الرئيسية » مقالات » اوراق مؤتمر ستوكهولم….5

اوراق مؤتمر ستوكهولم….5

المشاركة ليست اشتراكا فحسب والعلاقات الدولية لا تعني فقط اتفاقات سياسية و علاقات عامة


في هذه المقالة التي احاول ان اجعلها ما قبل الاخيرة في هذه السلسلة كي ندرأ الاطالة و الملل عند القارئ فانني ساحاول ان اتحدث عن مجموعة عوامل تلعب دورا اساسيا في عملية التنمية ثم في نهاية المقالة نختم مع اجراء بعض الاحصاءات التي تدخل مباشرة في عالم التنمية.
اول هذه العوامل التي سنتحدث عنها هو مفهوم المشاركة الذي يرتبط من جهة بالنظام الديمقراطي و من جهة اخرى بقضية التنمية المستديمة او المستدامة و هما قضيتان تحدثنا عنهما في المقالتين الثالثة و الرابعة. في الحقيقة يمكن ملاحظة خلط غير مقصود في الادبيات العربية عموما بين مفهومي المشاركة و الاشتراك حيث كثيرا ما يتم اختزال المشاركة الى عملية اشتراك اطراف سياسية او مجتمع مدني او قطاعات جماهيرية معينية في عمل ما و يتم اعتبار ذلك الاشتراك الجزئي على انه هو المشاركة.

من المؤكد ان الاشتراك في اي عمل هو نوع من المشاركة و لكن كي نكون دقيقين فاننا يجب ان نبين ان المشاركة تتألف من مجموعة عوامل تفاعلية تشكل دورة متكاملة و الاشتراك هو احد هذه العوامل. اما العوامل الاخرى فهي الدراسة النقدية و ابداء الرأي حول العمل المطروح بشكل واضح و بالتالي تحمل المسؤولية حول كل ما يترتب على رفض او انجاز العمل المطروح اي ان الاماكانيات و الظروف الاجتماعية تكون جزءا اساسيا في مجمل العوامل الداخلة في الحسابات. المشاركة هي اذن يجب ان تكون مبنية على اساس ادراك و فهم العلاقات المترابطة بين الامكانات المادية و القدرات البشرية و اللاسس الثقافية و الحسابات العلمية التي تعتمد المصلحة العامة و البعد الاستراتيجي للتطور الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي لكل المجتمع.

بكلام اخر ان الاشتراك المبني على اسس سياسية مثل الانتماء لحزب معين او التعاطف مع منظمة معينة لا تعبر بالضرورة عن المشاركة و ان كانت تمثل مؤشرا بهذا الاتجاه. المشاركة السياسية تعتمد ذات الاسس المذكورة اعلاه حتى و ان كانت تتمحور حول انتخابات او استفتاءات او ما شابه. الاصطفافات السياسية مهما كان حجمهما و الاهداف المعلنة او غير المعلنة لها انما هي نتاج تفاعل عاطفي و عادة تكون مبنية على اساس المصلحة الخاصة سواء كانت شخصية فردية او جمعية حزبية او غيرها. و هكذا فان ابداء الدعم لاي عمل على اساس الثقافة الابوية التي تحدثنا عنها في المقالة الثاتية فانه ينصب ضمن هذا التعاطف العاطفي و هو تفاعل غير عقلاني بينما الدعم العقلاني حتى و ان كان سياسيا فانه هو الذي يشكل اساسا مهما في التنمية المستديمة او المستدامة.

القضية الثانية المتعلقة بالتنمية و خاصة المستدامة او المستديمة هي مسألة العلاقات الدولية فهي تلعب دورا كبيرا في امكانية استدامة اي مشروع تنموي. و لكن قبل الخوض في هذا المضمار المهم لابد من التفريق بين امرين مهمين و هما العلاقات بين الدول بما فيها العلاقات المنظمة سواء كانت سياسية, اقتصادية او دبلوماسية او تجارية او عسكرية و غيرها من المجالات و العلاقات من حيث وضع الدول ضمن منظومة التطور الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في العالم اي التقاطع بين المصالح و الصراعات و التي يطلق عليها عادة تسميات مثل النظام العالمي او الدولي او العولمة او العالم ثنائي- او احادي- او حتى متعدد الاقطاب.

