الرئيسية » مقالات » اوراق مؤتمر ستوكهولم….6

اوراق مؤتمر ستوكهولم….6

لكي لا نفاجأ مرة اخرى….التنمية في ارض رخوة و تحديات الهجرة المعاكسة….

في استراتيجية الامم المتحدة عام 2006 حول العلاقة بين الهجرة و التنمية في افريقيا برزت اهمية الربط بين ثلاث قيم مهمة و هي مصلحة المهاجر و مصلحة الدولة المستقبلة او الحاضنة و مصلحة الدولة الام. اي ان الاستراتيجية قد بنيت على مبدأ ثلاثي لا يمكن الفصل بينها لان العالم مترابط بشكل عضوي و لا يمكن لاي مجتمع ان يحقق تنمية منفصلة عن الاطار العام للتطور الكوني او العولمة.

هل يمكن النظر الى قضية المهاجرين العراقيين من خلال هذا المبدأ الثلاثي؟ من المؤكد ان العراق بحاجة الى مساهمة جالياته المنتشرة في العالم للدفع بعجلة التنمية كما ان المهاجرين انفسهم لابد ن تتحقق مصالحهم بشكل ما و لكن من المؤكد ايضا ان مساهمة هؤلاء المهاجرين في تنمية المجتمعات التي استقبلتهم ووفرت لهم الامان في زمن كانوا يعانون فيه من الملاحقة و الجوع هي قضية اخلاقية يجب عدم تجاوزها تحت اية ذريعة.

اعتقد ان الضلع الاخير من المعادلة لم تتحقق بشكل كبير وان هذه الحقيقة تشابكت مع عوامل اخرى لخلق مسارات مختلفة للتطور في العلاقات. بكلام اخر, ان هناك تغييرات بنيوية على المستوى العولمي قد تهدد بتغيير مسار الهجرة بحيث يضطر الغالبية من المهجرين الى العودة الى بلدانهم الام و منها العراق بشكل مفاجيء.
في الحقيقة كانت هذه الفرضية هي اساس ورقتي التي اعددتها لطرحها في المؤتمرو كانت بعنوان…( لكي لا نفاجأ مرة اخرى….التنمية في ارض رخوة و تحديات الهجرة المعاكسة….الورقة تحاول ان تقدم قراءة للعلاقة بين التنمية في بلد يعاني من عجز تنموي والتحديات المترتبة على الهجرة المعاكسة لمهاجريها ). كما ذكرت في المقالة الثالثة فقد كنت قد بعثت بهذا العنوان الى القائمين على المؤتمر و كنت اعتقد انني سانعم بفرصة عرضها و مناقشتها و لكن ذلك لم يتم للاسباب التي ذكرتها في المقالات السابقة. في بعض المقالات السابقة في هذه السلسلة قدمت بعضا من النقاط المهمة التي كنت ساعرضها, و في هذه المقالة اقدم خلاصة للخطوط العامة حول الفكرة الرئيسية للورقة و التي لا اهدف منها التهويل و انما التحذير لما يمكن ان يحدث.

لكن لابئس ان ابدأ هذه المقالة باحد اهم المواضيع التي طرحت في الجلسة الافتتاحية و كان يتعلق بالاشخاص الذين لم يتم منحهم اللجوء في السويد وبالتالي يتعرضون الى الاعادة القسرية. في الحقيقة هذه الحالة لا تقتصر على السويد كما انها لا تقتصر على العراقيين و ان كان عدد العراقيين منهم يشكل رقما هو اكبر من مجموع كل الاشخاص من الجنسيات الاخرى.

لاشك ان لهذه القضية ابعادا متعددة و ان واحدا من اكثر الابعاد تأثيرا هو البعد الانساني الذي يشكل الاطار العام لعمل المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان و ربما كان الذين طرحوا هذه القضية ينتمون الى هذه المنظمات و كان ديدنهم هو البعد الانساني, و هذا شيء لا نملك الا ان نقف فيه معهم. و لكني اود ان اقف على بعد اخر و هو تطور العلاقات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية في البلدان الحاضنة لاني اعتقد ان هذه العلاقة هي التي تحدد في الواقع امكانية التعايش بين السكان الاصليين و القادمين الجدد اي المهاجرين, او بكلام اخر ان تطور هذه العلاقات هي التي تشكل الاساس الثقافي لما يسمى طبيعة النظرة الانسانية التى يتم بموجبها قبول افراد من مجتمعات اخرى للعيش و العمل في مجتمع يتمتع بكل ما يمكن ان يحلم به الانسان من امكانيات مادية.

