الرئيسية » مقالات » أهالي الدهانة لا يحلمون بأكثر من هواء نقي وشوارع نظيفة

أهالي الدهانة لا يحلمون بأكثر من هواء نقي وشوارع نظيفة




نوافذ امانة بغداد تطل على”خيسة” الدهانة


أهالي الدهانة لا يحلمون بأكثر من هواء نقي وشوارع نظيفة



بغداد ـ بيداء كريم:


الصور بعدستي



وانت تتجول في أزقة الدهانة تطغى رائحة المجاري والمياه الآسنة حتى على رائحة الطعام اللذيذ الذي تطهوه البغداديات، تارة تسد انفك وتارة تحمل اطراف ملابسك لتقفز على قطع من الطابوق المرصوف بجانب الحائط لكي تستطيع ان تعبر مياه المجاري الطافحة، اما عندما يحل الغروب ويعلو الأذان في الجوامع فلن تجد سبيلاً لأن تمشي في تلك الأزقة الا اذا حملت مصباحاً حيث الظلام يكتسح الأرجاء لينهي رحلة يوم شاق يقضيه الاهالي مع العفونة والفضلات الثقيلة،هذا الحال يتكرر على مدار الايام الاعتيادية أما في الأيام الممطرة فأن مياه الامطار ومعها المياه الثقيلة التي تدخل الى البيوت حسب ما يتحدث به السكان، والمضحك في الامر ان نوافذ امانة بغداد تطل على هذه المأساة الانسانية حيث معاناة الاطفال عند ذهابهم وأيابهم الى مدارسهم بل حتى ان اغلبهم قد استغنى عن مقاعد التعليم والدراسة، وملامح وجوه العجزة وكبار السن تلح متسائلة: اين امانة بغداد ؟


مقابل كل ذلك فحين تكون في الدهانة المحلة البغدادية القديمة تشعر بالألفة والود يملآن صدرك فهنا السكان تميزهم الطيبة وحب المعشر والعلاقات الانسانية الحميمية كما يلتزمون حقاً بآداب الجيرة الحسنة والعادات البغدادية إذ لم تؤثر فيهم بعد تلك العادات الدخيلة التي سادت بعض المناطق.



بداية كان لقاؤنا مع الحاج حسن علي محمد من سكنة المنطقة الذي تحدث بشكل موجز عن اصل تسمية المنطقة بالدهانة وتاريخها العريق قائلاً:


تقع محلة الدهانة بين محال سوق الغزل وصباغي الآل ورأس القرية وعدت في العصر العباسي ضمن من محلة المأمونية ، وعرفت في العصر العثماني بالدهانة نسبة الى باعة الدهن الذين تكثر محالهم هناك، ومن معالمها سوق العطارين والاعشاب الطبية وسوق القصابين وسوق علاوي الحبوب نهاية سوق الدهانة، احتفظت الدهانة بسوقها الشعبي، وتنتشر فيها بعض المحال والدكاكين، منها ماتهتم ببيع القطن والندافة واخريات لبيع الليف والشموع المصنوعة محلياً كذلك ينتشر الجراخون والنجارون والحدادون اضافة الى بيع الحبوب والتوابل. ومن معالم هذه المحلة خان الوقف وفيه دكاكين لبيع الخضروات بانواعها.




نحن بانتظارك يا معالي الامين!




الحاجة خيزران رحمن تسكن هنا منذ مايقارب الاربعين عاماً كانت تعيش ذكريات جميلة في منطقتها مع جاراتها الذين رحل بعضهم قسرياً بحكم “التسفيرات ” ومنهم من هاجر ومن تهجر .الحاجة اليوم تعيش على ذكريات الماضي فحلاوة الجيرة تنسيها مأساة المنطقة اليوم من بيوتها العتيقة المحملة بعبق التاريخ ، تحدثت الينا الحاجة عن وضع المنطقة البيئي قائلة:


حال المنطقة بدأ يتغير تدريجياً منذ”15 ” سنة نحو الأسوأ فإضافة الى منازلنا القديمة التي بالكاد تقف لتضم ارواحنا بين اضلعها هناك المجاري الطافحة على مدار الايام، فنعاني القذارة والروائح الكريهة والفضلات الثقيلة وحاولنا الاستنجاد بامانة بغداد شكونا لها حالنا عن طريق مختار المنطقة ومجلس البلدية لكن العمال حين جاؤوا لم يبدؤا بالعمل إنما بدؤوا بجمع الأكراميات انهم يتعكزون بعذر ازلي الا وهو وجود كسر في المجاري الرئيسة وعليه تحتاج الى صيانة وحفر وهذا امر نراه وكأنما هو عمل تعجيزي غير قابل للإنجاز من أجل الحد من المشكلة التي سرعان ما تتكرر.




زيارات عديدة.. ولكن؟




في زقاق ضيق تعلو بيوته الشناشيل كان لقاؤنا بالحاج ابو احمد الذي بدأ منفعلاً مستغرباً متسائلاً كيف بأهالي بلد النفط يعيشون في بيئة قذرة ويلبسون في اقدامهم الجزم انظروا حال المجاري انها دوما سيئة فكل منزل لديه عدة جزمات لكي يستطيع اهالي المنطقة من العبور والسير بيسر وسهولة من دون ملامستهم لتلك القذارة حتى بات اغلب اهالي المنطقة ان يحولوا مرافقهم الصحية الى “الدربونة ” كي لا تدخل المنزل الفضلات الثقيلة على الرغم من ان مجاري المنطقة مسدودة كما هو حالها الا انهم يجدون هذا الحل افضل لهم ، في موسم الشتاء تبدأ المأساة بالازدياد فتغرق اغلب المنازل ويغادرها ساكنها لصعوبة التعايش مع هكذا وضع لايحتمل.


يشاركه الحديث جاره صادق محمد مراد الذي شرح لنا ماهية المشكلة الرئيسة قائلاً:


المجاري الثقيلة لايتم فتحها بل يفتحون فقط المطري مع جمع الاموال بشكل متكرر، بعد يوم من فتحها تعود المجاري على حالها المزري، وقد زارتنا عدة شخصيات لدراسة وضع المنطقة منهم مدير عام ماء ومجاري بغداد ومدير عام من قبل امانة بغداد حتى انهم قالوا ان الحل في ان تدفنوا المنطقة فاستغربنا لحلولهم البائسة، كذلك استطلعت المكان فرق فنية اجنبية ووثقت الموضوع فوتوغرافياً وبشكل تقارير الا ان الحال بقي على ماهو عليه، وبقيت اكياس النفايات الممزوجة بالمياه الآسنة تتكئ على حائط كل دار.ويسترسل بالحديث قائلاً: ان العمال تابعون الى متعهدين يتعاملون مع امانة بغداد على كل منهول يأخذون “7 “دولارات للتنظيف..


العامل الرسمي هو”شعبان المصري ” يتردد على المنطقة بين الحين والآخر لكن ليس له لاحول ولاقوة فقط لديه ادواته البسيطة التي يفتح بها المجاري ولو بشكل بسيط جدا.



للصبر حدود




سوسن كاظم زوجة لمعوق حرب وام لعدة ابناء تعيش في منزل يرثى له وبدلاً عن ان تفتح بابها على شواطئ دجلة تجد ساقية المجاري تلاصق باب الدار مليئة بالقاذورات والروائح الكريهة والفضلات الثقيلة تحلم بأن ترى الطيور تغرد وتشم رائحة الزهور الا ان امانيها تعدها اضغاثُ احلام، فتقابل قدرها النحس لتبكي حسرة على زوجها الذي يلازم الدار عدة شهور لصعوبة خروجه من المنزل ومناطقهم على هذه الحال السيئة، الا ان الوضع المتردي لايقتصر على طفح المجاري فقط بل الدهانة عبارة عن معامل ومحال ومصانع وسكلات للحيوانات ومكبات للنفايات، وطوال الليل لانسمع سوى زعيق الحمار الذي انسانا روعة اغاني ام كلثوم الا من اغنيتها التي نرددها دوما” انما للصبر حدود ” وصبرنا قد عبر الحدود.


