الرئيسية » مقالات » دكتاتورية الشيعة وتهميش السنة، وهمٌ أَم حقيقة؟

دكتاتورية الشيعة وتهميش السنة، وهمٌ أَم حقيقة؟

في البدء، أستميح القراء الكرام عذراً على صراحتي بتسمية الأشياء بأسمائها، مثل السنة والشيعة، إذ لا يمكن أن نساهم في حل مشاكل شعبنا ما لم نكن صريحين وبدون غموض أو ضبابية في طرح أفكارنا، فبلادنا تواجه اليوم أزمة الطائفية بأوضح أشكلها، ولا يمكن حلها بإتباع سياسة النعامة في طمس رأسها في الرمال.

ذكرنا في مقالنا الأخير الموسوم (حول ماكنة الدعاية البعثية في التضليل )(1)، أن البعث نجح في توظيف الطائفية في العراق لصالحه، فادعى أنه الممثل الشرعي الوحيد والأوحد للعرب السنة في العراق والمدافع الأمين عن حقوقهم. والمؤسف أن معظم ممثلي السنة في العملية السياسية، الذين المنضوين في قائمة “العراقية”، وحتى الذين عانوا من البعث الصدامي، وقعوا في الفخ البعثي، فوقفوا يدافعون عن البعث، وناهضوا جميع القوانين التي صدرت لإزالة آثاره المدمرة، بل وطالبوا بإلغاء كل ما تحقق بعد 2003، وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل ذلك التاريخ. ولتحقيق غرضهم هذا، اتبعوا تكتيكاً يتسم بالازدواجية، إذ شاركوا في العملية السياسية لإفشالها من الداخل، فلهم رجل في السلطة، وأخرى في الإرهاب، وما افتضاح دور طارق الهاشمي في الإرهاب مؤخراً إلا غيض من فيض. وكذلك نتذكر تصريحات الشيخ حارث الضاري، رئيس هيئة علماء المسلمين، الذي قال: “أن القاعد منا ونحن منها”.

منذ إسقاط حكم البعث الفاشي، ونحن نسمع باستمرار، ومن وسائل الإعلام العربي، وتصريحات قيادة “العراقية” مقولة مفادها: استحواذ الشيعة على السلطة وتهميش العرب السنة، وصوروا الوضع في العراق الجديد كما لو أن الشيعة كتلة واحدة، وفي حزب واحد، وأنه نسخة كاربونية من حزب البعث الصدامي، وأن رئيس الوزراء، نوري المالكي (الشيعي) “دكتاتور أسوأ من صدام”!!.

وللأسف الشديد انطلت هذه الكذبة على الكثيرين، وصدق بها ناس بقصد أو بدونه، وخاصة من العرب السنة، بل وحتى الذين عانوا الكثير من مظالم البعث الصدامي أسوة ببقية مكونات الشعب ولو بنسب متفاوتة، واستخدموا هذه الفرية لتجنيد منظمات الإرهاب في حرب إبادة الشيعة.

ونظراً لتعقيدات الوضع العراقي، وإدمان مكونة العرب السنة على التفرد بالحكم لأكثر من سبعة عقود، وجدوا في هذا الادعاء ضالتهم، وراحوا يؤكدون مظلوميتهم وتهميشهم من قبل الشيعة “عملاء إيران” الذين “احتكروا السلطة”!!. إذ كما جاء في مقال الدكتور ميثم الجنابي عن الهاشمي: [فهو – أي الهاشمي- لم ير في كل ما يجري في العراق من أحداث دموية أكثر من “أعمال وحشية ضد بني البشر تستخدم ضد العرب السنّة لتهجيرهم. وهناك حملة تطهير مذهبي واسعة النطاق تجري بفعل فاعل وبطريقة منهجية لدفع السنّة لترك العراق وتشييع هذا البلد جملة وتفصيلاً”!! إذن بيت القصيد أو مربط الفرس يقوم في الوقوف ضد “تشييع العراق جملة وتفصيلا”.](2).

بينما الحقيقة الناصعة تؤكد أن هناك حرب إبادة ضد الشيعة وليس ضد السنة، فمعظم المفخخات وتفجيرات الانتحاريين تحصل في المناطق الشيعية وضحاياها بالعشرات، بعد أن كانت بالمئات، يومياً هم من الشيعة. ولكن الهاشمي يعمل وفق ما يقوله أخواننا المصريون: “رماني وبكى، سبقني واشتكى”

لذا، أرى من الضروري مناقشة هذه المسألة بصراحة لحماية عقول الناس من التضليل. ولكن قبل ذلك، أود التطرق إلى مسألة فكرية نادى بها رواد مدرسة في علم الاجتماع تسمى بـ(ما بعد التركيبية Poststructuralists) مثل جاك دريدا، وميشال فوكو، وماتز الفَسون (Mats Alvesson)، لها علاقة بالموضوع، ألا وهي علاقة اللغة بالواقع المعاش. ففي هذا الخصوص، يقول الفَسون: “إن اللغة تركب الظاهرة بدلاً من عكسها”. أي أننا نرى الواقع من خلال اللغة التي نستخدمها لوصفه. فصورة الواقع تتغير في عقل المتلقي حسب الكلمات التي نستعملها لوصفه، لأن الناس يفكرون عن طريق اللغة. فالكلمات المختارة للتعبير عن شيء ما، هي التي تنتج الفكرة التي يراد إيصالها إلى الآخرين.

ويوضح الراحل علي الوردي هذه المسألة بأسلوبه السهل الممتنع قائلاً: “إن اللفظ هو الوعاء الذي توضَع فيه المعاني، فالوعاء يجب أن يكون نظيفاً سهل التناول وفيه من الأناقة الطبيعية ما يساعده على أداء وظيفته. أما إذا كان قذراً مثلوماً فإن النفس تمج الشرب منه على أي حال”

وهذا يعني أنه إذا أراد الكاتب تقديم فكرة معينة يتقبلها المتلقي، فعليه أن يقدمها بكلمات جميلة أنيقة، أما إذا أراد تقبيحها، وينفِّر الناس منها فيقدمها بكلمات بذيئة. وعلى سبيل المثال، وكما في حالتنا العراقية، فأنصار الديمقراطية، الذين يؤيدون مشاركة كافة مكونات الشعب بالحكومة المنتخبة، يسمونها (حكومة الوحدة الوطنية) أو (حكومة الشراكة الوطنية). أما أعداء الديمقراطية وأنصار دكتاتورية المكونة الواحدة الذين خسروا نفوذهم بعد استحواذهم على السلطة لأكثر من سبعة عقود، ويرفضون مشاركة المكونات الأخرى معهم في السلطة وصنع القرار السياسي، فيصفون الحكومة المنتخبة بكلمات بذيئة لتشويه صورتها وتقبيحها لدى المتلقي، فيسمونها بـ(حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية).

وهكذا استخدمت اللغة لإشعال الفتنة الطائفية في العراق وتشويه الواقع في أذهان الناس، فقالوا أن الشيعة بعد 2003، استحوذوا على السلطة وهمَّشوا العرب السنة، وأن عروبة العراق في خطر… وراحوا يرددون هذه العبارات ليل نهار، ومعهم جوقة الإعلام العربي وكأنها حقيقة لا جدال فيها!!. وأخيراً دخلت تركيا على الخط، (إضافة إلى السعودية ودولة قطر من قبل)، فراحت تلعب بالورقة الطائفية لإيجاد موطئ قدم لها في العراق، فنقرأ عناوين مثل: (أنقرة: قلقون من تطهير سياسي للسنة…)، وهذا بالطبع تدخل سافر في شؤون دولة تحاول أن تتعافى من تركة نظام همجي تخلصت منه حديثاً، وتسعى لتحقيق الأمن والاستقرار.

كذلك أدعى البعض، أن التمييز الطائفي يمارسه الشيعة فقط منذ سقوط حكم البعث، وأنه لم يكن في العراق أي تمييز طائفي ضد الشيعة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 إلى 2003، وأن الشيعة يلعبون دور الضحية والشكوى لتبرير تفردهم بالسلطة والانتقام من السنة!!. وفي هذا الخصوص قال أحدهم في مقال له، ونكاية بالعراق الجديد: “إن العهد الملكي، في مقارنته بعراق اليوم … كان عصرنا الذهبي”. علماً بأن صاحب هذا القول قضى عشر سنوات من عز شبابه في سجن نقرة السلمان الصحراوي والسجون الأخرى في العهد الملكي لا لجريمة ارتكبها، وإنما لمعتقده السياسي المخالف لمعتقد السلطة آنذاك، بينما يمارس الشيوعيون وغيرهم في العهد الحالي معتقداتهم السياسية والترويج لها بكل حرية، وينظمون المظاهرات ضد السلطة، وحتى يحرضون لإسقاطها، ويطالبون باستقالة رئيس الوزراء دون أي خوف أو محاسبة أو ملاحقة، ومع ذلك، فالعهد الملكي في رأيهم هو العصر الذهبي مقارنة بالوضع الحالي!!!

والغريب، أن الأخ الكاتب ينفي ممارسة الطائفية في العهد الملكي، كما وينفي الطائفية عن البعث الصدامي أيضاً، فيستشهد بتولي شخصيات شيعية لمناصب “رفيعة” في عهد صدام، مثل سعدون حمادي ومحمد حمزة الزبيدي، الشيعيين لمنصب رئاسة الوزارة..الخ. ولكن السؤال هنا هو: ما دور سعدون حمادي وهو رئيس وزراء، ودور محيي الدين معروف (الكردي) نائب رئيس الجمهورية بصنع القرار السياسي في عهد صدام؟ الجواب: لا شيء، فوجودهم في هذه المناصب كان للديكور فقط. ثم نسي صاحبنا الشعار الذي رفعه حكم البعث: (لا شيعة بعد اليوم)، والحملة الفاشية التسقيطية ضد أهلنا في الجنوب.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو: إذا كان العهد الملكي يمثل العصر الذهبي للعراق، فلماذا حرضتم الشعب ضده وعملتم على إسقاطه؟ ففي هذه الحالة يجب محاكمة جميع المثقفين والسياسيين العراقيين، الأحياء منهم والأموات، وجميع قيادات أحزاب جبهة الاتحاد الوطني، والتي كان الكاتب عضواً قيادياً في أحدها، لأنهم خدعوا الشعب وعملوا على إسقاط حكم كان يمثل العصر الذهبي للعراق، وبذلك تسببوا في إدخال العراق في نفق مظلم لم يخرج منه حتى الآن!!.

والملاحظ أيضاً، أن الهجمة التسقيطية الشرسة منذ إسقاط حكم البعث وإلى الآن، موجهة ضد المشاركين الشيعة في الحكم فقط دون غيرهم، ولدوافع طائفية، واختلط الأمر على الكثير من الكتاب بمن فيهم كتاب شيعة، فراحوا يسبحون مع هذا التيار بدوافع أيديولوجية وأغراض سياسية، ومنها عقدة النقص ليثبتوا أنهم غير طائفيين، لأنه صار في عرفهم كل مثقف شيعي هو طائفي ما لم يساهم في التهجم على السياسيين الشيعة ويتهمهم بالعمالة لإيران، أو المشاركة في اضطهادهم إذا كان في السلطة، كما كان الحال مع عزيز نومان الخفاجي، ومحمد حمزة الزبيدي اللذان كانا يتسابقان مع علي حسن المجيد (الكيمياوي) في ركل ثوار 1991 كما شاهدنا ذلك في فيديو.

ودليلنا على طائفية العهد الملكي هو أن تشكلت 58 وزارة، شكَّل الشيعة منها 3 وزارات فقط، والسنة 55 وزارة، يعني كانت حصة الشيعة سنتين وثلاثة اشهر من 38 سنة من عمر العهد الملكي والباقي للسنة. وكان نواب المناطق الشيعية يتم تعيينهم من المناطق السنية، ويمنع على الشيعي دخول الكلية العسكرية إلا نادراً. ومع ذلك ينفي هؤلاء السادة سياسة التمييز الطائفي في العهد الملكي. وفي الحقيقة لم يتم تعيين شيعي لرئاسة الوزراء آنذاك إلا عند الأزمات الشديدة لكي يلبسوها برأسه. فقد تم تعيين صالح جبر (الشيعي) رئيساً للوزراء عام 1947 لأنهم خططوا لتوقيع معاهدة بورتسموث المثيرة للصراعات السياسية، وفعلاً عند توقيعها في كانون الثاني 1948 هبت انتفاضة شعبية عارمة أسقطت حكومة صالح جبر، وألغت المعاهدة، ولتهدئة الوضع وامتصاص الغضب، تم تعيين شيعي آخر، وهو السيد محمد الصدر.

