الرئيسية » مقالات » أي ذاكرة نريد؟

أي ذاكرة نريد؟





جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــ

أي ذاكرة نريد؟

على متن طائرة، من لندن الى استانبول، جاءني السؤال ناعما ومتأسيا من المقعد المجاور: الم يكن افضل لكم البقاء في ظل حكم صدام حسن من هذه السلسلة من الابتلاءات والخراب والدماء والانشقاقات السياسية. صاحب الصوت تاجر كويتي كان يعلق على خبر يقرأه في صحيفة انكليزية عن اعتبار بغداد اكثر عواصم العالم إهمالا، والعراق من الدول العشر الاولى في انتشار الفساد، واختتم الرجل سؤاله باستدراك لا اشك بصحته، قال “علما اني لا احب صدام”.
المشكلة ان السايكولوجية تعقد احيانا تحالفا غير مقدس مع التاريخ، فيبدو للضحية ان الماضي مضى “وعلينا بما يجري” وهي اخطر نتيجة ترتبت على ذلك التحالف اذا ما كان بعض اكثر سوءات الماضي تستمر في يوميات الحاضر، ويتبناها جمهور ومتعلمون واصحاب سلطة ونفوذ وملاعب سياسية، على حد سواء.
وبمعنى آخر، نحتاج الى ذاكرة شريفة وعادلة ومُنصفة لكي نتعامل مع منتوجات عهدين، الاول رحل بسجل اسود مثقل بالخطايا، والثاني، لا يزال يخوّض بخطايا العهد الاول وخطايا اضافية كارثية انتجتها ماكينات كثيرة.
وما دام هذا الموضوع الشائك والحساس قد ابتدأ بصدام حسين فقد رويت لجاري الكويتي كيف التقيت به، لأول مرة وآخر مرة، يوم كان بمنصب نائب لرئيس الجمهورية وبسلطة رئيس ونص. ربما كان ذلك في مؤتمر عقد عام 1974 او قبله إذ وقفتُ في صف طويل حتى جاء دوري. كان شعوري خليط من القرف والبغض والخوف. مدّ يده اليّ بوجه بارد. كانت يده ووجهه شيئا واحدا، حظرت في ذهني حكاية ذلك الرجل الضرير الذي التقاه مروان بن الحكم في الكعبة وصافحه ثم سأله: هل تعرف من انا؟ فرد عليه الرجل الضرير بالقول: حقا لا اعرفك، لكن قبضتك قبضة جبار.
قلت لجاري: حتى الان فيّ بقايا من ذلك اللقاء، يتفاقم الى سلسلة من التداعيات، ما كان يسميها العالم البايولوجي الروسي ايفان بافلوف بالمنعكس الشرطي، حين يحاصر الانسان(وأي مخلوق) في سلوك قهري يملى عليه من الخارج، فيبقى تحت ميكانيزم الشعور بالظلم حتى مع مرور الوقت وانحسار ذلك التاثير، بل ان ابو حامد الغزالي صاحب (تهافت الفلاسفة) قد لاحظ في إحدي بحوثه طغيان (الروح الخيالي) لدي الانسان مستشهدا بالكلب الذي يهرب بعيدا كلما رأي العصا إذا كان يضرب بها في السابق باستمرار، ما يبقي هاجس الالم قائما في اللاشعور حتى مع ابتعاد خطر العقاب.
وفي انتباهة للكاتب الداغستاني الشهير رسول حمزاتوف، يقول، ان أبناء قريته في اقاصي داغستان هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة.
قبل سنوات قليلة قال مراسل اجنبي كان قد التقي العشرات من العراقيين وتحدث اليهم عن مستقبل بلادهم، إن الناس هناك لم يخرجوا بعد من الكوابيس، وهم يتصرفون كما لو انهم في زنزانات.. وكدت أعد هذه الصورة فرطا من المبالغة، لولا ان بافلوف والغزالي وحمزاتوف سبقوا المراسل وصاحبي الكاتب، الى تأويل ما تتركه القسوة في الاعماق، من مرارة ، وايضا من اضطراب في سلوك وتفكير الضحية.
جاري الكويتي لا يحب صدام، فهو ضحية مثلي من ضحيا صدام لكنه يقترحه دواء شافيا للعراقيين.. هذا ما اسميته بالتحالف غير المقدس بين السايكولوجيا والتاريخ.
*
” ليس أقوى أفراد النوع هو الذي يبقى، ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع التغيرات”.
داروين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد