الرئيسية » مقالات » اوراق مؤتمر ستوكهولم….4

اوراق مؤتمر ستوكهولم….4

ترددت بعض الشيء ان اواصل مقالاتي حول التنمية بينما يمر العراق بمرحلة اخرى من ازمته التي لا تنتهي منذ انشاء الدولة الحديثة والتي كان من اولى مهامها ان تؤسس للتواصل بين الناس عن طريق اقامة بناء تنموي يلبي حاجات الناس و يحميهم و يضمن مستقبلهم. من سخرية القدر انه بينما كانت الازمات السابقة تنسب الى الثقافة و الحكم الدكتاتوري فان اغلب المراحل الحالية من الازمة تحدث تحت شعار الديمقراطية و التنمية. في الحقيقة لا اجد الا ان اؤكد ما كتبته في مناسبات سابقة بانه …. كما ان الديمقراطية التي يتغنى بها الجميع هي ليست شمسا تشرق هكذا و تنير الدرب للناس فان التنمية ليست مزامير و ادعية و اناشيد نحفظها عن ظهر قلب و نرددها في المناسبات.

المقالة الثالثة ختمتها ببعض الملاحظات التي لم انتهي منها و لكني ارجأتها حتى ابدأ هذه المقالة بقضية اخرى و هي قضية حيوية جدا و تعتبر واحدة من اهم اركان العلاقة بين البيروقراطية و التنمية.

قبل ايام قرأت مقالة للاستاذ عادل حبة بعنوان (العراق بحاجة الى نهج علمي وكفاءات وخبرات استثنائية للخروج من معضلته) يناقش فيها مقالة سابقة للسيد علي الاديب وزير التعليم العالي (بعنوان خارطة طريق لمعضلة العراق) ذكر فيها وزير التعليم ملاحظة مهمة جدا لانها تبدو و كأنها تلخص تشخيص الدولة للمعضلة العراقية بالقول ( الصراع الذي نراه ماثلاً في كل نواحي الحياة العراقية الآن، يدور بين منهجين وثقافتين وسلوكين، يحاول كل منهما ان يتسيد الساحة ويتحكم بها، صراع تعود جذوره الى ثلاثة عقود مضت).

في الحقيقة و بغض النظر عما كان يدور في مخيلة السيد وزير التعليم العالي لانه لم يذكر ماهية هذين المنهجين كما يؤكد ذلك الاستاذ عادل حبة فانه من الضروري بمكان التأكيد بان طبيعة الصراع في العراق لا يمكن اختزالها الى مثل هذه الثنائية التقليدية فهناك الكثير من المشاريع الثقافية و الاجتماعية و السياسية تتصارع فيما بينها و لا تستطيع حتى الاصطفاف الى فريقين واضحي المعالم و الرؤى و ان كانا يقفان بشكل عدائي سافر ضد بعضهما البعض, لانه لو تبلورت الامور بها الشكل لكان ذلك عاملا مساعدا في التشخيص و لكن الواقع يؤشر الى حقيقة مرة و هي ان واحدة من اهم مشاكل العراق هي العجز عن التشخيص بسبب السرعة الهائلة في خلط الاوراق و تبادل الادوار و التغيير غير المنطقي للولاءات و التحالفات الداخلية و الخارجية….الخ.

وسط هذا الخلط تبدو قضية التسيس التي ذكرتها في المقالة الثالثة و وعدت ان اعود اليها اقصر الطرق للخروج. تشخيص وزير التعليم العالي الذي يصفه الاستاذ حبة بانه منظر حزبه هو تشخيص يقوم بشكل او باخر على تسيس قضية حيوية و هي معضلة الركود في الوضع العراقي تنمويا و التسيس هو امر لايدل بالضرورة على محاولة تفضيل الرؤية السياسية الذاتية و انما ايضا هو مؤشر للعجز و محاولة للهروب من مواجهة الواقع الذي يزداد كل يوم ترديا. هذه المواجهة تحتاج الى ادوات اخرى غير الايديولوجيا التبسيطية, فالبكاء و العويل اسهل بكثير من دفع الشر كما يقال فكيف اذا كان الامر يحتاج الى علم و خيال و قدرة على البناء وسط الركام.
هناك قصة قصيرة جدا يعرفها الكثيرون و لكن لابأس ان نذكرها هنا لعلها تنفعنا في تكوين مفهوم حول ما يجري و بالتالي ربما نستفاد من دروسها… في احد الايام ذهب طفل الى المخبز ليشتري الخبز و عندما عاد و يحمل الخبز استوقفه منظر طفل اخر يجلس عند باب و يبكي بالم شديد فتوقف حامل الخبز و سأل الطفل الاخر.. لمذا تبكي هل انت تائه.. فاجابه..لآ .. انا جوعان ولم اكل منذ يومين.. فالمه ما سمع و جلس بجانب الطفل الجوعان ينحب هو الاخر.

