الرئيسية » مقالات » اوراق مؤتمر ستوكهولم….3

اوراق مؤتمر ستوكهولم….3

المقالة الثانية في هذه السلسلة خصصتها للحديث عن الثقافة العامة التي تحدد الكثير من توجهاتنا و مفاهيمنا منها قضية التنمية. و كان لابد من تناول واحدا من اهم العناصر الثقافية و هو الدين و اختيار الاية القرانية جاءت لانها توفر مفهوما يتفق عليه الجميع تقريبا ليس فقط المؤمنون بالديانات الاخرى غير الاسلام و انما ايضا المؤمنون بالفكر الماركسي الذين يؤمنون بقيام الشيوعية في مرحلة تالية من التطور الانساني اما الليراليون فقد اعلنوا فعلا نهاية التاريخ و انتصار الحرية على لسان فوكوياما.

على كل حال فاننا سنواصل الكلام عن ذات الموضوع في هذه المقالة و لكن بادخال عناصر اخرى تنبع من ارهاصات التطور الحديث في ادبيات العلوم المختلقة و منها علوم الاجتماع و خاصة علم الاجتماع السياسي و التنموي و كذلك علم الاقتصادي السياسي و غيرها.

اجواء المؤتمر لم تختلف كثيرا عن الاجواء العامة في كثير من بلدان العالم و العراق ليس استثناء في الحديث عن مصطلحين مهمين و هما الديمقراطية و خاصة مصطلح المشاركة في العملية التنموية و كذلك مصلح التنمية المستدامة او المستديمة. و طالما انني كنت مشاركا في ورشة التنمية فان هذه المصطلحين تكررا بشكل او باخر و لكن رئيس الورشة و هو موظف في السفارة العراقية في استوكهولم و بدرجة وزير مفوض فقد اضاف ايضا و باصرار شديد مصطلح الوطنية.
و لكن قبل ان نناقش هذه المصطلحات من زاوية علم الاجتماعي السياسي فدعنا نضعها في زاوية الممارسة العملية من خلال الاداء و العلاقات التي سادت النقاشات داخل ورشة التنمية في المؤتمر و هي الورشة التي كنت مشاركا فيها.

كانت ورشتنا هي من اصغر الورش و ربما اصغرها على الاطلاق (هناك شكوك حول ورشة المرأة كما ذكرت في المقالة الاولى). ورشة التنمية تألفت من مجموعة صغيرة…. كان هناك اربعة موظفين حكوميين و هم رئيس الورشة و مدير من وزارة الهجرة عمل اثناء الجلستين العامتين الافتتاحية و الختامية كمقدم للشخصيات التي القت كلمات على المسرح, ثم كانت هناك موظفتان احداهما من وزارة الصناعة و الاخرى من وزارة الخارجية. اما المشاركون فكانوا خمسة منهم سيدة اعمال و معلم او تربوي و طالب ماجستير و مهندس و اخيرا انا حيث كنت الوحيد الذي يحمل شهادة دكتوراه في التنمية بينما الوزير المفوض يحمل كذلك شهادة دكتوراه و لكن في الفلسفة. في الجلسة الثانية بعد الظهرانضم الينا شاب اخر كان طالبا جامعيا وفي اليوم الثاني انضم ايضا طالب جامعي اخر و اخيرا قبل اختتام جلساتنا بحوالي نصف الساعة انضم الينا مهندس خبير و لكن للاسف كان الوقت قد انقضى تقريبا.

بدأ الوزير المفوض الذي كان يتمتع بروحية ودية جدا بل و باعلى درجات المرح و الفكاهة و السلاسة بتقديم ما سماه هو مفهوم التنمية و لكنه في الحقيقة كان تقديما طويلا جدا لتاريخ تطور المفهوم فابتدأ بالمفاهيم الكلاسيكية و عرج الى مفاهيم حديثة و لكنها عمومية جدا و استغرق ذلك كل الوقت المخصص للجلسة الصباحية. حاول زميلي المهندس الذي كان يجلس بجانبي ان يطلب من الوزير المفوض تحديد وقت لكل مشاركة لكن دون جدوى و حاولت انا مقاطعة السرد الطويل و دفع الجلسات الى مناقشات حول متطلبات التنمية في الوضع الحالي في العراق, ولكن ايضا دون جدوى. فكان الاستاذ الجامعي سابقا و الوزير المفوض حاليا مصرا بكلامه المعسول ان يعيدنا في كل مرة الى ذات المسار اي تكملة محاضرته التاريخية.

