجديدة و يعودون بحنين الى مخزون العقل الباطن، حيث الأفكار المغروسة فيهم منذ صغرهم و التي تم تلقينهم بها في البيت و المدرسة و عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.

الآن بعد إنتهاء الحرب الباردة و دخولنا الى عالم العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات، أصبحنا نعيش في عالم جديد، حيث تتطور الحياة و المفاهيم و وعي الإنسان بسرعة و هذه التطورات تفرض على شعوب المنطقة إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة و تصحيح الأخطاء، التي تُعتبر جرائم كبرى بحق شعوب المنطقة و الإنسانية، التي تم بموجبها رسم الخارطة السياسية للمنطقة بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى و التي أدت الى إزهاق أرواح الملايين من البشر و إستنزاف الموارد الطبيعية للمنطقة و خلق أمراض جسدية و نفسية و إجتماعية مختلفة و سببت كوارث بيئية خطيرة. كل هذا الموت و الدمار و الأمراض و الفقر و الجهل، أنتجتها جريمة خلق الخارطة السياسية الإستعمارية للمنطقة. هكذا نرى بأن المنطقة مقبلة على تشكّل خارطة سياسية جديدة لها بعد أن تمرّ بفترة ليست قصيرة من الفوضى و الحروب الأهلية التي هي ضريبة لجريمة الرسم العشوائي لخارطة المنطقة من قِبل المستعمرين (الفاتحين الجدد!). بعد فقدان الكثير من الأرواح و الدمار الذي تتعرض له البُنى التحتية و الممتلكات، سينتاب المحاربون التعب و يجدون أنفسهم عاجزين عن الإستمرار في القتل و الدمار، فيضطرون الى هجر السلاح و بذلك تختفي أصوات الرصاص و المدافع و حينئذ تظهر معالم خارطة سياسية جديدة للمنطقة، تنعم الشعوب فيها بالإستقرار و تتفرغ للبناء و التطور.

قد يتساءل المرء لماذا لا يتم الإحتفاظ بالخارطة السياسية الحالية للمنطقة و تعيش الشعوب فيها متآخية و متكاتفة لبناء بلدانها دون الحاجة الى فترة من الفوضى و الحروب و الدمار و الموت، كما تعيش الدول الغربية؟ إن شعوب المنطقة هي شعوب متأخرة، حيث أنها لا تزال عبارة عن مجتمعات زراعية تحكمها العادات و التقاليد و الثقافة القبلية و الذكورية و المعتقدات الشمولية التي تؤمن بالحقائق المطلقة، و يسود هذه المجتمعات الفكر العنصري و الطائفي و الشمولي. نقطة مهمة أخرى في هذا الموضوع، هي وجود تراكمات تأريخية من العداء و الخصام بين الكثير من المكونات الإجتماعية لسكان المنطقة و تصادم معتقداتها و الإختلاف في سرد أحداث التأريخ، كما هو الحال مثلاً بالنسبة للشيعة و السُنّة. الفكر الشمولي الإقصائي لمجتمعات المنطقة قاد عبر التأريخ الى سيطرة طائفة معينة على الحكم و إستحواذها على السلطة و الثروة و سحق الطوائف الأخرى و إستعبادها، مثال على ذلك هو سيطرة الطائفة السُنية على الحكم منذ فترة الحكم الأموي، مروراً بالحكم العباسي و العثماني، و العهود التي تلت إنهيار الدولة العثمانية، مع إستثناءات قليلة لحكم الشيعة هنا و هناك و أغلبها كانت لفترة قصيرة، مثل حكم الفاطميين و الصفويين و الحكم الإيراني الحالي. كما أن الكورد و الأمازيغ و النوبيون و البلوش و غيرهم، تم إلغاؤهم منذ زمن طويل و تم تشتيتهم الى إمارات و من ثم قُسمت بلادهم و تم إحتلالها من قِبل عدة دول. يحصل التطور الإجتماعي بوتيرة بطيئة جداً، مقارنة بمعظم مجالات الحياة الأخرى. إذا تهيأت الظروف لمجتمع متأخر ما، مثل مجتمعاتنا، ليتطور إجتماعياً بصورة طبيعية، فأن هذا التطور قد يستغرق عدة أجيال، قد يمتد الى حوالي 100 سنة، لذلك من غير الممكن للمجتمعات المتخاصمة العيش معاً ضمن كيان سياسي واحد طيلة هذه الفترة الطويلة، بالإضافة الى أنه في حالة عيش هذه المجتمعات في حالة حروب و قتل و دمار، فأنها لا تتطور إجتماعياً في ظروف طبيعية و لا تجد بيئة مناسبة لكي تتطور و عليه فأن تطورها الإجتماعي قد يكون سلبياً و يحتاج الى فترة زمنية أطول بكثير، مقارنة بالفترة التي يحتاجها التطور الجاري في ظروف طبيعية.