اذا جمعنا هذه القصة مع المثل الصيني الذي ردده الوزير المفوض و رئيس ورشة التنمية في المؤتمر و هو… لا تعطيني سمكا بل علمني كيف اصطاد… نصل الى محصلة و هي تقاطع عاملين مهمين اولهما التعاطي مع المشكلة بدلا من الهروب الامر الذي لم يستطع الطفل حامل الخبز ان يفعله و من ثم تشخيص العجز و هو ما طلبه الفقير الصيني من الصياد و هو المبدأ الاولي للبناء اي التعلم لان ذلك فقط يمكن ان يؤسس لما يطلق عليه التنمية المستدامة او المستديمة التي تستند ايضا الى نوع الانتاج المرتبط بالامكانات الذاتية و القدرة الشرائية من جهة و من جهة اخرى بشبكة الانواع الاخرى من الانتاج و التي تؤلف بمجموعها دائرة انتاج قابلة للتغذية الذاتية بحيث انه لا تنقطع كما انها لا تترك فجوات قد تحدث بسسب تطور احتياجات المجتمع.

طبعا من الممكن ربط هذه الشبكة مع دول اخرى والتي يفضل ان تكون مجاورة و لكنها يجب ان تتمتع بظروف و تطور اجتماعي لا تختلف كثيرا عن التطور الاجتماعي في المجتمع موضوع البحث حتى لا تخلق اسسا لصراع طبقي مبني على اساس التطور الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي.
رغم ان نظرية التنمية المستدامة طورها بشكل كبير الباحث السويدي بيورن هتنة في بداية التسعينات من القرن الماضي و تتضمن عوامل كثير اخرى الا ان تجربة الدول اوروبية في تأسيس السوق الاوروبية المشتركة والتي تطورت فيما بعد الى الاتحاد الاوروبي قد بنيت بشكل ما على هذا الاساس. و هذا ما فعلته ايضا النمور الاسيوية اي دول جنوب شرق اسيا و منها ماليزيا و كوريا الجنوبية اللتين اشارت اليهما احدى توصيات ورشة التنمية (طبعا هناك عوامل اخرى دفعت بالتنمية في هذه البلدان ربما اعود اليها لاحقا في مقالة حول التنمية و العلاقات الدولية).

هذه الدول عملت على تشخيص و بشكل دقيق لامكانياتها و لضعفها و لذلك استطاعت ان تبني نموذجها الخاص و لم تستورد نماذج جاهزة كما اقترح التربوي في ورشتنا التوصية التالية… نقل التجارب الناجحة للدول مثل ماليزيا و كوريا و غيرها الى العراق…, فاعترضت و اقترحت.. الاستفادة من التجارب… فهزت موظفة وزارة الخارجية التي تكتب ما نقول رأسها و قالت.. و ما هو الفرق؟… قلت لها…هناك فرق كبير.

القضية الثانية التي تهمني في مقالة وزير التعليم العالي و رد الاستاذ عادل حبة عليها تخص العلاقة بين التشخيص لمشكلة التنمية و الواقع الاداري البيرقراطي الذي تحدثنا عنه في المقالة الثالثة.

اثناء دردشة جانبية مع احد موظفي وزارة الهجرة اكتشفت شيئا و من المؤكد انه ليس اكتشافا جديدا و لكنه مهم و هو ان الوزارة تتألف من ثلاثة مجموعات غير متجانسة من الموظفين سماهم الموظف بالاجيال الثلاثة. الجيل الاول يتكون من مجموعة من موظفين سابقين عملوا في وزارات و مؤسسات اخرى في عهد النظام السابق و انتسبوا الى الوزارة الجديدة. بينما الجيل الثاني يتكون من مجموعة من السياسيين التابعين لاحزاب مختلفة احتلوا المراكز المهمة في الوزارة حسب اليات المحاصصة الطائفية و السياسية. اما الجيل الثالث فانه يتألف من مجموعة من الشباب الذين تم تعيينهم لاملاء الفراغ في الوظائف او للحد من البطالة …او…الخ. معظم هؤلاء يقومون باعمال لا تمت الى اختصاصاتهم الدراسية بشيء و بعضهم لا يملك اية مؤهلات علمية حقيقية.

الان الملاحظة الاولى التي ممكن ان نبديها من وجهة النظر التنموية تتعلق بالصعوبة البالغة جدا في وضع مسار تنموي يتوافق مع قدرات و امكانيات هذه المجموعات التي تفتقر الى رؤية متجانسة ليس فقط بسبب الهوة الكبيرة بين الاجيال و انما ايضا بسبب عدم وجود رابط بين العناصر التي يتألف منها كل جيل بسبب الاختلافات الكثيرة في الخلفية الثقافية و السياسية والمصالح و الرؤية المستقبلية و هكذا.