وقد أخبرني صديق أكاديمي عاش تلك الأحداث وراقبها عن قرب، قال إن الانتفاضة ضد حكومة صالح جبر لم تكن خالية من دوافع طائفية، لأنه حتى بعد إسقاط الحكومة وإلغاء المعاهدة، وتعيين السيد محمد الصدر رئيساً للوزراء، خرجت مظاهرات احتجاجية ضد الأخير بعد أيام قليلة من جامع الشيخ عبدالقادر الكيلاني، وهي تحمل لافتات منددة بالسيد الصدر، ويرددون أهزوجة: (ردناك عون، طلعت فرعون، يا بو لحية النايلون)!!، مما يؤكد أنهم لم يتحملوا أن يكون شيعي رئيساً للوزراء منذ ذلك الوقت، وهو ما يجري اليوم أيضاً.

وبالمناسبة، يقول حنا بطاطو، أن عدد القتلى والجرحى لتلك الانتفاضة بلغ أكثر من 400 ، عدا الذين سقطوا في النهر وماتوا ولم يعرف عددهم. وكانت جميع المظاهرات السلمية والإضرابات تواجه بالرصاص بمنتهى القسوة في العهد الملكي والذي يحلو للبعض وصفه بالعصر الذهبي للعراق. فهل قتل أحد في المظاهرات الاحتجاجية ضد الحكومة الحالية؟؟

والمفارقة، أن الكتاب اليساريين الذين يصفون أنفسهم بالتيار الديمقراطي، هم الذين عملوا أكثر من غيرهم على تشويه صورة العهد الملكي، وألبوا عليه حتى وصفوه بالشر المطلق، ولما قضوا عليه في ثورة 14 تموز 1958، صفقوا للثورة وقيادتها لعدة أشهر، ولكن سرعان ما انفرط عقد الجبهة، فانقلبوا على الثورة، وكالعادة، بدأت الصراعات الدموية فيما بينهم إلى أن ذبحوا الثورة وقيادتها الوطنية في 8 شباط 1963، ثم توالت الانقلابات. واليوم نفس الجماعات يعيدون ذات الأدوار التخريبية التي لعبوها في الماضي، وتسببوا في عدم الاستقرار السياسي، وتحت مختلف الذرائع والحجج، ففي العهد الملكي كانت حجتهم العمالة للاستعمار البريطاني والأمريكي، وفي عهد ثورة تموز الخطر الشيوعي والنفوذ السوفيتي، واليوم الخطر الشيعي، والهلال الشيعي، والعمالة لإيران!!!

إن سبب مواقف هؤلاء المحسوبين على اليسار من الحكومات المتعاقبة، وعلى مختلف العهود، أنهم تربوا ونشئوا كمعارضين مطارَدين، أسسوا أحزابهم السرية في السراديب المظلمة، فأتقنوا صنعة المعارضة السرية والهدم والتخريب، ولم يتعلموا صنعة البناء والمعارضة الديمقراطية الإيجابية تحت شمس الحرية. وإلا، فلماذا هذه الحرب الإعلامية الضروس على العراق الجديد الذي لأول مرة في تاريخه يتمتع الشعب بالحريات الواسعة، وتعددية القوى السياسية، ومشاركة ممثلي جميع مكونات الشعب في السلطة دون إقصاء أية مكونة، وهناك المئات من الصحف، وعشرات الفضائيات، والإذاعات، ومعظمها تابعة للقطاع الخاص ومعارضة للحكومة، إن لم نقل معادية لها. بل والكثير من الصحفيين، ومن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، يتهجمون على الحكومة، وينتقدون أكبر شخصية في الدولة إلى حد الشتائم، ومطالبة رئيس الوزراء بالاستقالة، واتهام الحكومة والأجهزة الأمنية بالإرهاب، ودفاع البعض منهم عن الإرهابيين الحقيقيين، وإمكان سيدة أن تعرقل أعمال مؤتمر دولي في بغداد فتنتقد الحكومة وتتهمها بشتى الاتهامات وبحضور رئيس الوزراء كتحد صارخ له، وتذهب إلى بيتها آمنة من كل ملاحقة، وتمنح على عملها هذا جوائز دولية.

