الرئيسية » مقالات » ضباط فاسدون يشترون المناصب ويبيعون السجناء..

ضباط فاسدون يشترون المناصب ويبيعون السجناء..

ضباط فاسدون يشترون المناصب ويبيعون السجناء..
بتاريخ : الثلاثاء 17-01-2012 10:01 صباحا

عن : الغارديان البريطانية ( كل الأسماء التي وردت في هذه المقالة غير حقيقية ) تعلّق ام حسين صور اولادها الاربعة المفقودين على جدران غرفتها، و كل صورة مؤطرة بالزهور الصناعية و الاشرطة الخضراء تعبيرا عن حزنها و غضبها . ام حسين لديها ستة ابناء، قتل كبيرهم على يد المسلحين السنة عام 2005 عندما سيطروا على المنطقة.

الثلاثة الاخرون تم خطفهم من قبل ميليشيا شيعية و لم ترهم ثانية . تعيش اليوم مع من بقي من عائلتها – ابنتها و ابنها الاخير ياسر و ستة من احفادها اليتامى – في شقة من غرفتين حيث تتسرب رائحة المجاري الكريهة و زيت الطبخ عبر ستارة تفصل المطبخ عن غرفة النوم . تبدو ام حسين في الستينات من عمرها، وغالبا ما تبدو مرتبكة وتتحدث مع صور اولادها و كأنهم احياء، ثم تصرخ فجأة على ابنتها كي تجلب الشاي. الوالدة قالت في حديث مع صحيفة الغارديان انها كافحت لاطلاق سراح ياسر من السجن ، حيث اعتقل عام 2007 و لم تسمع عنه شيئا طيلة ثلاث سنوات فاعتقدت انه ميت كأخوته. ولكن في احد الايام جاءها اتصال هاتفي من ضابط اخبرها بامكانية زيارته بعد دفع رشوة. فاستدانت المال من جيرانها و انطلقت الى السجن .تقول “انتظرنا حتى جلبوه لنا. كانت يداه و ساقاه مكبلة بسلاسل معدنية. ولم اتعرف عليه من اثار التعذيب. لم يكن ولدي بل كان شخصا آخر. رحت اصرخ واخذت ترابا من الارض و لوثت به رأسي. لكن السجانين سحبوني الى الخارج و لم يسمحوا لي ان اراه مرة اخرى. اخبرتهم باني فقدت اربعة اولاد ولن افقد ولدي هذا “. افراج بـ 6 آلاف دولار فيما بعد اتصل ضباط من السجن يطلبون رشوة كبيرة مقابل اطلاق سراحه وقالوا انه يخضع للتعذيب. قالت ام حسين انها ستدفع “ماذا افعل؟ انه ولدي الاخير الباقي. قلت باني سابيع نفسي في الشوارع مقابل ان يعود لي”. آخر الاتصالات جاء في كانون الاول ، حيث طلبوا مبلغا نهائيا مقابل اطلاق سراحه . تقول ام حسين ” طلبوا مني ستة الاف دولار ثم قالوا ثلاثة الاف. توسلت اليهم من اجل تخفيض المبلغ فوافقوا على الفين”. اوقفت سيارة اجرة و اخذتها الى مكان متفق عليه، وهو مسجد في ضواحي المنطقة. خرج السائق و سلّم المبلغ لرجل يقف في الزاوية هو ضابط شيعي يدعى رفيق. بعد يومين اطلق سراح ياسر. كان القاضي قد اطلق سراحه منذ ستة اشهر لكن الام لم تكن تعلم بذلك، حيث احتفظ به ضباط الامن في المعتقل