حتى نكون اكثر فان مجتمعات العالم الجديد و اعني بها الولايات المتحدة و كندا و استراليا و نيوزيلندا كانت لها سياسات خاصة بالهجرة تقوم على اساس الاستفادة المباشرة من امكانات المتقدم بطلب الهجرة في تطور تلك المجتمعات, لكن هذه السياسات تغيرت بعض الشيء في العقدين الاخيرين حيث تم ادخال البعد الانساني ايضا في الحسابات. اما مجتمعات العالم القديم و اعني بها اوروبا و التي اركز عليها في هذه المقالة فان البعد الانساني كان يمثل العنصر الاساس في سياستها التي يمكن تسميتها سياسة الانفتاح الكبير منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي و الذي شهد تدفقا هائلا لاعداد اللاجئين الى اوروبا لاسباب مرتبطة بالتطورات السياسية في بلدانهم الام حتى و ان حملت بصمات اقتصادية و اجتماعية كاسباب مباشرة و حقيقية. مما لاشك فيه ان الانفتاح الاوروبي الكبير كان يستند الى اسباب مادية اخرى منها حاجة الاسواق الى ايد عاملة والحاجة الى التفعيل الاجتماعي في هذه المجتمعات المتمتعة بالاستقرار السياسي و بلوغ مستويات كبيرة جدا من الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي لكن البعد الانساني كان يشكل العنصر الاساس في شرعنة و تسويق سياسة قبول اللاجئين داخليا و خارجيا.

لابد من الانتباه هنا ان هذا الانفتاح الاوروبي الكبير قد صاحب قبول دول جديدة مثل اليونان عام 1981 و اسبانيا و البرتغال عام 1986 في السوق الاوروبية المشتركة و هي التسمية التي سبقت تسمية الاتحاد الاوروبي. مجتمعات هذه الدول الجديدة كانت فقيرة بل ان نظرة الاوروبيين الغربيين الذي شكلوا الاساس في السوق الاوروبية الى هذه المجتمعات كانت لا تختلف كثيرا عن نظرتهم الى مجتمعات الشرق الموصوفة بالمتخلفة و غير الراقية.

فيما بعد و خاصة في العقد الاخير تم توسيع الاتحاد الاوروبي ليشمل دول اوروبا الشرقية و التي تعاني مجتمعاتها من ازمات متعددة منها سوء التنظيم و الفقر و ارتفاع هائل في نسبة الجريمة و الطبيعة الثقافية الدكتاتورية و الفوضى البنيوة ما لا يؤهلها ابدا الدخول في نادي الرفاه و الهدوء و اللاستقرار و الديمقراطية التي تمتاز بها المجتمعات الاوروبية و خاصة في وسط و شمال اوروبا.

في الحقيقة ان الانفتاح نحو الشرق حدث بما يشبه الانتحار بالنسبة للاتحاد الاوروبي لان قبول دول اروبا الشرقية لم ياتي على اساس الاخوة الاوروبية او على البعد الانساني بل جاء استجابة لضغوط اميريكية لمحاصرة روسيا و منعها من تشكيل نواة لكتلة جديدة مثل الاتحاد السوفيتي السابق, لكن الثمن اصبح باهضا جدا بحيث انه يهدد استمرار وجود الاتحاد الاوروبي نفسه لان الامر يتعلق بالحاق ما يقرب من 150 مليون من الفقراء غير المنظمين و المتعطشين للحصول على ما تقع عليه ايديهم.
تدفق الملايين من الاوروبيين الشرقيين الى مجتمعات شكل من واحدا من اهم عناصر الازمة الاوروبية الحالية و التي من اهم مظاهرها اضافة الى الازمة المالية الحادة التي اثرت على النمو و انتشار البطالة و عدم الاستقرار الاقتصادي هو ظاهرة تراجع البعد الانساني المصاحب لتدني كبير في مستوى الخدمات و التعليم كما ان المجتمعات الاوروبية اصبحت تعاني من ازدياد نسبة الجرائم و انتشار الفساد و اخيرا عادت بذور العنصرية القديمة لتنتعش من جديد في نفوس الكثيرين من الاوروبيين.
هناك ايضا عنصر مهم لعب دورا كبيرا في تراجع البعد الانساني و هو احداث سبتمبر عام 2001 و التي اعادت صياغة المنظومة النفسية للغربيين بصورة عامة حيث تراجعت فكرة المساواة بين البشر والتي طبعت العقود الاخيرة من التطور الاجتماعي في المجتمعات اوروربية الغربية ليعود المجتمع الى زمن التفاضل العرقي و الديني او الحضاري السابق. ثم جاءت الازمة الاقتصادية لتتحد مع العاملين السابقين و خاصة العامل الاخيرلتعمق التشظي في هذه المجتمعات و تلعب دورا مهما في عودة اليمين للحكم و فرض اجندتها الفكرية و السياسية و الاجتماعية في الكثير من بلدان الغربية و منها الدول الكبرى مثل فرنسا و المانيا و بريطانيا و ايطاليا و كذلك مجتمعات كانت تشكل اساس انتشار البعد الانساني و منها الدول الاسكندنافية و كذلك مجتعات صغيرة اخرة مثل هولندا و النمسا و سويسرا.

و في الحقيقة فان دور الكثيرين من المهاجرين الشرق-اوسطيين لم يكن باي من الاشكال اقل تأثيرا من دور الاوروبيين الشرقيين من حيث نشر عدم النظام و التخريب و زيادة نسبة الجرائم و غيرها. فقد تطور الكثير من المهاجرين الشباب باتجاه تكوين عصابات نشطت في الاعمال غير القانونية مثل تجارة المخدرات و غيرها كما انتشر اللامبالاة و عدم المسؤولية و التهميش الذاتي و الفكر التكفيري و رفض الاسس الاجتماعية السائدة في هذه المجتمعات على اسس دينية و عرقية بدلا من التعليم والمساهمة في تطور المجتمعات الحاضنة. اي ان هذه العصابات و المجموعات التهميشية قد ساهمت بشكل مباشر في زوال او تراجع الفكر الانساني و عودة التمييز العنصري الى المجتمعات الاوروبية.

الان و في السنوات الاخيرة تقاطعت هذه الاسباب و المسببات في تطور دراماتيكي خطير و هو بروز المجموعات اليمينية التي تحاول طرد الدخلاء او الغرباء اي المهاجرين و خاصة الشرق-اوسطيين منهم عن طريق الاستخدام المباشر للعنف و الاستفزاز المؤدي الى العنف في دول مثل المانيا و هولندا و النرويج و الدانمارك و السويد و بريطانيا و فرنسا و الظاهرة تتوسع كل يوم. و من الامثلة على هذا الاستفزاز المؤدي الى العنف يمكننا ان نذكر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد في الدانمارك و فيلم فتنة في هولندا و قبلهما كتاب الايات الشيطانية لسلمان رشدي و غيره. رغم احترامنا الشديد للقيم الادبية و الفنية لهذه الاعمال و لقيم الديمقراطية و حرية الرأي التي استندت اليها الا انها بوعي او غير وعي لعبت دورا في تأجيج العلاقات خاصة ان الاعلام استغل رد الفعل غير العقلاني لبعض المجموعات ذوو المنهجيات التبسيطية في الدعوة الى العنف و الاعمال الرهيبة التي طالت ايضا بعض دول الشرق الاوسط لكنه لم تزد القوى اليمينية الا قوة و تصميما اكثر على الاستمرار لانها ببساطة شكلت مؤشرا واضحا على نجاح منهجهم في خلق الشرخ و بالتالي خلق التصدع في ارضية العيش المشترك بين السكان الاصليين من الاوروبيين و المهاجرين.

لا شك ان الصورة ليست قاتمة الى هذا الحد لان هناك الكثيرين من المهاجرين الذين ساهموا في تطور المجتمات الاوروبية و منهن اصحاب المحلات و مطاعم الاغذية و المشاريع الصغيرة و كذلك فنانون و متعلمون في اختصاصات مختلفة و غيرهم لكن للاسف فان صوتهم هؤلاء غير مسموع او حتى غير مرغوب بالنسبة للتطور العام للمجمتعات الحاضنة . في الحقيقة ان المجتمعات الاوروبية قد شهدت في السنوات الاخيرة ظاهرة العودة الى اوربة اي تفضيل اوروبيين و الاستغناء عن غير الاوروبيين و خاصة الشرق-اوسطيين في المؤسسات خاصة المراكز المهمة مما وضع حدودا قاسية لامكانية المساهمة الايجابية للمتعلمين من المهاجرين في تطور و تنمية المجتمعات الحاضنة.

