الرئيسية » بيستون » الكورد الفيلية.. سجل ثقافي بقصة

الكورد الفيلية.. سجل ثقافي بقصة

طالب تبعية … بالشمع الأحمر

منذ سنين تلت لم يتح فيها للقمر ان ينشر ضوءه الهادئ بل أزدحمت فيها الظلمات وانتشرت فيها الخفافيش وحجبت الشمس وقد احتملنا فيها اثقالها وهمومها ونهضنا بأعبائها مختنقين حابسين مرارة الضياع وراء ابتسامة كاذبة خائفة مرتجفة لنستيقظ على عمرٍ ضاع وسط كل هذا الظلم والتعسف ولكي لاننسى ونحن في زحمة ضياعٍ آخر لابد لنا ان نستذكر الكثير من تلك الحكايات التي ظُلمت فيها العديد من العوائل التي استطاعت ان تقول بشكلٍ علني او بصوتٍ خافت لاللظلم لاللطاغية.

تتزاحم الذاكرة بالكثير من المشاهد المعبّأة بتلك التفاصيل الحادة التي يصعب نسيانها .. فلاشات من الماضي؛ تنبعث منها رائحة الدم، والقهر، وتتردّد في فضائها أصداء أحلام مفقودة عن عمر بدأ فصوله الأولى مزهوًّا بطاقة الشباب، مشبعًا بالإحساس الجميل بنداء الحياة عمر النشوة والانطلاق والقفز عالياً بمرحٍ لايشبهه أي مرح.. مرح التفاخر والزهو بالجمال وذلك الأنتعاش الذي كان بداخلنا وقتها بأرتقائنا السلم العلمي الذي كنا نتصور انه سيقودنا الى مانرجو إليه من مستقبل وابواب مشرعة نحو غدٍ اجمل…ومستقبل لانحلم به فقط بل نعيشه.

أشمّ رائحة خيبتي

في ذلك الوقت، وتحديدًا نهاية عقد السبعينيات، وبداية عقد الثمانينات، كانت كل تلك المشاعر الجيّاشة قارة في أعماق الفتى اليافع ( طالب ) الذي كان يدرج في سنواته الجامعية الأولى. كان

يعيش في كنف عائلة كوردية فيلية بسيطة، تنعم بالدفء العائلي، وفي وطن منّ الله عليهم بأن يكونوا من أبنائه.. العراق. يعيش طالب في أحضان أم مُحِبَّة، وأب يتفاخر ويتغنى بحبه لهذه الأرض، وأخوة وأخوات بأعمار مختلفة .. فأخواه قاسم وحازم كانا قد أكملا المراحل الجامعية ووجب عليهم أداء الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت مفروضة على كل شاب يُنهي مراحله الدراسية.. ليجدا نفسيهما في خضمّ حرب رمى بها القدر في وجه جيل عراقي، لا ناقة َ له فيها ولا جمل .. لتكتب مأساة شعب حفظها سجل المفقودين، لتنتهي اللعبة بسلام كاذب بين ( الدولتين ) بطعم الدم، بعد ثماني سنوات من اللعب بأجساد البشر..والألاف من الأشلاء المتناثرة ورائحة الدم التي ظلت عالقة في أجواء العراق حتى يومنا هذا.

لـ طالب أخٌ صغير؛ اسمهُ سالم، كان في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة، وله أخوة وأخوات كانوا مايزالون صغارًا لم يتلمسوا الحياة بعد، ولم يشموا مرارتها التي كان طالب يشمها، مردّدًا مع نفسه ” إنني أشمُ رائحة خيبتي ” وهو يتقلب على سريره الساخن في ليلة صيف مليئة بذباب الطاغية .. وتلك الصورة لاتفارقه : مشرّدون مرحَّلون من بلادهم رغماً عنهم.. إنها سخرية قدر لعين أن تولد على أرض وتـُنتزع منها رغماً عن أنفك؛ شئت أم أبيت .. إنه أمر صادر من متأله رعوي، دمويّ، وسدنة يسبحون بحمده، وينفذون كل أوامره المقدّسة التي لا تقبل نقاشًا؛ سدنة لم تكن لتعلم يوما ماهية الإنسان وشعوره العفوي؛ وأنْ تحب أرضًا تحدثك بنسيمها وترابها وماءٍ طعمه كطعم سكـّر القهوة !



الوطن : ثوبٌ أم جلد ؟

كانت المفارز الأمنية كثيرة التجوال في ذلك الوقت لها مَهَمَّة واحدة : اقتحام منازل الكورد الفيلية الذين أطلقوا عليهم ” التبعية” وهي شبهة لكثيرين ممن يحملون شهادة الجنسية العراقية، لكنهم يوصمون بأنهم من التبعية الإيرانية، فيجرونهم بملابسهم المنزلية الى مركبات موحشة تنطلق بهم الى سجن التسفيرات .. تاركين خلفهم منازلهم المسكونة بوطنهم الذي جُرِّدوا منه كما يُجرَّد الإنسان من ملابسه، وما دروا أن الوطن جلد؛ عليك أن تسلخه ليموت الإنسان في وطنه ! تاركين أباريق الشاي التي دارت حولها العديد من قصص وحكايات الجيران..لكن طالب يعود من خوفه ليجلس على أريكة أبيه ويحلم: ” إنني أحلم بقوس قزح وبياض الثلج، ورائحة الياسمين و زقزقة العصافير الملونة ” غير أنه يستفيق : ” أنا أشم رائحة خبيتي ” والأحساس بالغياب وأستشعار الخسران والتلاشي في هذا الكم الهائل من الحزن والعبث المرير الذي أراه من ثقب دارنا الصغير ألتمسه ايضاً. !