نعم الوضع العراقي شاذ بسبب تركة البعث الفاشي، وتعددية مكوناته غير المتصالحة مع نفسها، بحيث يمكن لأي سياسي أن يكون في السلطة ومع الإرهاب في نفس الوقت، مثل السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، المطلوب للقضاء بتهمة الإرهاب، وصالح المطلق، نائب رئيس الوزراء، الذي يصف رئيس الوزراء بأنه “دكتاتور أسوأ من صدام”، والسيد فخري كريم أن يكون كبير مستشاري رئيس الجمهورية، وفي نفس الوقت العدو اللدود لرئيس الوزراء، ويحرض في صحيفته (المدى) على إسقاط حكومة المالكي. فلو كان المالكي حقاً “دكتاتور أسوأ من صدام”، لكان المطلق أسوأ من جرذ كما كان حاله في عهد صدام، ولبقي طارق الهاشمي شخصاً مغموراً لم يسمع به أحد، ولكان فخري كريم مازال لاجئاً عند أسياده في دمشق.

إن تفسير موقف الكتاب المحسوبين على اليسار، المعادي للعراق الجديد، أنهم تربوا على الهدم والتخريب منذ صباهم، فصارت معارضتهم التخريبية عادة متأصلة في نفوسهم، رافقتهم إلى الشيخوخة، يبحثون عن مدن فاضلة طوباوية لا وجود لها على أرض الواقع إلا في مخيلتهم المريضة، لذلك أضاعوا العمر في طلب المحال، فمثلهم كمثل الطفل الذي يطالب والديه بلعابة، وما أن يحصل عليها حتى ويهشمها ثم يبكي عليها. فبعد أن حطموا العهد الملكي راحوا يبكون عليه ويصفونه بالعصر الذهبي ولكن بعد فوات الأوان. وبدلاً من استخلاص الدروس والعبر من خيباتهم نراهم يعيدون ذات الأخطاء الشنيعة وهم في شيخوختهم. إذن، ماذا تعلمتم أيها السادة من هزائمكم، أيها المهزومون دائماً، والمخربون دائماً؟ لقد تبرمجت عقولكم بأيديولوجية التخريب، ولم تعرفوا المساهمة في البناء، إذ كما تقول الحكمة: (من شبَّ على شيء شاب عليه).

لا ندعي أن الحكومة الحالية بلا نواقص، أو أنها بلغت أوج الديمقراطية الناضجة، ولكن لنكن منصفين، ونسأل: من هم الذين يقومون بالإرهاب وعرقلة العملية السياسية؟ الجواب واضح وهو: أنهم من “كتلة العراقية”، وغايتهم التخريب، والإطاحة بشخص واحد اسمه نوري المالكي، لأنه يقف عقبة أمام مخططاتهم الجهنمية لتفتيت العراق إلى كانتونات خاضعة لدول الجوار، باعتراف السيد خلف عليان، أحد قياديي “العراقية”. لذلك نراهم يساهمون في خلق المشاكل ويلقونها على المالكي، وفي جميع تصريحاتهم وخطاباتهم يعملون على تسويق فكرة مفادها: (أن “الدكتاتور” نوري المالكي هو سبب عدم الاستقرار، والإرهاب… وهو سبب هروب الكفاءات من العراق، وتشريد الأخوة المسيحيين، والأقليات الدينية الأخرى، والسطو على محلات الصاغة الصابئة المندائيين، ووجوده على رأس السلطة يضع البلد على شفير الحرب الأهلية، وأن من ينقذنا هم السادة الوطنيون والعراقيون الاقحاح مثل: أسامة النجيفي، وصالح المطلق، وطارق الهاشمي، وظافر العاني، وسليم الجبوري، ورافع العيساوي، وأياد السامرائي، وقائدهم أياد علاوي).