بناء على اساس هذه العوامل المختلفة فان الاعادة القسرية للذين لم يحصلوا على لجوء الى بلدانهم اصبح مقبولا خاصة اذا كانت بلدانهم الام تتمتع بشيء من الاستقرار و من سخرية القدر ان الكثيرين من العراقيين يقومون فعلا بزيارة بلدهم رغم كل ما يقال عن المشاكل و الصراعات و العنف المستشري هذا ما يلعب ايضا دورا كبيرا في اقناع السلطات في الدول بضرورة اعادة العراقيين.

و نتيجة لكل هذه التطورات فان هناك تخوف من قطاع كبير من العراقيين و الشرق-اوسطيين بصورة عامة بان التطور الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في اوروبا قد يؤدي بهم الى الاضطرار للعودة الى بلدانهم و هذا هو التحدي الذي تواجهه الحكومات الشرق-اوسطية في مستقبل قد يكون غير بعيد جدا و العراق يعتبر واحدا من اهم تلك الدول و الاكثر تأثرا نظرا للاعداد الهائلة من مواطنيها خارج الوطن.

الان يبرز هناك سؤلان مهمان و هما اولا..هل تستطيع وزارة مثل وزارة الهجرة ادارة هاذ الموضوع المهم و المعقد؟ و ثانيا.. مالذي يمكن ان تفعله هذه الوزارة او الحكومة العراقية عموما بهذا الاتجاه؟
من المؤكد ان وزارة الهجرة هي وزارة جديدة ناشئة وبشكل ما هي وزارة اقليات و مع كل الاختلافات فيها فانها تمثل محاولة لرسم صورة عن القوى الاجتماعية الصغيرة داخل ما يسمى بالموزاييك العراقي في السلطة التنفيذية, و لكني اعتقد ان الوزارة تمثل حلقة وصل مهمة للربط من جهة فيما بين وزارات مهمة و خاصة الخارجية و التخطيط و التجارة و المالية و النفط و غيرها و من جهة اخرة بين هذه الوزارات و المجموعات المهمشة في الداخل و في الخارج لتطوير دورهذا المجموعات. و بالنسبة الى المهاجرين بشكل خاص فان الوزارة يمكنها ان تلعب دورا مهما في تحقيق المبدأ الثلاثي الذي تحدثنا عنه في بداية المقالة اي تحقيق مصالح المهاجرين و كذلك مصالح الدول المستقبلة او الحاضنة بالاضافة الى مصالح الدولة الام.

و لكن لكي تقوم بذلك فانه يجب تطويرعمل الوزارة بالاضافة الى منحها سلطات اضافية تمكنها ان تدخل في ادارة العلاقات الدولية بشكل اكثر استقلالية و ثقة بالنفس. الوزارة بحاجة ماسة الى خبرات و اليات عمل تبنى على استراتيجية واضحة المعالم من حيث الاولويات و الاهداف . مثل هذه الاستراتيجية ستكون خارطة طريق للخروج من الازمة التنموية في البلد و لكننا لا يمكن ان نتحدث عنها في هذه المقالات لان بناء استراتيجية يحتاج الى دراسات علمية لواقع التغييرات البنيوية على المستوى العالمي.

هذه المقالة هي الاخيرة في هذه السلسة, ارجو ان نكون قد وفقنا ان نؤشر الى بعض مستلزمات التغيير الضرورية لتحقيق التنمية من اجل جميع المواطنين في العراق و من المؤكد ان هناك مواضيع كثيرة اخرى لم نتطرق اليها و سنواصل طرحها في مقالات قادمة و اذا كانت هذه المقالات تعتبر نوعا من العطاء على طريق تنمية العراق كما اتمنى فان هذا العطاء سيتواصل.

اخيرا اود ان اشكر كل الاخوة و الاخوات الذين كتبوا الي مباشرة او علقوا على المقالات السابقة في هذه السلسلة كما اشكر القائمين على المؤتمر على توجيههم الدعوة لنا للحضور فلولا تلك الدعوة لما كانت هذه المقالات قد جاءت بهذه التفاصيل, كنا نتمى ان يكون المؤتمر اكثر جدية في طرح المواضيع و لكن لابد ان نقول ان مجرد عقده كان شيئا ايجابيا و كان مناسبة مهمة للقاء الكثير من المثقفين العراقيين و كان بعض تلك اللقاءات الجانبية رائعة و منها الامسية الشعرية التي ذكرتها سابقا. اشكر الجميع و نتمنى المزيد من اللقاءات.

د. اكرم هواس – اكاديمي عراقي-الدنمارك