امين المنطقة نجم مراد نور تجول معنا ايضا في أحد أزقة منطقة الدهانة ليرينا مأساة أهالي منطقته..


أنها ثلاثون سنة من المعاناة والمجاري على قدمها ومعامل حب عباد الشمس ومعامل البهارات تعمل وسط الاهمال في الخدمات..


كل شيء هنا يشكو الاهمال، الذي زاد الامر سوءا هو وجود المولدات الكهربائية وسكب الدهون في المجاري وتلك الروائح المسببة للكثير من الامراض، شبكات المجاري نفذت عام 1979 وقد ربطوا كل المنازل ضمن المجرى الرئيس وهذا الربط الاعتيادي للشبكة لكن في مطلع الثمانينيات زارتنا مهندسة عراقية وقالت ان هذه الشبكات صممت بشكل خاطئ والانابيب ربطت بمستوى الارض وهذا لايجوز والمنهول قابل للتكسر والتكلس وصغير جدا، ولايوجد منفذ الا واحد وهو سوق سكائر الشورجة تدخل عن طريقه السيارة لتنظيف المجاري وعليه لايمكن للسيارات الكبيرة ان تدخل المحلة مع وجود شافطة واحدة فقط اي لاتوجد هناك موازنة اربعة عمال على 56 زقاقا شيء غير معقول.


حاولنا مخاطبة عدة جهات عن طريق المجلس البلدي لقاطع الرصافة فالتقينا المدراء العامين في الامانة وتجولوا في الدهانة، المجلس البلدي بدوره يقوم بمخاطبة امانة بغداد والنتيجة لاشيء.



نافذة أمل وسط العفونة




ونحن بجولتنا دخلنا بيتاً حسبناها في بادئ الامر كهفاً صغيراً بعيداً عن الشمس والضوء وهناك التقينا ام كرار وهي تلح باصرار على مواصلتها للعيش ليزرعوا في غدهم المجهول أملاً اعرج وذلك بتعليق الزهور الاصطناعية والصور الجميلة على الحائط رغم المعاناة التي تعيشها هي وعائلتها خصوصا في موسم الشتاء شرحت لنا الحال قائلة:


اننا نعد انفسنا من الناس المنسيين ونسمي الدهانة منطقتنا ” بنقرة السلمان” حيث المنازل تريد السقوط الا ان اغصان الورود تسعفها فتستقيم من جديد، عادة في فصل الشتاء انقل كل حاجيات المنزل الى الطابق العلوي المكون في تلك الغرفة العتيقة مشيرة بأصبعها الحزين بما في ذلك الطباخ لاننا لانستطيع السير في الطابق السفلي الا” بالجزم “، اطفالنا دائماً يمرضون من سوء البيئة وما تحويه منطقتنا من تلال النفايات حيث الاوبئة والذباب المتطاير وكأنه فراشٌ ولكن بلون اسود.


ولعل من الملفت في الدهانة وجود الحاجة ام عادل البالغة من العمر تقريباً 60 عاماً تسكن في منزلها لوحدها وضعت هذه السيدة لنفسها جدولا ومنهاجا تسير عليه يوميا فبدلاً عن ان تستريح في دارها لتلقي تعب السنين جانباً، تراها كل صباح تتحزم لتبدأ حملة التنظيف اليومية من أول الفرع الى اخره فتعبئ الاكياس بالأوساخ والقاذورات وأنها تأبى ان تعيش في جو قذر هي وجيرانها فتبذل مجهوداً غير عادي دون اي مقابل، تعلق على اسئلتنا باستغراب شديد: ماذا تعني كلمة بيئة؟.

03/01/2010
موقع النور