من المؤكد ان العلاقات الثنائية بين الدول تلعب دورا كبيرا في التنمية في اي مجتمع لكن الدور الحاسم لشكل و استدامة هذا التطور يحدده التطور العام في العلاقات الدولية اي تقاطع المصالح و الصراعات. و لكن يجب الانتباه الى اننا لا نعني هنا المفهوم السياسي لصراع المصالح الذي يركز عليه الكثيرون عادة و انما التطور الاجتماعي و الثقافي المصاحب للتطور الاقتصادي و السياسي داخل كل المجتمعات وفيما بين هذه المجتمعات و مؤسساتها المختلقة و منها الدولة. عوامل مثل الفقر و ندرة الموارد و الهجرة و مشاكل البيئة و مستوى التعليم و الانتشار التكنولوجي و غيرها تلعب دورا حاسما في التنمية و ان لم تكن تدخل كعناصر سياسية او اقتصادية و تجارية مباشرة في العلاقة الثنائية او المتعددة بين الدول.

منذ اواسط القرن الماضي ظهرت نظريات و نماذج تنموية حاولت تجاوز الترابط في العلاقات الدولية و منها نظريات الاكتفاء الذاتي Self-sufficient ثم الاعتماد على الذات Self-reliance و قطع الترابط De-linking و التنمية في كنف قوى عظمى Patron-Client و اخيرا بناء التكتلات Regionalization في ظل العولمة Globalization. للاسف لم تنجح اي من هذه المحاولات التي تمحورت حول الذات في الدول النامية الا في نماذج دول النمور الاسيوية و التي استفادت بشكل مباشر من منطقة الفراغ بين منطقتي الصراع المباشر بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي وكذلك الصين التي استفادت ايضا من الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة و اليابان بينما سقطت كل التجارب الاخرى بسبب دخولها بشكل مباشر في منطقة الصراع (هذا الموضوع طويل و شائك جدا و يحتاج الى مناقشات كثيرة لا تتسع هذه المقالة لها خاصة ان هناك نماذج اخرى نجحت و لكن لاسباب مختلفة بعض الشيء و منها البرازيل و تركيا و الى حد ما ايران و لذلك يجب العودة اليها في مقالة اخرى لكن خارج نطاق هذه السلسلة).

اما في الدول العربية و منها العراق و التي شكلت دوما احد اهم محاور الصراع بين القوى الناشئة و القوى القائمة فان عوامل ذاتية و منها الصراعات الداخلية او البينية اي بين الانظمة قد لعبت دورا مهما في عدم تحقيقها لاي مستوى حقيقي من التنمية. بكلام اخر فانه يمكن القول اجمالا بانه لم تجري محاولات جدية لبناء اي نموذج حقيقي و اكتفت الانظمة المتعاقبة باستخدام مفاهيم هذه النماذج التي ذكرناها اعلاه كشعارات سياسية لدعم خطابها الايديولوجي الذي كان هو الاخر يعكس عجزها التاريخي و صلابة عقلانيتها التقليدية الابوية و الذاتية المفرطة والتي استثمرت مشكلة فلسطين فيها لكي تلعب دورا حاسما في شرعنة العجز و تبذير الاموال و الطاقات و الامكانات خارج اطار اي عمل تنموي جدي.

في الحقيقة فان التسيس قد عطل ايضا المحاولات العربية التبسيطية لانشاء تكتلات اقتصادية مثل الجامعة العربية و مجلس التعاون الخليجي والمشروع المغاربي ومجلس التعاون العربي بين العراق و الاردن و اليمن و مصر و الذي كان الهدف الاساسي منه دعم الصراع التقليدي مع دول الخليج من جهة و من جهة اخرى خدمة الصراع التاريخي بين العرب و الايرانيين الصراع و الذي انعكس حين انشاء ها المجلس على شكل حرب عراقية ايرانية ربحها العرب عسكريا و ربحتها ايران تنمويا و استراتيجيا.

الان يتم تصوير النموذج التنموي في العراق على انه نسخة حديثة من نموذج التنمية في كنف قوى عظمى اي الاعتماد على مستوى خاص من العلاقة مع الولايات المتحدة كضمان لتحقيق نهضة تنموية في البلد. الفكرة ليست سيئة ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في ان زمن هذا النموذج قد ولى لان الاليات التنموية في عالم اليوم تحددها السوق وفق منطق العولمة و كل ما تستطيعه الدول هي التكتل في منظومات منطقوية او جهوية كما تسمى في المغرب العربي Regionalization حيث تسعى الدول الداخلة في كل منظومة الانفتاح على بعضها البعض بغية انشاء دورة متكاملة من السوق الداخلية عابرة للحدود الدولية و قوانين الحماية و الدعم فيما بين دول المنظومة.