إن الخلافات المذهبية و القومية ليست حديثة العهد. العداء السُني – الشيعي عمره حوالي ألف و أربعمائة سنة. كما أن العداء العربي – الكوردي بدأ مع تقسيم كوردستان بعد الحرب العالمية الآولى و خلق الكيان السياسي العراقي و السوري من قِبل بريطانيا و فرنسا و إستقطاع أجزاء من كوردستان و ضمها الى هذين الكيانين الجديدَين. هناك مَن يدعّي بأن الخلاف الطائفي ظهر بعد سقوط النظام البعثي في العراق و آخرون ينفون وجود مثل هذا الخلاف بين السُنّة و الشيعة في العراق. نتساءل هنا: لماذ إختار الشعب العراقي ممثليه في البرلمان العراقي على أساس طائفي و قومي، حيث صوّت المواطنون الشيعة لمرشحي الأحزاب الشيعية و العرب السُنّة لمرشحي الكتل السُنيّة و الكورد للكتل الكوردية؟ نتساءل أيضاً: هل العلاقات السُنّية و الشيعية على ما يُرام في الدول الأخرى التي تضم السُنّة و الشيعة، مثل البحرين (تبلغ نسبة الشيعة في البحرين 70% من سكان هذا البلد و السلطة بيد الأقلية السنية، بينما الشيعة مضطهدون فيها و أخيراً تم إستدعاء قوات سعودية الى البحرين لقمع ثورات و إنتفاضات الشيعة في هذا البلد)، السعودية، اليمن، لبنان، سوريا، إيران، باكستان، أفغانستان و غيرها من الدول التي تتواجد فيها السُنّة و الشيعة؟ إذن الخلاف السُنّي – الشيعي لا يقتصر على العراق لوحده و إنما هو خلاف شامل بين المذهبَين، بدأ مباشرة بعد وفاة النبي محمد و تعمّق أكثر بعد مقتل الإمام علي و تسلّم الحكم من قِبل الأمويين. منذ ذلك الحين و الحرب مستمرة بين الطرفين و وصلت هذه الحرب الى ذروتها عندما أعلن الإمام الحسين ثورته و التي إنتهت بقتله. لا يزال يتم إحياء ذكرى هذا الحدث الجلل من قِبل الطائفة الشيعية في كل أنحاء العالم. هذا يؤكد على أن الخلاف الطائفي كان موجوداً منذ تأسيس دولة العراق، إلا أن البطش و العنف و الإرهاب الهمجي التي قامت بإستخدامها الحكومات العراقية الشمولية المتعاقبة و التي وصلت الى ذروتها خلال فترة حكم البعثيين، كمًت أفواه الشيعة و بذلك تم فرض العيش المشترك بين الشيعة و السُنّة ضد إرادة الشيعة. اليوم، بعد زوال القوى التي كانت مسلطة على رقاب الشيعة، ظهرت العلاقات الحقيقية بين معتنقي هذين المذهبين. صحيح أن الطائفية و العنصرية مرضان خطيران، إلا أن أنهما تعيشان في النفوس و لا يمكن إنكارهما.

إننا كباحثين و مثقفين و كُتّاب، يجب أن لا نتهرب من الواقع الذي يفرض نفسه و أن الإفصاح عنه أو التغاضي عنه أو إنكاره، لا يٌغيّر شيئاً من هذا الواقع. الواجب الإنساني و المهني و نداء الضمير يحتّم علينا أن نعترف بالواقع كما هو، بعيداً عن العواطف و الأهواء و الرغبات و التمنيات و المصالح و نحلله بصورة علمية و على ضوء هذا التحليل نحدد الحلول الواقعية للمشاكل الموجودة و يجب أن يكون هدف الدراسات هو خدمة الإنسان و ذلك عن طريق مساعدته و دعمه لتحقيق حريته و سعادته و رُقيّه و رفاهيته.

هكذا بالنسبة للخلاف العربي – الكوردي، فأن النضال القومي الكوردي لا يقتصر على العراق لوحده، حيث أن الشعب الكوردي مشتت بين عدة كيانات سياسية و وطنه، كوردستان، محتل من قِبل هذه الكيانات السياسية، لذلك فأن نضاله هو في كل من (تركيا) و إيران و سوريا، بالإضافة الى العراق. إنه نضال شعب في سبيل تحرير وطنه و تحقيق حريته و الحفاظ على وجوده و ثقافته و التمتع بخيرات بلاده. لذلك فأنّ القضية الكوردية هي قضية إقليمية و دولية، يجب أن يتم تأسيس دولة كوردستان من قِبل الشعب الكوردستاني و وضع نهاية لمأساة هذا الشعب العريق و وضع خاتمة لنزيف الدم الكوردي والعربي و التركي و الفارسي و وقف إهدار ثروات المنطقة و البدء بالعيش المتكافئ لشعوب الشرق الأوسط و إعمار بلدانها و تطويرها و العمل على رفاهية شعوبها بدلاً من ويلات الحروب و الدمار و إراقة دماء بناتها و أبنائها و إزهاق أرواحهم البريئة.