الرئيسية » بيستون » الكورد الفيليون ..أزمة لغة أم لهجة أم وطن؟

الكورد الفيليون ..أزمة لغة أم لهجة أم وطن؟

في ظل الأزمة الشاملة التي يعيشها العراقيون يمر الكورد الفيليون بأزمات خطيرة تهدد وجودهم وثقافتهم وكيانهم بالكامل فمثلما تعرض الكورد الفيليون على مدى العقود السابقة لشتى أنواع الأضطهاد بسبب تعدد هويتهم الثقافية وأنتماءاتهم الفكرية ووفاءهم لهذه الأنتماءات يتعرض الكورد الفيليون اليوم لنفس عمليات الأضطهاد وإن أختلفت الوسائل بدلاً من أن يكونوا موضع أهتمام خاص من قبل الجميع بسبب عمق المأساة المزدوجة والمضاعفة التي عانوا منها على يد نظام البعث الشمولي الأجرامي من أبادة وقتل وأعتقال وتهجير وكل صنوف الجور والطغيان بالأضافة إلى سلب هويتهم الوطنية ومصادرة أملاكهم ووثائقهم الثبوتية. فبعد مرور مايقارب عقد كامل على أزالت النظام البعثي المجرم مازال الكورد الفيليين يراوحون مكانهم غير قادرين على أن يأخذوا مكانتهم الحقيقية في العراق الجديد ولا الحصول على أستحقاقاتهم الوطنية ولا حتى الأنسانية في ظل الصراع السياسي بين الكتل السياسية المتنفذه في الواقع العراقي الحالي والتي تحاول دائماً ألقاء اللوم على الخلافات الفكرية الطبيعية الموجودة داخل البيت الكوردي الفيلي متناسين أن هذه الخلافات هي نتيجة سياساتهم وخلافاتهم بشكل وبآخر. وهُم من عمل على إذكاءه وأن عدم حسم هذه الخلافات في الوسط الفيلي لصالح طرف معين هو نوع من أنواع التعبير الأكيد والراسخ بالتجربة الحقيقة عن وطنية الكورد الفيليين أكثر من غيرهم ووفاءهم للعراق بجميع مكوناته بالرغم مما يمرون به من ضغوط نفسية وسياسية وأقتصادية وأجتماعية.
ولقد وجدت في مسألة اللغة واللهجة نموذج لتوضيح الأزمة الفيلية فإن أزمة اللغة أواللهجة هي من المظاهر الواضحة والبسيطة والتي يمكن من خلالها تفسير وتوضيح جانب مهم من جوانب الأضطهاد الثقافي والفكري الذي يتعرض له الكورد الفيليون. فبالرغم من أعتزاز الكورد الفيليون بأنتمائهم المذهبي فأن العمل على دفعهم للتخلي عن هويتهم القومية تحت تأثير الأصطفافات الدينية والمذهبية السياسية بالأضافة إلى أستثمار العامل الجغرافي لكونهم يسكنون في مناطق تماس أو أختلاط مع أخوانهم العرب من العراقيين يشكل تهديد خطير لفقدانهم اللغة والثقافة بشكل كامل وهذا ما أكدته الحقب الزمنية السابقة لهذة الجيرة والتداخل السكاني مما أدى بالكثير من الكورد الفيليين كأفراد أو أُسر أو عشائر إلى النسيان أو التخلي عن لغتهم وأنتماءهم وفلوكلورهم بطرق متعددة قسرية وطوعية حسب طبيعة الظروف السياسية القمعية أوطغيان ثقافة ولغة الطرف الآخر كحالة طبيعية ناتجة عن الأختلاط العشوائي للتجمعات السكانية المختلفة أو هي نتاج مناهج قومية عنصرية متعصبة ومبرمجة كعمليات القمع والتعريب والتهجير الداخلي والخارجي المنظمة والتي مارسها البعث المجرم بكل وحشية.
كما أن الكورد الفيليين بالرغم من تمسكهم بأنتماءهم القومي ككورد فأن تبنيهم الثقافة الكوردية السائدة في كوردستان تولد لديهم شعوراً بأمكانية فقدانهم لخصوصيتهم الثقافية الفيلية والتي تبرز أكبر معالمها في اللهجة الفيليه بكل تنوعاتها المحلية بالأضافة الى الهوية المذهبية، والحقيقة أن مشكلة اللهجة هي مشكلة الكورد جميعاً رغم خصوصية الحالة الفيلية. فالتجمعات الكوردية كل حسب مناطقها أستطاعت أن تكون للهجاتها أرضيات ثقافية وأدبية وأعلامية ومدارس لتعليم اللغة الكوردية حسب اللهجة السائدة في تلك المنطقة بأستثناء الكورد الفيليين. وحقيقة الأمر أن تعدد اللهجات صفة طبيعية تمتاز بها كافة القوميات في المنطقة ولكن مشكلة الكورد تكمن في عدم الأتفاق على لغة واحدة كالعربية الفصحى مثلاً والتي ساعدت العرب في الأتفاق على لغة تعليمية واحدة ربما بسبب وجود القرآن الكريم والمراجع اللغوية الأخرى.
والوقع أن تمسك الكورد الفيليين بثقافاتهم وأنتماءاتهم هو ما يفسر سر قوة الشخصية الكوردية الفيلية في تفهم الجميع، حتى من هم خارج هذه الأنتماءات القومية والمذهبية، وسر تعاطفهم الوطني والأنساني مع جميع المكونات والأثنيات العراقية المتنوعة وكذلك قدرتهم المتميزة في تبني الكثير منهم للأفكار والأطروحات السياسية الليبرالية والتقدمية الوطنية. مما يخلق منهم نسيجاً وطنياً مهماً ورابطاً متيناً يحافظ على الوحدة الوطنية لو أُحسِن التعامل معهم وتمت مساعدتهم على حفظ تنوعهم الثقافي وعَلِمَ الجميع أهمية أحتفاظ الكورد بتنوعهم الثقافي وخصوصيتهم في الأشتراك مع الجميع برواط ثقافية متعدده ومتنوعة.
وعلى ضوء ما تقدم من الواضح أنه لايجوز أن نطلب من الشخصية الفيلية الوطنية التخلي عن أنتماءاتها المتعددة وخصوصيتها الفيلية وذلك لحقها الطبيعي في الحفاظ على ثقافتها وانتماءتها ومعتقداتها وكذلك لأهمية هذه الخصوصية في الحفاظ على الوحدة الوطنية بسبب أشتراكهم بها مع أكثر من مكون عراقي في المشهد السياسي المتصارع. فعملية نزع الثقافات المتنوعة أن كانت قومية أو دينية أومذهبية أوليبرالية سياسية لكي تكون مقبولة لدى طرف معين دون الآخر هي عملية تقوم بأعاقة الشخصية الكوردية الفيلية وسلب قدراتها المتميزة التي أكتسبتها بسبب هذه الأنتماءات المتنوعة وتعطيل أداءها ودورها الوطني وشعورها بالأنتماء لكل مفردات هذا الوطن الجريح الذي هو بأمس الحاجة لترسيخ ثقافة التقارب وتقبل الآخر في هذه المرحلة الحرجة من تأريخه العصيب.
الأداء السياسي العام للحكومة وبعض الأطراف السياسية والأعلامية الفاعلة في المشهد العراقي يتسم بالأهمال والتقصير الواضح أتجاه كل قضايا الكورد الفيلية كما أنه يحاول أن يصور أن مشكلة الكورد الفيليين تكمن في تشتتهم وعدم أتفاقهم على الأندماج مع طرف ما في الصراع. وفي الحقيقة أن ما يتميز به الكورد الفيليين هو تنوع ثقافي سليم وليس تشتتاً وأن ما يعتريه من بعض التوترات هي بسبب سياسة الآخرين أتجاههم خدمة لمصالح وتوجهات متطرفة وضيقة تقود العراق بأكمله إلى منزلقات خطيرة تهدد وحدته ووجوده. وأن التشتت والتمزق أنما يعبر عن نفسه وبأبشع صوره في مواقف الكتل والقوى السياسية الكبيرة في العراق. فمشاهد التناحر والقتل الجماعي والأغتيالات التي تنال آلآف الأبرياء والتي تحصل بين الكتل السياسية في الوسط العربي من العراق بسبب النزاعات والأجندات الطائفية المريضة، المحلية منها والأقليمية والدولية والتي تتمادى بعدوانها حتى بين أطراف من داخل الطائفة والمذهب الواحد.كما أن ما شهده الوسط الكوردي من مشاهد عنف وعدوان لتمزيق الصف الكوردي ومحاولة هدم التجربة الكوردية في أقليم كوردستان وأشاعة الفوضى تحت عناوين مختلفة بالأضافة إلى ما قام به مؤخراً بعض المتطرفون من حرق للممتلكات وأعتداءات صارخة بحق المواطنين الآمنين مما تُنبئ عن تنامي تيارات وتنظيمات أجرامية تصطبغ بصبغة دينية متطرفة وخطيرة يمكن أن تدمر كل ما أستطاع الكورد من بناءه خلال أكثر من عقدين من الزمن رغم الظروف الصعبة التي يمر بها العراق. هذه المشاهد وما سبق ذكرها هي التي تحتاج إلى أن توصف بالتشتت والتشرذم وليس الأختلاف بالرأي بين بعض المغلوبين على أمرهم من الكورد الفيليين الذين يحاولون الحفاظ على خصوصيتهم التي تجمع العراقيين وتوحدهم وتصب في مصلحة الجميع وتدفع بالصراع الذي يديره الأخوة الكبار بعيداً.