الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : سودة عليّه

سلاما ياعراق : سودة عليّه

ذات صباح شتوي، في منتصف السبعينات، أشيع في قطاعنا بمدينة الثورة أن جارنا الشاب حسن، الذي كان زميلا لي في الدراسة المتوسطة وتركها بسبب الفقر، قد دهسه “ماطور سكل” فأسرعت لزيارته. حسن، الذي كان يملأ القطاع صخبا ومرحا، وجدته ممدا يئن وساقه اليسرى مغطاة بالجبس.

بادرت: ها أبو افليح .. هذا انت النچر صادوك يغراب؟ لم يضحك ولم يرد علي الصاع صاعين كعادته، بل بكى. بعد لحظة صمت، التفت إلي شاكيا: “والله طكت روحي صار أسبوع اطلع للمسطر وماكو شغل. واليوم بزعت نفسي ودعيت ربي يشوفلي حل. اتصدك مليت من الدعاء فكتله يا ربي إذا ما تلكالي شغل اخذ روحي وخلصني. ووداعتك بعدني ما خلصت دعائي ولن الماطور يردمني”. ردت أمه التي كانت بجانبه: “ألف مرة كتلك يمه دعاوي البطر مثل رشك المطر، فلا تتبطر على ربك”. التفت إلي قائلا: “بربك آنا بطران، بالله هسه شكل للوالدة؟”. ردت الوالدة وكأنها ندمت: “سودة عليه. آنا شبيدي ييمه وشرد اسوي”، ثم انتحبت.
ويوم أمس خلال متابعتي حادث قتل العمال بساحة “مظفر” القريبة جدا من القطاع الذي كنا نسكنه أنا وحسن، ارتسمت أمامي صور أمهات وزوجات وبنات القتلى والمصابين، وقلت لنفس: كم واحدة منهن صاحت: “سودة عليه يمه أو بويه أو خويه؟
وظلت هذه الـ “سودة عليه” تروح وتأتي في مخيلتي. أكثر سماعي لها كان من أختي أم احمد، حتى صرنا نسميها ” أم سودة عليه”. كانت، لفرط طيبتها، تقولها لي إن جئتها فرحا أو حزينا. فأذكر مثلا إني يوم نجاحي أولا على كليتي بادرتني: “تستاهل سوده عليه لأنك تعبت هواي”. ومرة حين شكوت لها من تنكر احدهم لجميلي ردت: “إي سوده عليه ما عندك حظ ويا اخوتك”. وهكذا كانت تقولها عن ابنها يوم ساقوه للخدمة العسكرية ويوم تسرح منها (سوده عليه أخذوه للجندية، وسودة عليه اتسرح البارحة).
ليست أختي فقط، تلازمها “سودة عليه” بل إنها تكاد تكون لازمة عند جميع نساء العراق، خاصة في الجنوب. ولأن النبرة التي تلفظها بها نساؤنا قريبة جدا من نبرة التوجع والدعاء، تذكرت أم جاري حسن، وأنا أشاهد النساء المنكوبات بقتل ذويهن موشحات بالسواد والدموع، فانتابني هاجس أن يكون الله قد استجاب لدعائهن فمنّ عليهن بالسواد. ولربما دعاء البطر كرشق المطر كما قالت أم حسن. لكن أين هو البطر يا ترى؟
لم يطغ السواد في بلادنا كلباس للحزن لحد أن شاعرنا قال فيه: “كضينا الخام الأسود من الاسواك”، وحسب، بل ووصل لاغانينا. فمسعودة العمارتلية خلدته بأنتها: “سودة اشلهاني يا بويه مدري شلهاني، والمجموعة من خلفها تصيح: “سودة .. سودة”. وآخر يطل علينا بالعيد مغنيا: “عيدت كل الناس وآنه بسوادي”. يبدو أن بلدنا فعلا يستحق اسم بلد السواد بلا منازع.
عدت لمشهد الضحايا في تفجيرات أمس، فلاح لي الجزء الأسود من العلم العراقي وتمعنت به كثيرا. تذكرت أن ألوانه أخذت من بيت الشعر:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا
فعلا إن “وكعتنا” سودة ومصخمة. وإن كنت لا تدري، فسل عنها الحكومة، وليس “الرماح العوالي”، يا صفيّ الدين الحلي.