حتى تدفع عائلته الرشوة . ان قضية ياسر هي جزء من الادلة التي جمعتها الغارديان ، تبين بان ضباط الامن في الدولة العراقية يعتقلون الناس على خلفية تهم ملفقة، ثم تقوم بتعذيبهم و تطلب رشاوى من عوائلهم من اجل اطلاق سراحهم. عدوى الفساد في العراق خلقت مهنة جديدة يشتري فيها ضباط الامن سلطاتهم في مناطق معينة من خلال رشوة السياسيين، حيث يدفع الضباط الصغار لمن هم اعلى منهم رتبة راتبا شهريا و الكل يحصل على حصته من المبالغ التي تدفعها عوائل المعتقلين . الشهود 5 ضباط قابلت الغارديان 14 معتقلا و خمسة ضباط في اقسام مختلفة من الدوائر الامنية في بغداد. جميع المعتقلين قالوا ان عليهم دفع المال من اجل اطلاق سراحهم رغم ان معظمهم اخلت المحاكم سبيلهم. يقوم الضباط بتغيير اعترافات المعتقلين – التي تؤخذ تحت التعذيب- مقابل المال. في احدى الحالات أتلف الضابط وثائق المعتقل مقابل رشوة مالية فاطلق سراحه لعدم وجود الادلة. اطلاق السراح ليس معناه الهرب، فحسب قول احد الضباط ان الذين يطلق سراحهم غالبا ما يعاد اعتقالهم لأن العائلة التي تدفع مرة من اجل اطلاق سراح ابنها تصبح هدفا للمزيد من الابتزاز . انقذته صور الأميركان تحدثنا مع ياسر الذي كان وجهه شاحبا. رفع قميصه ليرينا ندبات سوداء على ظهره من اثر التعذيب . قال ياسر ” طوقت القوات المنطقة و اعتقلتنا، و كان هناك اميركان التقطوا صورا لنا. ثم نقلونا الى وزارة الداخلية و هناك عزلوا اصحاب الصور عن غيرهم”. ان الصور هي السبب في بقاء اصحابها على قيد الحياة في ذروة الاقتتال الطائفي . مع ذلك فقد تعرض ياسر للتعذيب داخل الوزارة لمدة اسبوعين “كان التعذيب يبدأ في منتصف الليل وينتهي صباحا. يعلقون السجناء و يضربونهم بالعصي، و انا لازلت اتبول دما نتيجة الضرب على كليتي. يريدونني ان اعترف بالانتساب للقاعدة “. تم نقل ياسر الى قاعدة عسكرية شمال بغداد حيث راحوا يعذبونه لشهر آخر . حصلت الغارديان على اسماء الضباط و وحداتهم العسكرية. خلال تلك الفترة كان ياسر و زملاءه يتعرضون لضرب مستديم ” الكل يضربنا، عندما يقدمون لنا الطعام يضريوننا، و عندما ينقلوننا يضربوننا حتى اننا لم نعد نشعر بالالم. اسوأ الاوقات هي عندما يعلقوننا لست ساعات على حواجز النافذة بسلاسل السيارة او الاصفاد و يتركوننا هناك ، احيانا يلوون سيقاننا و اذرعنا حتى تنخلع اكتافنا”. ينتقل ياسر كل ستة اشهر الى وحدة جديدة او الى سجن جديد حيث يواجه نفس التعذيب و التحقيق. اخيرا، و بعد اربع سنوات و نصف من اعتقاله جلبوه امام القاضي. و بسبب عدم اعترافه طلب القاضي اطلاق سراحه .
