الرئيسية » مقالات » الدم السوري ..بين الاخوان والسلفية

الدم السوري ..بين الاخوان والسلفية

نفاد صبر كبير ابدته المملكة العربية السعودية تجاه الارتباك الذي يسود مهمة المراقبين العرب في سوريا.. وغضب شديد عبرت عنه باعلانها سحب ممثليها من البعثة العربية المكلفة بمراقبة الموت المقيم في شوارع وازقة الشام,والتي يبدو ان اوراقها وتقاريرها لم تكن في مستوى توقعاتها او-آمالها على الاقل-بان الدابي ورفاقه سيكونون مؤهلين من حيث الامكانيات والكفاءة-بل وحتى النوايا-لانتاج مادة ملائمة لنقل الملف الى مستوى اعلى واكثر قدرة على الانجاز..وتجلى ذلك الغضب بوضوح من خلال الحاقها هذا القرار بعقد لقاء مع وفد المعارضة السورية أثناء اجتماع اللجنة العربية الوزارية الخاصة في سوريا، في اشارة اقرب الى الصراخ بان لا جدوى بعد الان من الحلول العربية..وان المملكة قد تقوم ببعض المقاربات والاتصالات والجهود المنفردة دون التقيد بالقرارات الصادرة عن الجامعة العربية..
وقد يكون هذا الغضب والتضجر موجها –على المستوى الاعلامي-في الكثير منه الى القرار العربي بالتمديد لمهمة البعثة والدعوة السوريالية الملتبسة للديكتاتور السوري الصغير لتكليف مهامه لنائب الرئيس،وتشكيل حكومة وحدة وطنية مع المعارضة، وانتخابات حرة، تمهد لخروجه من الحكم.. مما يخالف الاتجاه السابق الذي كان يستهدف شرعنة طلب التدخل الدولي كلاحقة حتمية للفشل المنتظر للحل العربي.
وعلى نفس المسار كانت”الاستجابة”الخليجية الجماعية للموقف السعودي التي تجلت باعلان دول مجلس التعاون الخليجي بسحب ممثليها “بعدما تأكد لديها استمرار نزيف الدم وقتل الأبرياء” طبقاً لما جاء في بيان الأمانة العامة للمجلس مع الالتزام”بكل قرارات مجلس الجامعة حفاظاً على وحدة الصف العربي رغم قناعة دول المجلس بضرورة أن يكون القرار الأخير أكثر قوة وان يكون عاملاً للضغط على النظام السوري كي يوقف القتل”.
وهنا قد لا يكون من سوء النية الانتباه الى ان الحديث عن “الاجماع الخليجي”قد يصطدم باستمرارالنشاط القطري المحموم –الاقرب الى العناد-لاقرار وتسويق هذه الخطة على مستوى الامم المتحدة دون الالتفات للمعارضة السعودية الاقرب الى الاحتجاج العلني على ادامة العمل بها..
كما ان استنساخ عناصر هذه الخطة “القطرية”من مفردات الخطة الخليجية لمقاربة الحراك الشعبي اليمني قد يعيد الى الاذهان قسرا تداعيات الانسحاب القطري المعلن , ,من المبادرة ونفض يدها من”الاجماع” الخليجي تجاهها وما حمله ذلك من ايحاءات غير مسبوقة باحتجاجها عالي الصوت -اعلاميا- على التفرد السعودي بصياغة الخطة المبنية على تعجل ومخاوف وقلق المملكة من الشرر المتطاير من حدودها الجنوبية والذي قارب ان يمس اذيال الحكم السعودي المتطير من الشعارات الثورية الشعبية..
وهنا قد لا يكون من التجني الاحساس بان التبرم السعودي الغاضب المتقاطع مع جهد الجامعة العربية وخطتها قد يكون موجها في جله الى الممارسات القطرية التي تستهدف ضمنا التيارات السلفية الموجودة على الارض والمدعومة سعوديا لصالح تقوية المواقف التفاوضية للاخوان المسلمين من خلال الاستنزاف السياسي والامني للنظام تجاه اقرار صفقة سياسية قد تطيح بالوريث مقابل الحفاظ على “التركة”الهيكلية للنخبة الحاكمة,وهو ما قد يضعف حد الهزال الموقف السعودي الذي مل من تنكب الطريق مراقبا الصعود المدوي المربك للجار الاصغر اللدود..
كما انه لن يكون من الصعب ملاحظة ان اطلاق بعض الاقلام المستأجرة في حملة محمومة من كيل اللوم والتأنيب لمواقف بعض الدول العربية غير المحبذة لنقل الملف السوري الى مجلس الامن لم يكن الا ذرا للرماد الاعلامي في عيون الشامتين وللحفاظ على بعض ماء الوجه لـ”الاجماع الخليجي”المزعوم..
ان الوضع الملتبس والمشوش للواقع السياسي اليمني الناتج من التدخل الخليجي في مسارات الحراك الثوري الشعبي قد يشي بمدى الضرر الذي من الممكن ان تحدثه المقاربات التي تستحضر التقاليد القبلية في الاحداث السياسية ومدى السوء الذي من الممكن ان يرافق تصدير الهواجس الامنية والصراعات البينية الى المجتمعات الباحثة عن الحرية والكرامة والحق في الحياة..وهذا ما قد يثير المخاوف من تعاظم الارباك الامني والسياسي للمشهد الشعبي في ارض الشام المنكوبة المستباحة من جراء ادخال الملف السوري في خانة التقاطعات والنزاعات الجانبية ما بين القوى المتصارعة على اشلاء الشعوب والباحثة عن مجد مغمس بالدم والآلام..
نخاف على اهلنا الكرام في ارض الشام من ان تصبح جراحاتهم وشظايا اجسادهم المسجاة على ارصفة الشوارع الثائرة مشروع فرص سياسية لهذا الطرف او ذاك او ورقة مطوية في سجل الخلافات والمناكفات العربية–العربية.. ونتألم لفكرة ان تكون دماؤهم رهن رمية نرد مهملة في جلسة مقامرة لا مجدية طويلة للفوز باللاشئ او محورا للتدافع ما بين اخواني انتهازي منتشي بالنصر او سلفي حانق مغبون ..ونشفق ..ونفرق من ان تتحول آلام السوريين ومكابداتهم الى فقرة لاخافة الشعوب وارعابهم من الانتفاض الثوري على اولي الامر من الحكام طوال العمر والعهد بالتسلط على رقاب العباد..ولكن تبقى لنا الثقة والامل بالشعب الذي استطاع ان يديم زخمه الثوري لكل هذه المدة في وجه اعتى القوى القمعية المنفلتة العقال في ان يستطيع تخليق الوسائل والمسارات التي تضمن له التحصل على حريته وحقوقه الاساسية في العدالة والتعبير والكرامة الانسانية..