الرئيسية » بيستون » شهداء الكورد الفيلية احياءٌ في ذاكرة التاريخ

شهداء الكورد الفيلية احياءٌ في ذاكرة التاريخ

ما قام به الطاغية المقبور من جرائم بشعة بحق الكورد الفيليين عُـدت من جرائم الإبادة، كونها استهدفت اكثر من نصف مليون بريء من الاطفال والنساء والشباب والشيوخ، ضمن سلسلة من عمليات التهجير القسري والقتل المتعمد مع سبق الاصرار والترصد لاكثر من ثمانية عشر ألف مواطن فيلي من دون ان يـُعثر على أثر لرفاتهم حتى يومنا هذا.. ناهيك عن عمليات أخرى قامت بها أجهزة المخابرات العراقية، كتتبع الكورد الفيليين الذين غادروا العراق قبل عمليات التهجير القسرية في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ولم يعودوا إليها بسبب تهجير عوائلهم الى ايران، فبقوا خارج البلاد في تلك الدول التي كانوا قد اقاموا فيها، ولم يكن بمقدورهم العودة الى العراق خشية من القاء القبض عليهم وايداعهم السجن، وكذلك صعـوبة السفر بالنسبة لهم الى ايران بسبب الحرب التي اندلعت بين كلا البلدين، كون جوازات سفرهم كانت عراقية ولم يكن أمر الدخول الى ايران في تلك الفترة سهلاً.

أحد الذين تمكنت عناصر المخابرات العراقية المنتشرة في العديد من الدول وخاصة العربية منها للوصول إليه واختطافه بعد ان ألقت القبض عليه، من دون ان تكون هناك جريمة ارتكبها هو الشهيد (رعد حسن محمد علي).

وَلِـدَ الشهيد في العاصمة بغداد عام (1957)، والده هو (الحاج تشمال حسن محمد علي) الذي يـُعد من كبار تجار العراق، كان له في حينه جناح خاص تحت اسم (شركة حسن محمد علي وشركاؤه) في كل دورة لمعرض بغداد الدولي الكائن في منطقة المنصور، حيث كان والده حريصاً جداً على نشأة ولده، وعليه كان يرسله في كل عطلة بعد انتهاء فترة الدراسة الى لندن ليتعلم اللغة ويتزود بالمعرفة والثقافة.

أُختطـِفَ الشهيد (رعد) من دولة الكويت من قبل عناصر المخابرات العراقية عندما كان مقيماً فيها، ويعمل كتاجر للمصوغات الذهبية، ويملك محلا كبيراً للصياغة فيها، حيث تم اختطافه بالتنسيق مع المخابرات الكويتية التي قدمت آنذاك العون والمساعدة لعناصر المخابرات العراقية المنتشرة على ارضها.

أُقـتيـدَ الى العراق على متن طائرة موثوق اليدين والقدمين ومعصوب العينين ليودع في احدى زنزانات المخابرات العراقية، وهناك تعرض للتعذيب والضرب والإهانة من دون ان يعرف التهمة الموجهة إليه، سوى طلب معلومات تخص امواله واموال والده وارصدته وارصدة اعمامه كل من المرحوم الحاج تشمال عبد علي محمد علي المعروف بـ (ابو شوان)، والمرحوم الحاج تشمال فتح الله محمد علي المعروف بـ (ابو فراس)، فضلا عن ممتلكاتهم من العقارات والمعامل والمحال وغيرها.


كان هناك اصرار وإلحاح غريب لمعرفة ارصدتهم واموالهم وممتلكاتهم على الرغم من مصادرة اغلبها من قبل اجهزة النظام المباد، يعجب المرء حين يرى او يسمع بعملية كهذه تقوم بها اجهزة مخابرات، والتي تبدو على الأكثر وكأنها عملية لافراد من العصابات، تهدف الوصول الى الأموال وسرقتها بأي شكل كان، في حين من المفترض على اجهزة المخابرات كما هو معروف، ان تحرص على أمن وسلامة البلاد من المخططات الخارجية التي تستهدف الدولة وسيادتها وبقاءها وأمن المواطنين واستقرارهم، لا ان تختطف شاباً في مقتبل العمر من بلدٍ آخر لكونه من عائلة مـُهجرة الى ايران من دون ان يكون له أي نشاط سياسي معادٍ للنظام اصلاً على الرغم من التهجير الجائر لعائلته.

بعد استكمال التحقيق نـُقِلَ الى سجن ابي غريب المركزي الواقع في منطقة ابي غريب ليودع مع بقية الشباب المحتجزين من الكورد الفيليين، هناك عَـثـرَ على شقيقه الأصغر الشهيد (دلير) الذي كان من مواليد عام (1965)، وكذلك وَجـدَ عمه الشهيد (علاء الدين محمد علي) الذي كان من مواليد (1955). نـُقِلَ بعدها الى سجن (نقرة السلمان)، تلك القلعة التي كان اسمُها يـُثير الفزع والخوف لدى غالبية العراقيين، واليوم تنتابهم حالة من الشعور بالمرارة والحزن والألم لما خلفت وراءها من صور بشعة للاجرام والتعذيب والقتل، حيث قضى آلاف الشباب من خيرة ابناء الوطن نحبهم فيها ودفنوا في مقابر جماعية بالقرب منها، عـُثـِرَ فيما بعد على الكثير من تلك المقابر بعد سقوط نظام الطاغية، وتم نبشها أملاً بالتعرف على ما بقي لاصحابها وتسليمها الى ذويها.

تفيد الاخبار المتوافرة من قبل الذين تمكنوا من زيارة المحتجزين بأن الشهيد (رعد) كان حياً حتى لحظة قيام نظام الطاغية بابتلاع دولة الكويت وضمها الى العراق في 8 /آب/1990، تلك الدولة التي وفرت المساعدة واعطت الحرية لعصابات المخابرات العراقية بقتل واختطاف العراقيين الذين كانوا قد هربوا من جحيم النظام وظلمه وعدوانه، حتى اصبحت بين ليلة وضحاها بارضها وبمواطنيها وبثرواتها وبكل ما كان لها فريسة لعنجهية ذلك النظام ورعونته واستهتاره، واصبح اهلها مشردين بين البلدان، وسرقت ممتلكاتهم واموالهم.

هذه القصة هي قضية تعني الكثير لما تحمله من الألم والمرارة، لم تـُغلق بعد ولم تنته باستشهاده مع الآلاف من شباب الكورد الفيليين، الذين كانوا مغيبون في غياهب سجون الطاغية المقبور، هذه القضية مطروحة منذ مدة طويلة أمام الرأي العام العراقي والدولي وبالخصوص الكيانات السياسية العراقية الحالية، التي تسلمت السلطة في البلاد بعد اندحار الطاغية، لنسمع منهم ماذا سيفعلون لعوائل أولئك الأبرياء الذين غـُيب اولادهم وسـيقَ بهم الى الموت بلا ذنب، بعد ان امتدت يد اقزام ذلك النظام وانتزعتهم عن عوائلهم وقتلتهم بوحشية وبطرق لا مثيل لهاً في صفحات التاريخ، لتبقى أمهاتهم واخواتهم واباؤهم واخوانهم أسرى للحزن الدائم، نريد ان نسمع جواباً من احدهم، نريد ان نرى موقفاً يـُهدئ تلك الآلام ويـُخفف ذلك الحزن، ويحسم الأمر كي تطوى تلك الصفحات وتستريح تلك النفوس التي مازالت منتظرة تترقب الطريق عسى ان يكون هناك خبرا او حلا لتلك القضية.