اعتراف بمفخخة تحت التعذيب معتقل سابق آخر- دفع رشوة لاطلاق سراحه – اخبر الغارديان بانه اعترف تحت التعذيب بقائمة طويلة من الجرائم منها نصب عبوات ناسفة و اغتيالات و جرائم قتل . يقول الرجل الذي رفض ذكر اسمه ” علقوني بين منضدتين، و ربطوا ساقاي و يداي حول عصا. انهم يسمون ذلك ” القوزي ” ثم بدأوا بضربي بالعصي. اغمي علي فرشقوا وجهي بالماء و عاودوا ضربي. انتهوا من الضرب في الصباح / و في المساء بدأوا بتعذيبي ثانية”. في اليوم الثالث عندما لم يعد يحتمل الصدمات الكهربائية و الضرب قال لهم بانه سيعترف بكل شيء ” اعطوني ورقة وقعتها و قالوا لي اذا غيرت اعترافك امام القاضي فسنعاود تعذيبك مرة اخرى”. بعد ذلك بدأت المفاوضات مع عائلته. اعترافاته ستودي به الى الاعدام. اتصل احد الضباط بوالده فقامت العائلة ببيع الاثاث واستدانت المال لدفع مبلغ سبعة الاف دولار. بعد خمسة اشهر اطلق سراحه. سألنا ياسر لماذا لم يعترف باي شيء، ففي كل الاحوال كان عليه ان يدفع المال، فاجاب “لم افعل شيئا كي اعترف، كنت مستعدا للموت و ليس للاعتراف “. ضابط: نعلقهم بالسقوف كان رفيق ضابطا في اكثر الوحدات الامنية المخيفة في العراق، وحدة من وحدات مكافحة الارهاب في ذروة الحرب الاهلية، و المعروف عنه انه مدعوم من مجموعة موت مدعومة من الحكومة. يبدو مثل راقص في ملهى ليلي، طويل القامة ذا لحية حليقة، يلوح بيديه للمارة و عندما يضحك يكشف عن اسنان صفراء كبيرة. الناس في منطقته في بغداد يعاملونه بحذر شديد لأنهم يعرفونان لديه سلطة لأعتقال اخوانهم او اقرباءهم لعدة اشهر او لسنين. لكنهم في نفس الوقت يحتاجونه : انه مفاوضهم ووسيطهم. عندما يتم اعتقال شخص ما، يذهبون اليه طلبا للمساعدة، فيرتب لهم زيارة و يسمح لهم بادخال هاتف للسجين و يقلص عذابه و يرتب لاطلاق سراحه . كل ذلك مقابل ثمن . عندما التقيناه في كانون الاول كان يتفاوض مع عائلة معتقل، حيث وعدهم بارسال البطانية والطعام لولدهم و بايقاف تعذيبه. يقول الضابط الذي قدمنا الى رفيق و يعمل معه ” وصل الفساد الى ذروته، فالجميع من القمة الى القاعدة فاسدون. رفيق يحب المال ، دينه و مذهبه المال”. جلسنا في سيارته نتحدث. كانت عيناه – مثل باقي ضباط الامن – تتحركان يمنة و يسرة وهي ترقب الشباب الواقفين بالقرب منا و الشيوخ الذين يلعبون الطاولي و الباعة القريبين . قال ” نحن محايدون – مشيرا الى منتسبي وحدته- لم تعد لنا علاقة بالسنة و الشيعة. نحن مهنيون نعتقل السني والشيعي على حد سواء، لا فرق عندنا “. كيف تجبرون المعتقلين على الاعتراف ؟ ” نعلقهم من السقف ونضربهم حتى يصبحوا كالجثة بلا حراك، فيعترفون. النظام اليوم مثلما كان في ظل حكم صدام : امشي جنب الحائط و لا تتقرب من السياسة عندها يمكنك ان تمشي ورأسك مرفوع ولا تخشى شيئا. لكن اذا اقتربت من العرش فسينزل عليك غضب الله ، ونحن لدينا اعين في كل مكان “.