كان طالب يحاول أن يخفي ملامح وجهه التي رسمها الخوف على محيّاه، وهو يذكر اسم جده الذي كان يجلب له الذعر”علي أكبر”وكان هذا كفيلاً بأن يزج بهم في تلك السجون التي لا وطن فيها. تدور الأفكار في رأسه تكر وتفر، وهو يجلس ساعات طويلة ليصوم على خوف ويعود ليفطر على لقمة أمل فيسأل أباه : أبي بحق عينيك التي توضأت بتراب الوطن هل ترى أننا سنسفر ونبعد عن أرضنا ؟ ألا تجد أن عمي الذي يحمل الجنسية العراقية يشفع لقضيتنا وأخوّيَّ قاسم وحازم اللذين مازالا ملطخَيْن بسخام قنابل القادسية المزيفة، ورائحة البارود تفوح من ملابسهما الكاكية، كلما أتوا إلينا بإجازة..فقاسم الذي حصل على نوط الشجاعة لاستبساله في هذه الحرب، وحازم الذي جُرح في إحدى المعارك وصار يحمل ذلك الجرح وسامًا كما يدعي الرفيق “فؤاد أبو شوارب” مسؤول محلتنا ..كل هذا ألا يكون بمثابة وثيقة نجاة وإثبات أننا من هذه الأرض، وإليها نعود، لندفن ونخلد ونتسامى مع ترابها ؟

يجيب والده بعد صمت مرير: يابني وهل مافعله أولئك الذين غُيّبوا في تلك السجون المغبرة، والذين أعدموا .. والذين نفوا.. ألم يتعرضوا لكل هذا لأنهم مُتـَّهَمون بحبهم للوطن وللأرض وللشعب.. مفهوم الحب هنا يختلف يابني عند الطاغية حينما تمس هذه المفردة عرش السلطة .. لاتقلق يابني يوماً ما ستحل آمالنا بدل آلامنا

برومثيوس مُقـَيَّدًا

ذات صبيحة يومٍ مترب استيقظ طالب بمزاجٍ سيِّئ، فجلس وهو مسكون بالهمّ، وراح يحاول أن يجد تفسيرًا للكابوس الذي رأه..فعجز عن ذلك واستعد للذهاب الى الجامعة وهو متثاقل؛ يحمل أعباءًا غير منطقية على ظهره. قبَّلَ جبين والدته واحتضنها حد الاختناق، ووقع على يد والده ليرطبها بشفتيه قبلة تلو قبلة داعيًا الله أن يحفظهم تحت خيمته التي مافكروا يوما في أن يغادروها.

ابتسم والده وبدا الوجع واضحًا في نبرة صوته وهو يقول له:

ـ مابك يابني ياطالب ..أأنت ذاهبٌ الى الجامعة أم الى ساحة المعركة التي ابتـُلينا بها .

ـ أبي دعني أشم رائحة منزلنا وأستنشق عبير ذكرياتنا، وأقبل اخوتي الصغار فإنني يا أبي” أشمُ رائحة خيبتي” ودعني ألملم ملامح وجهك المتعب لاحفظها صورة في قلبي لانني سأشتاق اليكم .. لا أعلم!.

ـ بُني دعك من هذا الجنون.. ستفوتك المحاضرة.

وقف على عتبة دارهم يحدث نفسه ماذا عساي أن افعل بحبيبتي وجيراننا وشارعنا.. أخوتي.. وأشيائنا.. وألعابنا ..إنهُ تأريخ ! كيف يُدفن التأريخ ؟

ما إن وصل الى الجامعة حتى نبح عايه كلبٌ بزي آدميّ؛ كلبٍ لعين ينادي باسمه ” طالب علي أكبر” فتسمر طالب في مكانه وقال هاهي” رائحة خيبتي تقترب مني !” ولم يدم الوقت طويلاً، كبّلوه وأخذوه الى سجن التسفيرات. وهناك وجد أخاه ( سالم ).

ـ مالذي جاء بك الى هنا ؟

ـ الذي أتى بك أتى بي !

ـ طيب أين أبي وأمي وأخوتي الصغار.. وكيف سيعلم قاسم وحازم أننا هنا نقبع في سجن حقير ..

إنها مفارقات قدر أحمق أن نزج في السجن وأخواي في ساحة المعركة
بعد مضي عدة أيام رُحِّلا الى سجن ( نقرة السلمان ) وعندما ألح أن يعرف مصير والده ووالدته، علم أنهم ألقوا بهم على الحدود العراقية الأيرانية.. راح يبكي بصوت موجع:

– لقد شممتُ رائحة خيبتي الآن!! لقد تُهنا ياسالم وضاع التاريخ !!و خُتم البيت بشمعٍ أحمر ولم يعد قاسم وحازم من المعركة!

ليست للحكاية تتمة فمازال أفراد العائلة مشتتين؛ لايعلم أحدهم بالآخر، كلٌ في بلد.. وقد أفرِج عن طالب بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية بابتسامة درداء وشعرٌ أشيب.

بيداء كريم

29/08/2011
موقع نور