الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق :وما ادراكم ما بغداد؟

سلاما ياعراق :وما ادراكم ما بغداد؟

حين خرجت مهموما من هجوم المسرحي الذي جاء من الديوانية على بغداد، محملا اياها، تهميش فناني المحافظات، جلست لاستريح في شرفة للممثلية تطل مباشرة على النيل. والنيل الذي يخترق القاهرة يذكرني دائما بدجلة، رغما عني. نسيت، في تلك اللحظة، انه النيل وانها القاهرة، فطرت بمخيلتي صوب بغداد وكأني أطل على دجلة من شارع ابي نؤاس. يبدو ان غضب ابن الديوانية على بغداد كان له فضل في ذلك.

تساءلت في داخلي، عن سر غضب ذلك المسرحي، الذي رغم هجومه احسسته طيبا. فلا اصدق ان هناك عراقيا يكره بغداد. اللهم، الا اذا كان يكره الحياة والترافة والتبغدد. وصاحبنا لا اظنه كذلك، فعلى اقل التقديرات انه فنان. وضعت غضبه في خانة العتب. والعراقي قاس في عتبه كقسوة الدنيا عليه، فاعطيته شيئا من الحق.
بعد ان وفرت اكثر من عذر لابن مدينة الديوانية التي احبها لاسباب كثيرة احدها انها مدينة صديقي الشاعر الراحل صاحب الضويري الذي مات منتحرا فيها، بعد سلسلة انتحارات فاشلة. ثم ذكرته بما قاله الضويري، ايام الحرب مع ايران وانتشار “مكرمة” سيارات “السوبر” في ايامها كبديل لدماء القتلى من العراقيين:
الساتر الله من زمان السوبرات اوويل حاله الما يدبر لادة
يا عشك يا شوك يا حب يا بنات يا ابن زيدون يا ولادة
وحين ابتسم، اغتمنت فرصة ابتسامه، فتمنيت عليه ان لا يقسو على بغداد أو يظلمها، فالذي فيها مكفيها. لم يتراجع الرجل بل ركب رأسه واصر على انها “تعادي” الفنانين من باقي المحافظات واقسم على انه محق.
خطر ببالي ان اذكره بما قدمته بغداد لفنانين وشعراء جاؤوها من المحافظات مثل حضيري وداخل حسن وناصر حكيم وزهور حسين ووحيدة خليل ومسعودة العماراتلية وحسين نعمة وياس خضر ورياض احمد وكريم منصور وطالب القرغولي وكوكب حمزة وكمال السيد وعبد الحسين السماوي ويوسف العاني وبهجت الجبوري والجواهري والسياب والبياتي وزامل سعيد فتاح وعريان السيد خلف وغيرهم وغيرهم. لم اذكره لاني صرت مقتنعا بانه “مقفل” على بغداد “تقفيلة” لا ينفع معها حتى لو ذكرت له الف اسم واسم. لم أتألم منه، هذه المرة بل عليه، فقلت له حقك، لانك لا تدري ما هي بغداد. ثم تحسرت وانسحبت منه بهدوء.
حسرة أود البوح بها له ولمن أيده، وأيدنه، بهجومه على بغداد من المسرحيين العراقيين “الهواة” كما يصفون انفسهم. فهل يعلم هؤلاء بان صحفيا أمريكيا اسمه فريدريك سيمبتش قال عن بغداد، حين زارها هو وزوجته في العام 1914، بان شوارعها الخلفية كانت مزينة ومضاءة كأنها مسارح، حيث تتحول لياليها إلى نهارات؟ وانه قال ايضا عن المراكب النهرية التي تجوب دجلة بانها “مهرجان عائم من مسافرين، كأنهم ممثلو مسرحية باليه”؟
فهل يعقل ان مدينة كانت شوارعها مسارح ومراكبها مهرجانات للرقص، قبل مئة عام، تظلم فنانا أو تهمشه اليوم؟
اعتقد ان ما مر ويمر بنا، نحن العراقيين، من نكبات وويلات وانكسارات وخيبات، جعلنا لا ننسى انفسنا، فقط، بل وننسى بغداد ايضا.