الرئيسية » مقالات » من آخر من لبس {البشتمال}؟

من آخر من لبس {البشتمال}؟

بشتمال كلمة تركية دخلت اللهجة العراقية وتعني الوزرة , التي يلفها القصابون وبائعي الشاي (الجايجية) على خصورهم أيام زمان .
كان المد القومي العروبي جارفا في ستينات القرن الماضي , حينها كنت طالبا في مدرسة النجابة الابتدائية في منطقة الشيخ علي في الكرخ بالقرب من مناطق الرحمانية والجعيفر والمشاهدة . كان اغلب سكنة هذه المناطق من أنصار الفكر القومي , لا يمر شهر إلا ونسمع عن تظاهرات جاءت إلى المدرسة يهتف منضموها بأعلى أصواتهم: (فلسطين عربية فلتسقط الصهيونية ) , يرشق المتظاهرون ابواب وزجاج المدرسة بالحصى, نغادر المدرسة وننضم إلى التظاهرة .
كان مدرس الرياضة في مدرستنا الأستاذ الفاضل المربي جلوب يرحمه الله , لايوافق على خروجنا , كثيرا ما كان يصطدم مع المتظاهرين ونجح في مرات كثيرة في كسب المعركة .تحضر الشرطة بزخة رصاص واحدة فوق الرؤوس يتفرق الجميع , فتسقط التظاهرة وتتفرق ولا تسقط الامبريالية ولا الصهيونية !!.
قال الأستاذ جلوب ذات يوم مخاطبا جمعا من الطلاب كنت واحدا منهم: (ما زلتم صغارا ولاتدركون معنى أفعالكم , ستكبرون وتعرفون ان قضية فلسطين مثل البشتمال ياهو الي يلبسه يكول اني صرت كصاب لو صرت جايجي , سوف تدركون لاحقا ان المتاجرة بالقضية الفلسطينة تجلب الكثير من المال والأنصار للساسة).
اللهم ارحم الأستاذ جلوب واجعل مثواه الجنة يارب , فلقد وضع بوقت مبكر أصبعه على جرح القضية الفلسطينية وفضح المتاجرة بها . مثلما قالها الراحل بورقيبة ذات يوم كلمة حق قلبت كل العرب الرؤساء وغيرهم ضده .
في بداية بواكير وعينا , ارتدى عبد الناصر بشتمال فلسطين ,أصبح رمزا بعدما شكل وجوده ووقوفه إلى جانب القضية الفلسطينية وقضايا نضال الشعوب المقهورة داعما , لكننا غادرنا عبد الناصر ومواقفه القومية المتطرفة بعدما غرس أنيابه في جسد ثورة العراق الوطنية , التي قادها الزعيم الشهيد عبد الكريم .لعبت مواقف جمال وإذاعته وجماعاته ورشاشاته دورا في نهاية ثورة الزعيم واستلام القوميين السلطة في العراق .
وعد عبد الناصر إسرائيل بالويل والثبور , لكنه فاز خطابيا وخسر معركته على الأرض بساعات .فتحت أذهاننا على مصطلح نكسة حزيران وكبرنا مع الهزائم والنكسات من النكسة إلى أخرى .
لم يغادر عبد الناصر السلطة , حتى لبس البشتمال الفلسطيني مدعي آخر هو القذافي , الذي تدخل وفرق الفلسطينيين فرقا وجماعات , ظل لأكثر من 40 عاما في السلطة يتوعد إسرائيل دون فعل , فعله الوحيد على الأرض كان بإبعاد فقراء الفلسطينيين والمصريين العاملين في ليبيا على الحدود كلما اشتد خلافه مع زعماء هذه الدول .ما ان انفرط (خرط) سوق صدام ودخل الأمريكان بغداد سلم القومجي الثوري القذافي برنامجه ومشاريعه التسليحية للغرب , ودفع لهم سعر تفكيك ونقل المعدات !.
لم ينتهي عصر معمر حتى لبس صدام البشتمال , هدد بإحراق نصف إسرائيل .احترق العراق كله بسبب حروبه ولم يحترق شيء من إسرائيل . حينما احتل الكويت , ساوم المجتمع الدولي مساومة غريبة , قال :انه لا يغادر الكويت إلا بعدما تغادر إسرائيل الأراضي العربية المحتلة !.
أما عائلة الأسد من الأب إلى الابن , هم أبطال خطابة دون فعل على الأرض , وهذه الجولان تشهد على ذلك .
لان العرب مغرمون ومولعون بالزعامات , ويحنون لماضيهم أكثر من عملهم لحاضرهم ومستقبلهم , فهم يحلمون بصلاح الدين آخر, يحرر القدس , لان صلاح الدين الأيوبي كان كرديا , فلا بأس ان يكون الفاتح المحرر تركيا مثل اوردغان . القادة الأتراك الحاليين فهموا نقاط ضعف العرب جيدا و وتفننوا بلبس بشتمال فلسطين بإتقان دخلوا بماضيهم العثماني الديني , وذلك لانحسار المد القومي والأفكار القومية , ولأننا دخلنا مرحلة الإسلام السياسي بامتياز ,لذلك لعب اوردغان على حبال الجهر بمعاداة إسرائيل عبر الخطابة والتهديد , بذلك اسر قلوب العربي وكسب ود المغفلين منهم ..
أرسل سفينة لكسر الحصار عن غزة , قتل على متن السفينة الكثير من فقراء الأتراك .اشتعلت حدة التصريحات الاوردغانية الفارغة , سمعنا جعجعة عثمانية ولم نر طحينا اوردغانيا !.
بعد ما جرى للسفينة التركية أمام سواحل غزة , خف وزن الزعماء العرب أمام شعوبهم , وسلموا أمرهم بيد الملا اوردغان .سمت نساء فلسطينيات مواليدهن باسمة , ارتفع سهم اوردغان كثيرا في بورصة الإعلام والنفاق العربي .أضحى الملا اوردغان حادي لمسيرة وهمية يحلم السائرون فيها بتحرير القدس .يجهر بالعداء لإسرائيل وهو صديق أمريكا المقرب !!!!!.
من يفك لي لغز ترابط العداء الظاهر لإسرائيل وصداقة أمريكا ؟.
هكذا يكون (المبطوح) سرا للغرب قائدا مجاهدا مسلما , لينفذ ما كلف به من أجندات , هو لايختلف عن أمير قطر.
بعدما استلم صولجان الزعامة من العرب , اعتلى كرسي السلطنة منتشيا بتسلمه أمر (الخرفان) من العرب . بدأ يمارس ما مارسه أسلافه من لابسي بشتمال فلسطين من الزعماء العرب , هاهو يتدخل بسوريا والعراق وليبيا ومصر ولبنان وتونس , بدور مرسوم له بعناية .
انتهت اللعبة وانتهى وقت عداء اوردغان لإسرائيل , لأنه كسب ثقة العرب عبر هذا الباب , ليبدأ مواجهته الحقيقية مع العرب .
لمن أخافته تصريحات اوردغان وكتب يسألني عن عواقبها أقول:
اوردغان ظاهرة صوتية , كسب من الإسلام والعرب دون ان يكسب الإسلام والعرب منه شيئا.
منذ سنوات الجيش التركي وارودغان يقفون عاجزين عن سحق مقاومة يقودها حزب العمال الكردي.
كيف إذا كان خصم اوردغان شعبا كاملا مثل الشعب العراقي؟.
(العراق اكبر من ان نخاف عليه) المهندس العراقي منهل الحبوبي
2012-1-29
Hassan_alkhafaji_54@yahoo.com
akhbaar