هكذا اعتقلنا حماية الهاشمي وصف لنا اعتقال حماية نائب الرئيس طارق الهاشمي قائلا ” ما حدث للحماية المساكين انهم تعرضوا للتعذيب مدة اسبوع، ثم جاءوا بهم مباشرة الى وحدتنا و تم التحقيق معهم بقساوة، حتى الضابط الذي معهم تم تعليقه من السقف. هل تفهم ما اقصد بالتعليق؟”. في داخل السيارة رفع يديه للاعلى خلف ظهره و قال ” يعلقونه هكذا، و احيانا يضربونهم بالعصي و الكيبل و احيانا يتركونهم معلقين لثلاثة ايام. يعذبونهم في محاولة لجعلهم يعترفون بتفجير البرلمان”. سالناه لماذا يجري التعذيب ليلا فقط، فيجيب ان مفتشي حقوق الانسان الذين يزورون المعتقل عادة ما ياتون خلال النهار، و في الليل هناك قاعة خلفية يجري فيها التعذيب ” حتى لو جاء المفتش فلا يجرؤ احد من المعتقلين على الكلام. في الاسبوع الماضي تلقينا شكرا من الوزارة على مهنيتنا “. يقول ياسر ان احد المفتشين دخل يوما الى سجنهم فوجده مستلقيا على ظهره لا يقدر على الحركة بعد ضربه ليلا ” سألني ما بي فاجبته باني كنت مريضا و سقطت عند ذهابي الى الحمام . لو قلت له انهم يعذبونك فسيقتلونك بعد مغادرة المفتش”. في احد المطاعم الراقية في بغداد التقينا عقيدا في وزارة الداخلية. كان يستمع لاشخاص يطلبون المساعدة في الحصول على جواز سفر او اطلاق سراح قريب لهم. كان ولده – الذي يعمل سكرتيرا و حماية له – يجلس و بيده دفتر و يحمل مسدسا. شرح العقيد كيف ان الفساد المتفشي وصل الى ابتزاز المعتقلين الابرياء وعوائلهم” كل شيء للبيع، كل المناصب في الحكومة للبيع. 300 ألف من مكتب المالكي تدفع 300 الف دولار لتشتري منصب مسؤول امني او قائد عسكري لمدة عام واحد تستعيد خلاله المال الذي دفعته. انه استثمار، لكن لا يمكنك ان تثق باي شخص في هذا البلد – ياخذون مالك و بعد سنة يتآمرون عليك و يرمونك في السجن، انهم كالذئاب”. احد الضباط التابعين له شرح لنا كيف يحصل الضباط على مناصبهم “القائد يشتري منصبه من السياسيين او من مكتب القائد العام . ثم يقوم بتاجير منصب ضابط التحقيق الى من هم دونه مقابل عشرة الاف او خمسة عشر الف دولار في الشهر حسب المنطقة، اذ ان المنطقة التي فيها مشاكل اكثر تكلف مالا اكثر اما الاقل مشاكل فثمنها اقل ، لأن اكثر الاعتقالات تجري في المناطق السنية. ثم ستسترد المال الذي دفعته من المعتقلين . احيانا تكون محظوظا جدا وتعتقل شخصا من القاعدة بالفعل، عندها تحصل على استثمارك بالكامل دفعة واحدة : ترتب له طريقة للهرب مقابل نصف مليون دولار “. يقول ان الفساد يكون احيانا وسيلة لتهدئة الضباط من اجل كسب دعمهم لكنه ايضا قد يكون وسيلة للسيطرة عليهم. عندما لا يريدون شخصا ما فانهم يتهمونه بالفساد . فاذا لم اشاركهم في شبكتهم الفاسدة يهددون بنقلي الى احدى الوحدات البعيدة. الجميع يبحث عن السلاح يبدو ان ايام الاقتتال الطائفي في بغداد قد انتهت. لقد اتخذت الطائفية شكلا جديدا. اليوم يتمسك السنة و الشيعة بمناطقهم المنفصلة المحاطة بالجدران. ان بعض افراد فرق الموت اصبحوا قوات حكومية ، و السنة يدعون الى الفيدرالية التي يعارضها المالكي . يقول الضابط الذي قدّمنا الى رفيق ” نحن السنة عانينا كثيرا من هذه الحكومة في السنوات الماضية – اعتقال و خطف و ابتزاز “. و يضيف ان الحل الوحيد هو عراق فيدرالي تنعزل فيه مناطق الواحدة عن الاخرى. في نفس الوقت يحاول الناس ابتكار وسائل لحماية انفسهم ” في الحقيقة ان الايام السيئة على وشك الوصول، فمنذ مغادرة الاميركان يبحث الجميع عن السلاح “. 
ترجمة / المدى
http://almadapaper.net/news.php?action=view&id=57772