ثانيا …ان هناك نظرية في العلوم الادارية تسمى (نظرية دولة الموظف). هذه النظرية تعارض النظرية السياسية التي تركزعلى دور القوى السياسية و النظرية الاقتصادية التي تركز على العمليات الاقتصادية في تقرير ادارة الدولة. محتوى نظرية دولة الموظف يرتكز على الدراسة التفصيلية لدور الموظف في تحويل القرارات السياسية و المناهج الاقتصادية الى واقع عملي يمس حياة الناس و بالتالي يقرر بشكل كبير تطور العلاقات داخل المجتمع. فالموظف و لاسباب كثيرة منها تتعلق بالامكانات العلمية و القدرة الذهنية و المستوى الاجتماعي و التطور النفسي و الخلفية الثقافية و السلوك الشخصي….الخ يمكن ان يحول القرارات السياسية و الاقتصادية الى مسارات لا تتفق مع روح هذه القرارات و اهدافها و اولوياتها.

بعض هذه المشكلات يمكن حلها او على الاقل التخفيف من حدتها عن طريق تنظيم دورات تدريبية بفواصل زمنية محددة و معقولة لكن بعض المشاكل خاصة المزمنة منها او التي ترتكز بشكل وعيوي على المصلحة الخاصة او السياسية و غيرها فان ايجاد حلول لها يكون امرا اصعب بكثير و هذا ينطبق ايضا على المشاكل التي تجد جذورها في الوضع العام للمجتمع. طبعا ليس الهدف هنا التجني على احد و لكن وجود هذه الاجيال الثلاثة و بهذه الصورة التي رسمها لنا الموظف يعطي انطباعا اوليا بوجود صعوبة بالغة في وضع سياسة عامة قابلة للتطبيق ولو بنسب متوسطة.

ثالثا… اذا اضفنا الى الاجيال او المجموعات المذكورة مجموعتين اخريين و هما مجموعة الخبراء و كذلك مجموعة المستثمرين حيث ان الكثير من هؤلاء هم اجانب فان الامور تبدو اصعب بكثير. ربما لاينبطق هذا الامر كثيرا على وزارة صغيرة وناشئة مثل وزارة الهجرة و لكنه من المؤكد ينطبق على وزارات اهم مثل التخطيط و النفط و الصناعة و الزراعة و التجارة و المالية و غيرها. صعوبة الامر تكمن في مجالات كثيرة و لكن هناك مجالين مهمين يكون دور الاختلافات فيهما حاسما و هما ما يسمى مجال اتخاذ القرارDecision Arena و مرحلة اتخاذ القرار Decision Making. في المجال الاول يفرض الفرقاء المختلفون ارائهم التي تنبع من رؤياهم و مصالحم و بالتالي يستطيع الاقوياء و هم في هذه الحالة الخبراء و المستثمرون ان يؤثروا على رؤية الاخرين, و في المرحلة التالية فان هذين الطرفين يلعبان ايضا الدور الحاسم في تحديد الاولويات و الاهداف و هكذا فان هذين الطرفين يحدان من حرية صانع القرارDecision Maker الذي لا يجد دعما قويا من موظفيه كونهم يفتقرون الى القدرات العلمية التي يتمتع بها الخبراء و المتستثمرون.

رابعا…ما يضعف من قدرة صانع القرار ايضا عدم وجود قوانين محددة بتفاصيل دقيقة. و في الحقيقة فان عملية طرح القوانين و دراستها بشكل يتفق مع مستوى التطور الاجتماعي و اخذا بنظر الاعتبار التطورات الممكنة في المدى القريب و المتوسط هي عملية تحتاج الى جهود كبيرة و الى استقرار اجتماعي و سياسي كما يوجب التقليل جدا من التدخلات السياسية و غيرها.مثل هذه الظروف غير متوفرة في العراق و لذلك فان الكثير من القرارات المهمة تتخذ بشكل ارتجالي و ان بنية ايجابية و لكنها في الواقع تعكس الصراع السياسي و بالتالي التوازن بين القوى السياسية و المصالح الاقتصادية اكثر من رؤية تنموية تدرس على اساس رؤية استراتيجية.

الملخص الاولي هو ان الدولة لا تمتلك القدرة على ادارة العملية التنموية بشكل كفوء حتى وان توفرت النيات الطيبة كما ان الصراع السياسي يدفع باتجاه المزيد من التسيس كمحالة للهروب من واقع غير قابل للتحمل….. نكمل في مقالة لاحقة…

د. اكرم هواس – اكاديمي عراقي-الدنمارك