حقيقة الاستحواذ والتهميش!!

والآن لنأتي على جوهر الموضوع: هل حقاً استحوذ الشيعة على السلطة وتم تهميش وعزل السنة من المشاركة العادلة في حكم بلادهم؟

من نافلة القول، أن أهم شرط من شروط الديمقراطية هو الانتخابات واحترام نتائجها. ونظراً لأوضاع العراق الخاصة وتعددية مكوناته، وعدم إمكان فوز مكونة واحدة بالأغلبية المطلقة في البرلمان لتشكيل الحكومة لوحدها، لذلك من البديهي، بل ومن الضروري والمفيد، تشكيل الحكومة من ممثلي جميع مكونات الشعب وفق الاستحقاق الانتخابي، وهذا الذي حصل، ولم يتم تهميش أية مكونة. فالضجة بتهميش السنة هي مفتعلة، لأن جميع مكونات الشعب مشاركة بالسلطة وحسب استحقاقها الانتخابي، وهي كالتالي: رئيس الجمهورية كردي سني، رئيس البرلمان عربي سني، ورئيس الوزراء عربي شيعي، إضافة إلى أن معظم الوزراء هم من السنة، وكذلك نائب رئيس الجمهورية، ونائب رئيس الوزراء، ونائب رئيس البرلمان، وتسع حقائب وزارية من32 حقيبة للقائمة “العراقية” السنية، ومع ذلك ملئوا الدنيا صراخاً وضجيجاً بأنهم مهمشون.

ومن كل ما تقدم، نفهم أن العرب السنة غير مهمشين، ولكنهم يرفضون مساواتهم بالمكونات الأخرى للشعب، وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع. لذلك، رأوا أن الديمقراطية ليست في صالحهم، ولكنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التصريح برفضهم للديمقراطية، ولهذا السبب نراهم يشنون حملة شعواء لتشويه صورة الديمقراطية، والطعن بآلياتهم مثل رفضهم لنتائج الانتخابات، ولن يهدأ لهم بال إلا بإلغاء الديمقراطية وانفرادهم بالسلطة وإعادة العراق إلى ما كان عليه قبل 2003. ولتحقيق أغراضهم هذه لجئوا إلى حملة إعلامية من الأكاذيب لتشويه صورة الديمقراطية، وكذلك إلى دعم الإرهاب لزعزعة الوضع السياسي، وابتزاز الشعب أنه لا يمكن أن ينعم بالأمن والاستقرار إلا بالتخلي عن الديمقراطية، وتسليم الأمر لدكتاتورية المكونة الواحدة، وحسب ما يردد كتابهم: “اعطي الخبز لخبازته!!”. الشيعة مايدبروها، وكأن الشيعة فعلاً انفردوا بالسلطة لوحدهم وحرموا غيرهم من المشاركة.

وفي هذا الخصوص، يقول الباحث اليماني، محمد ناصر البخيتي: “عندما تتعود أي جماعة إنسانية على امتيازات معينة على حساب جماعة إنسانية أخرى تشاركها العيش في نفس المحيط ، فإنه يصعب على تلك الجماعة قبول التنازل فجأة عن تلك الامتيازات حتى ولو كان ذلك من مقتضيات المساواة والعدالة. لذلك نلاحظ معارضة شعبية لنيل الشيعة حقوقهم ومساواتهم بغيرهم من المذاهب سواء في الدول التي يمثل الشيعة فيها الأقلية أو الأغلبية. وهذه الممانعة هي نتيجة لمشاعر طبيعية ويمكن تجاوزها بمنح الشيعة حقوقهم بصورة تدريجية. وما يخرج هذه الممانعة من حدودها الطبيعية إلى حدودها المرضية هو تحولها إلى عقدة نفسية ترفض تقبل إعطاء الآخر أي حقوق حتى في أضيق الحدود.”(3)

وهذا بالضبط ما نلمسه في العراق، حيث حصل التغيير ومشاركة الشيعة في الحكم فجأة وحسب نسبتهم في الشعب والاستحقاق الانتخابي. لذلك لم يتحمل الذين أدمنوا على الحكم لوحدهم مساواتهم مع المكونات الأخرى، فاعتبروا المساواة مرادفة للتهميش، ولذلك، فمنذ سقوط حكم البعث عام 2003 نسمع صراخ تهميش العرب السنة من قبل الشيعة والكرد.