هذه التكتلات قد حدت كثيرا من فعالية منظمات دولية سابقة مثل منظمة التجارة العالمية التي بنيت على ذات الاسس و لكنها ظلت انتقائية بسبب هيمنة الدول الغنية. و هذا يؤدي بنا الى مجموعة ملاحظات اذكر بعضها على عجالة و هي اولا… ان الولايات المتحدة لم يعد باستطاعتها مساعدة اية دولة عن طريق قوانين هذه المنظمة. ثانيا… ان العراق و الولايات المتحدة لا يقعان في منطقة جغرافية واحدة او مجاورة و هذا معناه انهما لا يمكنهما الدخول في تكتل مشترك. ثالثا… ان الاقتصاد الاميركي يعاني من صعوبات جدية و هذه الحقيقة تضع معوقات غير قابلة للحل في المرحلة الراهنة امام امكانية الولايات المتحدة في المساهمة بشكل ثنائي للمساعدة في انهاض اقتصاد بلد مدمر مثل العراق. رابعا… انه ليس هناك اي نوع من التكامل يمكن بناؤه بين مستوى التطور الاجتماعي و الاقتصادي بين دولة تتمتع باعلى درجة وصلت اليه البشرية و دولة ما تزال لم تتعرف على ماهية العلم و المعرفة الحديثة. لكن هذه الحقيقة لا تمنع قيام درجة معينة للتبادل التجاري بين البلدين و لكن هذا التبادل لا يمكن ابدا ان يقترب باي شكل من الاشكال من احتياجات المجتمع الاميريكي كما ان مستوى المساهمة الاميريكية التي يمكن ان تصنع تنمية لا يمكن ان يستوعبها المجتمع العراقي و العربي عموما. في هذه المناسبة لابد من التذكير بان استيراد الولايات المتحدة او الدول الغنية للمواد الاولية و منها النفط و تصديرها للاسلحة و التكنولوجيات المصنعة الى الدول النامية قد اثبتت لحد الان انها لا يمكنها ان تؤسس لبناء تنموي بل في الخقيقة تلعب دورا كبيرا في تدمير اية محاولة جدية لانشاء برنامج تنموي فعال.

اذن ما هو البديل للعراق؟ هذا هو السؤال الجذري و الشرعي الذي يجب ان يطرحه اي باحث و صانع قرار بل اي مواطن يهتم بمسألة التنمية في البلد. من المؤكد انه سؤال مؤرق و عليه فانه من السذاجة الادعاء بمعرفة الجواب, لكن ما يمكن البدء به مجموعة اجراءات اولية مثل اولا … دراسة الوضع العام و كذلك التفاصيل الدقيقة لتطور المجتمع و من ثم وضع الاوليات و الاهداف التي تتوافق مع الواقع الاجتماعي و الاقتصادي من جهة و من جهة اخرى مقارنة الامكانيات المادية و البشرية للبلد مع مثيلاتها للبلدان المجاورة و المماثلة في مستوى التطور العام. ثانيا…. الفصل بين السياسة و العمل المهني للذين يتولون امر التنمية. ثالثا…. انشاء مؤسسات مختصة يقوم عليها خبراء عراقيون مهنيون تقوم ايضا باعداد دراسات و تدريب و تأهيل مجموعات مهنية بل و نشر ثقافة المهنية بعيدا عن التسييس.
لعل احد اهم اركان المهنية و بالتالي العمل التنموي هو احترام عامل الوقت و في هذه المناسبة اود ان اجري بعض الاحصاءات البسيطة فيما يتعلق بهذا العامل اثناء اعمال المؤتمر.

اولا ….ان عدد المدعوين الى المؤتمر كان يتراوح بين 150-160 شخصا. عدد الذين حضروا منهم ورشة التنمية كان 5 افراد ثم ازدادوا في النهاية الى 8 (راجع المقالة الثالثة)و هذا يعني ان نسبة المهتمين بالتنمية من المدعوين تراوح بين 3.3 الى 5.0 في المائة. و هذه نسبة قليلة جدا اذا عرفنا ان احد اهداف المؤتمر المعلنة هو مساهمة المهاجرين العراقيين في تنمية بلدهم الام.

