الرئيسية » مقالات » التَزمُّت الديني ودوره في تخريب البُنية الأخلاقية

التَزمُّت الديني ودوره في تخريب البُنية الأخلاقية

مثلما يقال أن الحاجة هي أُم الأختراع فقد أبدعت قطاعات واسعة من مجتمعاتنا، أبتداءً من العلاقات العامة والخاصة التي يتعامل بها الكثير من الأفراد داخل الأسرة وفي المحيط الأجتماعي العام إلى الخطط والبرامج والأطروحات والعلاقات السياسية التي تحكم الكثير من القادة السياسيين ورجال الدين في تعاملهم فيما بينهم وما بين أوساطهم الجماهيرية مروراً بالكثير من الموظفين والتجار والأقتصاديين والصناعيين والتربويين والأعلاميين وغيرهم، في أبتكار وممارسة أدهى الطرق في الكذب والخيانة والغدر والنصب والأحتيال والألتفاف على القانون وتزوير الحقائق وفي مسائل مثل تعاطي الجنس والمخدرات وصولاً الى أرتكاب الجرائم الجنائية والسياسية والأقتصادية الكبيرة مثلما يحدث حالياً من أغتيلات وفساد وعمليات قتل جماعية أرهابية. وبعيداً عن الأدوار السياسية والأقتصادية للقوى الداخلية أو الأقليمية أو الدولية لابد من توفر عوامل نفسية تخلق لدى الفرد الأستعداد لأرتكاب هذه الأعمال من أي موقع كان. ولدراسة هذه الأسباب والعوامل فقد ركز الكثير من الباحثين على الجانب الطبي النفسي أو على العوامل الأجتماعية والأقتصادية والسياسية ولم يعطوا أهتماماً خاصاً للتأثيرات الأخرى كالعامل الديني مثلاً. على أعتباره وكما هو مشاع عاملاً يساهم في تقويم الأخلاق وليس العكس. ولو تجنبنا الدخول في مجال علم الأمراض النفسية التي تنشأ بسبب أعاقات نفسية خلقية مثل الأمراض الوراثية أو بعض الأمراض السايكوسوماتية، والمقصود هنا الأمراض النفسية التي تتسبب في مشاكل جسدية أو العكس، أو الأعاقات النفسية المكتسبة التي قد تنتج بسبب التعرض الى مشاكل خارجية مثل حوادث العنف والجريمة والكوارث الطبيعية وغيرها.فالعامل الأجتماعي مثل العادات والتقاليد المتخلفة ومظاهر العنف الأسري كسوء معاملة المرأة والطفل و وكبار السن والضعفاء بدنياً وذوي الأحتياجات الخاصة تسبب أضرار جسدية ونفسية خطيرة تهدد حياة الفرد وتصل في الكثير من فصولها الى القتل والأعاقات الجسدية والنفسية الشديدة وهكذا فأن تأثيرالعامل الأقتصادي كالفقر مثلاً يمكن أن يكون له وكما هو معروف تأثيرات خطيرة على السلوك البشري وبأشكال متعددة فبالأضافة إلى ما ينتج عن الفقر من فقدان فرص التعليم والتطور وأنتشار للجهل والفساد والمرض هناك تأثيرت مباشرة على سلوك الفرد بحيث تدفع به إلى أرتكاب أفعال لا أخلاقية بحيث تصبح سلوكاً ملازماً أو متلازماً له بمرور الزمن وتفاقم الحالة كما يمكن أن يكون للفقر نتائج أيجابية كحث الفرد على العمل والمثابرة والدراسة والبحث والنشاطات السياسية والأجتماعية للتخلص من حالة الفقر على الصعيد الشخصي للفرد أو المجتمع في حال كان الفقر منتشراً في وسط أجتماعي واسع. وكذلك يمكن أن تكون للعوامل السياسية مثل الأنظمة الدكتاتورية والأستبدادية والقمعية على تنوع أشكالها وأغراضها. فالممارسات القمعية والأستبدادية مثل الأضطهاد والأعتقال والتعذيب والقتل والتشريد تتسبب في مشاكل أجتماعية ونفسية وبدنية خطيرة ويمكن أن تؤدي إلى ردود أفعال فردية أو جماعية مقابلة وتشكيل قوى مناهضة وثورات ومقاومة قد تبدو في شكلها العام أيجابية ولكنها لا تخلو من ممارسات عنف وقتل وتدابير توصف بالذكاء والحنكة إلا أنها بالنتيجة تولد لدى الكثير من الأفراد القدرة على ممارسة أساليب وطرق تتصف بالغش واالحيلة والكذب رغم كونها مطلوبة وربما تعد كممارسات ملحة للتخلص من مثل هذه الأنظمة القمعية . والحقيقة أن الحديث عن مجمل هذه العوامل طويل ومتشعب وله جوانب أيجابية وسلبية بالأضافة إلى جوانب يمكن تسميتها بأيجابية سلبية مشتركة كثيرة ونكتفي بما تقدم منها لتسليط الضوء على أحد العوامل المهمة في هذا المجال وهو العامل الديني والذي لم يحظى ربما بالأهتمام الذي يستحقه في المجال السلوكي والنفسي النقدي في مجتمعاتنا. من المعلوم أن معظم الأديان تركز وتتبنى وتهتم بالجانب الأخلاقي عند الفرد بصورة رئيسية ومباشرة لذا فهي تتعامل مع مناطق حساسة في البناء الشخصي للفرد ومما هو معلوم أيضاً أن الأديان تسعى في مبادئها الأساسية إلى بناء الشخصية الأنسانية السليمة وتقويم ما أعوج منها بفعل أسباب أخرى وتعتمد معظم الأديان في ذلك على عملية ترسيخ الأعتقاد بالله والمعاد والحساب من خلال الثواب والعقاب كالأسقرار بالجنة أو جهنم ولترسيخ هذا الأعتقاد تستخدم كتب سماوية وسنن ووصايا تركها الأنبياء والرسل ومن تلاهم من حملة الرسالات والمؤمنون بها وكذلك مناهج ونصوص منها ماهو من أصل هذه الرسالات والكتب والسنن ومنها ماهو مستنتج منها كتفاسير أو كنصوص صريحة متخذين منها أحكام وقوانين وتعاليم وطقوس وعبادات تنظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع ويمكن ملاحظة تأثير هذه الأديان على سلوك بعض الأفراد والمجتمعات بصورة واضحة بحيث يمكن تمييز بعض أتباع هذه الديانات من خلال رموز أو ممارسات دينية تعبر عن هوية هذه الجماعات الدينية حسب تنوعها الديني أو المذهبي ويمكن أن تتحول بعض هذه التأثيرات إلى عادات وتقاليد أو تندمج مع عادات وتقاليد هذه المجتمعات بحيث يصعب التمييز بينها وبالنتيجة تكون هذه المجتمعات صفات ومزايا معينه تتميز بها عن بعضها. كما أن معظم هذه الأديان قد مر على أنبعاثها وأنتشارها قرون عديدة تجاوز البعض منها آلآف السنين وقد أعتنقتها أجيال متعددة كثيرة ومر الكثير منها بتغييرات وأنعطافات وتطورات خطيرة ومتعددة حسب ما تنقله كتب التأريخ وشواهده أو ما تعاقبت على ممارسته المجتمعات الدينية من تعاليم وطقوس تختلف كثيراً أو قليلاً عن مجتمعات مثيلة لها في الأعتقاد بدين معين واحد أو عن مجتمعات تعتقد بأديان أخرى مختلفة إلى يومنا هذا. وبالنظر إلى البعد الزمني التي أتخذته هذه الأديان وما نتج عنها من مذاهب ومدارس وأتجاهات دينية يفترض بها أن تكون قد بلغت الذروة في الترسيخ والتطبيق والتأثير لمبادئها وقيمها الأساسية وما لحق بها من تفسيرات وأستنتاجات وأجتهادات وتطورات وربما تتجلى مظاهر هذه الذروة في مجتمعاتنا الشرقية بالأضافة ألى الكثير من المجتمعات الآسيوية والأفريقية ولكي لا نخرج كثيراً عن صلب الموضوع ولتسليط الضوء على مجتمعاتنا الشرقية المعاصرة والتي تتصدر المجتمعات الأخرى في هذه الأيام بالتعبير عن هوياتها الدينية وتبنيها المناهج والأطروحات الدينية كنموذج واضح في تجسيد الثقافات الدينية وتأثيراتها.والوقوف على تناقضات واضحة بين المنهج والسلوك في مجتمعاتنا ومحاولة فهم أسبابها. فبعد هذا الأنغماس الواضح في المسائل الدينية وممارستها لابد أن نحصل على مجتمعات شبه مثالية في السلوك والممارسات الأخلاقية كالصدق والأمانة والأمن وأنعدام الفقر والأستقرار والرفاه الأجتماعي بجميع أشكاله كأهداف وأطروحات دينية تتشارك فيها معظم الأديان. ولكننا في الحقيقة على النقيض تماماً من كل ماذكر. بل أننا نلاحظ وبشكل عام أن المجتمعات التي تصطبغ بالصبغة الدينية هي أكثر المجتمعات المصابة بالأمراض الأخلاقية بأستثناء المظاهر التي هي بحد ذاتها من أعراض مرض نفسي خطير آخر يسمى بالأزدواجية. في الحقيقة أن المبالغة والأفراط في فرض التطبيقات الدينية والدعوة إلى الكمال والمثالية التي تدعو لها معظم الأديان الرئيسية والأستفادة من المُثل العليا كربط هذه التعاليم والقوانين الأخلاقية بالذات الألهية وبالرسل والأنبياء بالأضافة إلى أنتشار بعض الطقوس والعادات الدينية السيئة هي التي تكمن وراء هذه الأنحرافات كعوامل رئيسية في مجتمعاتنا. فمثلما ذكرنا أن الأستبداد والقمع والفقر والعادات الأجتماعية والعنف بكل أشكاله له آثارنفسية وأخلاقية واضحة يمكن أن يكون للدين آثار مماثلة ولكن بتأثير أكبر وأخطر من العوامل الأخرى. فمطالبة الفرد بتطبيقات وممارسات ثبت عدم قدرة الكثيرعلى ممارستها عملياً وفعلياً عبر التأريخ بأستثناء التظاهر بممارستها تخلق صراعات نفسية خطيرة لدى الفرد كالشعور بالذنب والأضطراب العام في السلوك خصوصاً في ظروف تكون فيه المجتمعات غارقة في التدين أو في حال أن المجتمع تحكمه سلطات دينية ويتعذر فيه على الفرد التعبير عن الرفض أو التمرد على الوضع والثقافة الدينية القائمة وبمرور الزمن يموت الأحساس بالذنب كشعور أنساني سليم يسمى بالضمير وبالتالي يكون الفرد قادر على ممارسة أي سلوك سئ دون تأنيب للضمير ويتحول الأضطراب النفسي إلى نوع من الأزدواجية المستقرة في النفس يصاحبه رياء لتجميل الصورة أجتماعياً وقدرة عالية على النفاق المقبول لدى الفرد أو ربما تتحول كل هذه الأمراض الأخلاقية إلى سلوك غير مدرك حتى من قبل الفرد نفسه بسبب ماتمرس عليه من قدرة فائقة على أرتكاب الأخطاء وتبريرها وتفننه في أظهار الصورة المخالفة تماماً لما في داخله من مشاعر وأحاسيس وبالنتيجة التطبع على ممارسة السلوك الغير سليم بشكل عام. خطورة العامل الديني لهذه الحالة التي يمكن أن تنتج بسبب عوامل أخرى أيضاً هو في ربطها بالمُثل العليا والذات الألهية كما أسلفنا فتمرد الفرد ولجوءه إلى الحيلة والكذب على سلطة الأسرة والمجتمع والحاكم المستبد أو أي نظام قسري ووضعي يمكن معالجته بالأضافة إلى كونه يبقى محدوداً بسبب محدودية المسبب أصلاً وأرتباطه بظروف زمانية ومكانية كذلك. أما قدرة الفرد على ممارسة مثل هذه الأساليب الملتوية مع المُثل العليا والمقدسات والذات الألهية التي ترسخ أيمانه بها بمرور الزمن تخلق منه شخصية خطيرة جداً فمن يستسهل التجاوز على ما يعتقد أنه الأعلى والأفضل والأقوى والمطلق في في كل شئ يهون عليه كل ما هو دون ذلك. فمثل هكذا فرد يسهل عليه ممارسة كل أنوع الفساد الأخلاقي وببراعة عالية في التبرير والأخفاء والتمويه ولا يتوانى من ممارسة الكذب والخيانة مع أقرب الناس أليه أبتداءً من الأسرة التي أنجبته ثم الشريك والأطفال إلى المجتمع بأكمله. وأخيراً فلاضير من الأشارة إلى الآثار الدينية الأخرى رغم أنها بحاجة إلى موضوع مستقل آخر فما هوشائع عن أنتشار الكثير من النصوص الدينية التي تنص على أن أداء بعض المراسم والطقوس الدينية يمكن لها أن تغفر للفرد جميع أفعاله أو أضعاف ما أقترفه من سيئات مقابل أداءها يمكن أن تعمق السلوك الأزدواجي واللاأخلاقي المنحرف وتبريرها بممارسة وأداء بعض هذه الطقوس كما أن إضفاء صفة القدسية والرهبة ودفع الفرد الى ممارسة التذلل والخضوع والتملق وتقبيل الأيادي لبشر عاديين مثله ولايختلفون عنه بشئ سوى الزي وربما معرفة بعض المعلومات والنصوص التي يمكن لأي أنسان تعلمها والتحدث بها وممن لم ينزل الله بهم من سلطان لها أنعكاسات خلقية وسلوكية خطيرة في أستعباد الأفراد ومسخ شخصيتهم بالكامل ونشر التخلف في كامل المجتمع والحقيقة أن رغم خطورة هذه الممارسات وتعدد تأثيراتها ونتائجها الواسعة التي لايمكن أستيعابها في مقال يبقى الخطر الأعظم هو الحظر المفروض في مجتمعاتنا على تناول مثل هذه المواضيع مما يعمل على تعميق وتعقيد هذه المشاكل والحديث يطول والله المستعان.