والمؤسف حقاً، أن حتى القوى السياسية العلمانية غير الطائفية، وخاصة اليسارية منها، التي لم يحالفها الحظ في الانتخابات الأخيرة، وجدت نفسها في تناغم عجيب مع القوى المعادية للديمقراطية، فركبوا الموجة في شن حملة الطعن بالديمقراطية الفتية بحجة أنها ولدت مشوهة لم تلبي طموحات الشعب!! وأنها جلبت لنا “المحاصصة الطائفية” اللعينة!! بينما في الحقيقة، أراد هؤلاء من ذلك إنقاذ ماء الوجه وتبرير فشلهم في الانتخابات الأخيرة، ليس غير. فرغم دعوتهم للديمقراطية، وتحضرهم الظاهري، إلا إنهم لم يتقبلوا نتائج الانتخابات بالروح الرياضية في حالة خسارتهم، بل يعتبرون الخسارة إهانة شخصية لهم، لذلك يلجؤون إلى الطعن بالانتخابات، فيصرون على أنهم يتمتعون بشعبية واسعة، لم يصدقوا فشلهم، بينما في الواقع، هذه الأحزاب هي الآن عبارة عن قيادات بلا قواعد، أشبه بجنرالات بلا جيوش، لذلك فشلت في الانتخابات، ولكنها في نفس الوقت، تتمتع بقدرة فائقة في صنع الضجيج الإعلامي.

الخلاصة والاستنتاج

إن الإدعاء بدكتاتورية الشيعة وتهميش السنة ضجة مفتعلة لا صحة لها مطلقاً، والغرض منها إفشال العملية السياسية والقضاء على الديمقراطية. إذ لا يمكن إطلاقاً في ظل النظام الديمقراطي الجديد أن تكون هناك دكتاتورية شيعية، أو غير شيعية، ولا تهميش للعرب السنة، أو ية مكونة أخرى، لأن توجد في العراق الآن ثلاث كتل سياسية كبرى متكافئة تقريباً، تمثل المكونات الرئيسية للشعب العراقي، وليس بإمكان أية كتلة لوحدها أن تحكم العراق، إذ تتحد الكتلتان الأخريان ضدها. وهكذا، ففي النظام الديمقراطي، وتعددية مكونات الشعب العراقي، لا يمكن احتكار السلطة من قبل مكونة واحدة، بل يفرض الوضع مشاركة جميع مكونات الشعب، وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع. ولذلك، أستخدم المتضررون من الديمقراطية، والرافضون للمشاركة العادلة، لغة تسقيطية بذيئة ضد الديمقراطية ومبادئها وألياتها ونتائجها، فسمَّوا الحكومة المنتخبة بـ(حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية) بدلاً من تسميتها باسمها الحقيقي (حكومة الشراكة الوطنية، أو الوحدة الوطنية). كما وراح البعض إلى القول، بأن الشعب العراقي جاهل لا يصلح للديمقراطية أصلاً!!.

إن الهجمة على الديمقراطية وحكومة الشراكة الوطنية تصب في خدمة المكونة التي مازالت تحلم بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء لفرض دكتاتوريتها من جديد، وإعادة العراق إلى ما كان عليه الوضع قبل 2003، وهذا مستحيل. لذا أقولها بصراحة: على العرب السنة التكيف مع الديمقراطية وقبول المساواة مع بقية مكونات الشعب العراقي في حكم البلاد والعباد. وهذا أجدى وأنفع للجميع.
ـــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع

1- عبدالخالق حسين: حول ماكنة الدعاية البعثية في التضليل

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=505  

2- ميثم الجنابي : الهاشمي أم الهامشي ومعضلة النخبة السياسية في العراق المعاصر

http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=11903  


3- محمد ناصر البخيتي: ظاهرة الشيعة فوبيا.. اخطر داء يصيب الوعي العربي – صحيفة صوت الأخدود

http://www.okhdood.com/?act=artc&id=2366