ثانيا… ان عدد ساعات عمل المؤتمر حسب الجدول كان 6 ساعات في اليوم الاول و 36 ساعة في اليوم الثاني موزعة على 6 مجموعات او ورش و 12 ساعات موزعة على 6 ورش و ساعة واحدة للجلسة الختامية العامة في اليوم الاخير اي ان المجموع العام كان 55 ساعة تخصص منها 6 ساعات للتنمية اي بنسبة 10.9 في المائة من الوقت الكلي للمؤتمر. هذه تشكل ايضا نسبة قليلة جدا… لكن…و هذا ثالثا… عدد ساعات ورشة التنمية كانت 6 ساعات في اليوم الثاني و 2 ساعات في اليوم الاخير اي 8 ساعات. لكن في الحقيقة انقضت الساعات الاربع الاولى من بدء عمل الورشة في اليوم الثاني بسبب المحاضرة الطويلة لرئيس الورشة و مداخلات الوزير و وكيله و السفير العراقي في السويد و المدير في الوزارة فقد بقيت 4 ساعات فقط للمداولة و كتابة التوصيات التي يجب كان ان تخرج بها كل ورشة و لذلك فقد استخدم كل الوقت المخصص لعمل الورشة في اليوم الاخيرلكتابة التوصيات و عدد ساعاتها هو 2 ساعات. اذن الوقت الحقيقي لمداولات الورشة كان 2 ساعات فقط اي بنسبة 25 في المائة و اذا قسمنا هذا الوقت على عدد المشتركين فان نسبة الوقت المخصص لكل مشترك في الورشة تراوح بين 5.0 (في حالة حساب عدد المشتركين 5 اشخاص) الى 3.1 (في حالة حساب عدد المشتركين 8 اشخاص)في المائة. رابعا… لو احصينا عدد ساعات المداولات و هو 2 ساعات كما ذكر اعلاه في ورشة التنمية الى عدد ساعات المؤتمر و هو 55 ساعة فان نسبة الوقت المخصص للتنمية تكون 3.6 في المائة فقط. خامسا … لو اعتبرنا المؤتمر كمشروع فان نسبة الطاقة المستثمرة فعلا ستكون النسبة الاخيرة و هي 3.6 في المائة و هي نسبة متدنية جدا و لا يمكن ابدا ان تخلق تنمية باي شكل من الاشكال.

لكن حتى نكون منصفين لابد من التأكيد بان عمل كل ورشة من الورش يعتبرجزءا مهما من البناء التنموي و هذا ينطبق ايضا على الجلستين الافتتاحية و الختامية و لكن بالاضافة الى عامل الوقت اذي تحدثنا عنه هناك امران مهمان يجب توفيرهما في العمل التنموي. هذان الامران المهمان هما التنظيم وواقعية المطالب او التوقعات. و في الحقيقة لا اريد ان ادعي انني اعرف عن هذين الامرين فيما يتعلق بالعمل داخل الورش الخمسة الاخرى غير الورشة التي كنت مشتركا فيها بينما اشرت في المقالتين الاولى و الثانية الى بعض ما جرى في الجلستين العامتينحيث ان ما لاحظته هو سوء التنظيم و الكلام الكثير عن رغبات غير واقعية من حيث امكانية تحقيقها في المدى المنظور و من ثم عدم احترام الوقت.

هذا كله خلق نوعا من الفوضى التي هي اشد اعداء العمل التنموي لان الفوضى توفر افضل بيئة للصراعات نتيجة كثرة المطالب من جهة و فقدان الامان من جهة اخرى و بالتالي فان المحصلة النهائية هي ليس فقط انعدام امكانية البناء بل ان الامور تؤول الى هدم و تدمير ما هو موجود ايضا. و لكن لحسن الحظ و نتيجة جهود القائمين و ان كانت متواضعة فان المؤتمرلم يتحول الى فوضى مدمرة ولكنه في الوقت ذاته لم يكن كذلك منتجا بالمفهوم التنموي.
في المقالة التالية و التي ساحاول ان اجعلها الاخيرة ضمن هذه السلسة سنتحدث عن مشاكل المهاجرين في اطار التطور الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في البلدان الحاضنة اي اننا سنتحدث عن العلاقات الدولية من زاوية اخرى….

د. اكرم هواس – اكاديمي عراقي-الدنمارك