الرئيسية » بيستون » مآساة الكرد الفيلية

مآساة الكرد الفيلية

مهداة الى عبد الستار نور علي
 
حدثنا عبد الله بن بهلول:
رأيته في الطريق، يسير كعليل البطريق، والطريق زلق، والطين بثيابه علق، يترنح ذات اليمين والشمال، من سوء الصحة والحال، بان عليه الوصب، ونال منه التعب، والجسم عنده ترهل، والعظم فيه تحلل، خطواته قصيرة وآهاته كثيرة، ونتيجة للانهاك، بدا على وجهه الارتباك، فجلس على الرصيف، وصوت زفيره كالصريف، يحدث نفسه بصوت عال، والله مللت من كثرة التجوال، ومن كثرة المراجعات، للدوائر والمؤسسات، فجلست بالقرب منه، واردت السماع منه، فقلت ما بالك ايها الشيخ الكبير، وانت تكفر بالملك والأمير، وبعد ان حدّق فيَّ مليّا، قال عشت حياتي ابيّا، ولكن بالأمس ذلّني الطاغية، واليوم تذلني الزبانية، فانا يابني من الكورد الفيلية، وهذه شر مصيبتي والبلية، سلخوني من الوطن، ورموني في المصائب والمحن، وفي عز الظهر، رأيت نجوم الظهر، وكما تراني فانا مقعد في الفراش، واعيش بؤس المعاش، وليس هناك من يرحم حالي، وينظر الى سوء احوالي، ويترفق بعزيز قوم ذل، وماضيه الى حاضره دل، فانا يا ولدي، اهديت مختاراً لبلدي، جميع ولدي، فالأول غاب في السجون، والثاني ذاب في الأتون، وسلموني الثالث مشنوقاً، واعطوني الرابع مسلوقا، ثم استولى الجبار، على الحانوت والدار، وكل المال والعقار، وسلب مني كل اوراقي، التي تثبت اني عراقي، بعدها قادوا وحيدتي، ومن الابناء بقيتي، الى حيث المجهول، لا دالة عليها ولا دليل، وبعد اسابيع، داهمتنا مجاميع، من الشرطة والأمن، وبغمضة عين، رموني وزوجتي في سيارة، وسارت بنا في سيارة، لا نعلم الى اين المسير، ونجهل القادم من المصير، في ليلة باردة مثلجة، رُمينا في منطقة حرجة، وزوجتي المرتجفة، من الريح المعصفة، تمسكت بجلبابي، نتيجة للخوف والارتياب، وهي تبكي وتنوح، وانا ابكي وانوح، حتى خيط الفجر لاح، وبانت تباشير الصباح، واذا بي وسط حشد كبير، من الجمع الغفير، اطفال ونساء وكهول، تائهين كالاغنام و العجول، والوجوه خائفة مرتعبة، شاحبة رقبه، فهالني المنظر، كأنه يوم المحشر، ورأيت من بعيد وحيدتي، وتيقنت منها زوجتي، وركضنا نحوها وهرولنا، وبسرعة اليها وصلنا، واذا بها عليلة هزيلة، مصفرة نحيلة، ليس لها القدرة على القيام، كمكسور الجناح من الحمام، سألتها ما بك يا بنيتي، يا حلوتي يا صغيرتي، وكررت امها السؤال، بغضب وانفعال، وناحت البنت وبكت، وبصوت خافت للأم همست، فانتفضت الأم وصاحت، ورفعت رأسها الى السماء ونادت، يا لسوء حظكِ يا ( ساهرة )، لقد فعلوها اولاد العاهرة، وبعد ساعات قليلة، ماتت ابنتي الجليلة، فصار لها الحدود، مكان الرمس والرقود، ثم سرنا في قافلة الاحزان، الى الجارة ايران، في نياسم متعرجة، واراضي متموجة، نهاراً نخاف حقول الالغام، وليلاً نخاف الضباع اللئام، وبين البين، تقطع البين، وبعد أيام طوال، وفي طريق الأهوال، وصلنا الى مخيم بائس، يزيد من يأس اليائس، وقضيت سنيني بالجفاف، والعيش على الكفاف، وبالذل والمهانة، وفقدان الكرامة، ومن كثرة الهم والغم، والمصائب الجم، غادرتني رفيقة عمري، وتركتني وحيداً مع دهري، حتى ضاق من الحياة صدري، وجفت بحور صبري، فنهاري بؤس وشقاء، وليلي نحيب وبكاء، الى ان تبدلت الأمور، وانتهى الطاغية المقبور، وعدت الى الوطن، بعد كل هذا الشجن، ووجدت نفسي، اهرب من نفسي، بلا أهل ولا دار، ولا صديق أو جار، وعرضت أمري، على أولي الأمر، وانت ترى هذه الاوراق، اجوب بها يومياً من رواق الى رواق، والنتيجة انتظر البريد، غداً يصل البريد، ويأتي الغد بلا بطيخ او بريد، وحقيق الامر الاكيد، هذا يريد وذاك يريد، من أهل اللُقم والثريد، ليبقى في القلب هذا الصديد، هذا باختصار، ما جرى عليَّ وصار، فهل عبثاً ضيعت اولادي، وهل عبثاً ضحيت لبلادي، وبكل هدوء وروية، مزق الرجل الاوراق والهوية، ونثرها في الهواء، قائلاً افرحوا يا شهداء، المهم بعلة الورشان، تأكل الرُطب المُشان، ونظر اليَّ وابتسم، واشار بيده وسلم، وقد خنقته العبرة، وآلمته العِبرة، هو من تعب وشقى وضحى، وغيره على الحاضر اضحى، ولسان حاله يقول (يامن تعب يامن شقى، يامن على الحاضر لقى).

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=59099:2012-01-08-23-42-22&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55