في هذه الاثناء كانت تحدث بين الفينة و الاخرى ايضا اقتحامات الموظفين المتكررة ثم الوزير و حاشيته كما ذكرت في المقالة الثانية, و لكن بعد جهد جهيد حول رئيس الورشة الكلمة الى المدير او موظف وزارة الهجرة الذي تحدث ايضا باسهاب عن المشاكل المتعلقة بعمل وزارته خاصة ظروف الحرب الاهلية و غيرها. تبعته موظفة وزارة الصناعة التي ذكرت بايجاز ظروف العمل في دائرة الاستثمارات في وزارتها. و قد طرحت عليها ثلاثة اسئلة تتعلق بالاولويات و مستوى التنسيق الامني و قانون المشاركة الاستثمارية و قد جاءت اجوبتها في غير صالح عملية تنموية (ساعود الى هذه القضايا لاحقا).

في الجلسة المسائية جاء دوري للكلام لان موظفة الخارجية كان عملها مقتصرا على تسجيل مداخلاتنا والتوصيات ليس الا و قد ارهقت شديدا مما دفعني للتعاطف معها و لكن للاسف دون ان استطيع ان اقدم اية مساعدة. كنت قد اعددت ورقة لتقديمها للمؤتمر و قد بعثت بعنوانها و ملخص عنها الى المنظمين قبل ايام ( شرحت بعض عناصرها في المقالة الثانية و ساكمل لاحقا) لاني اعتقد انني مثل كل المشاركين الاخرين ساحظى بفرصة عرضها و لكني اكتشفت ان الوقت قد ضاق علينا بشكل كبير, و لذلك دخلت بشكل مباشر وطرحت ضرورة اعادة هيكلة السياسات التنموية. طلبي احدث نوعا من المفجأة فأنكره رئيس الجلسة اما زميلي المهندس فقد فاجأني بسؤال و ان بدا بسيطا الا انه كان ذا دلالة فلسفية عميقة يؤكد ما ذهبت اليه في المقالة عن الثقافة الابوية العامة و لكنه ايضا كان سؤلا محيرا بشأن ما يمكن عمله ازاء هذه الحالة. سألني( هل يجب ان نغير الشعب العراقي؟). للحظة ما احسست انني امام معضلة حقيقية لان التنمية تحتاج فعلا تغييرا اجتماعيا و ثقافيا و هو امر غاية في التعقيد وسبق و ان كتبت مقالات عديدة عنه ولكن هل يمكن الحديث عنه في هذه المناسبات السريعة؟ و لذلك كان جوابي (لا.. طبعا… و لكن يجب تغيير اشياء كثيرة منها طريقة التفكير و طبعا الهيكلية العامة في ادارة عملية التنمية…. ينبغي على الاقل ان تكون لدينا اولويات و قبل كل شيء لابد ان نعرف لماذا نريد التنمية و اية تنمية نريد…. في مرحلة ما طغى مفهوم الكتش اب او اللحاق بالقطار و كان محوره انه يجب ان نتطور بسرعة و الا تسبقنا الامم الاخرى و نكون بذلك خارج التاريخ كما اكد ذلك اصحاب مدرسة التطوريين و التبعية – انظر مثلا كتابات فوزي منصور و سمير امين. رغم اهمية هذه الفكرة و الاسس العلمية التي تستند اليها الا انها خلقت هستيريا دفعت بلداننا الى اختيار اولويات اطاحت بما كان موجودا و لم يستطع بناء اسس تنموية جديدة).

بالمناسبة كنت قد تحدثت بهذا الموضوع في مناسبات متعددة مع الاخوة الباحثين و منهم سمير امين نفسه في مركز البحوث العربية و الافريقية في القاهرة و الذي ينتمي اليه افضل الباحثين في مدرسة التطوريين و التبعية و دخلنا في نقاشات كثيرة و هناك من كتب عن هذا الموضوع بالفعل.

على كل حاولت حاولت ان اوصل هذه الفكرة بشكل اكثر واقعية فقلت لهم ان اعادة الهيكلة ليس امرا جديدا فهو يشكل دوما من اهم شروط البنك و صندوق النقد الدوليين في منح قروض تنموية الى الدول النامية و الواقع التاريخي يخبرنا ان هذه الشروط قد ادت الى مشاكلات كثيرة بل و ازمات مثل ثورة الخبز في مصر سنة 1977 , ثم ان هناك كلاما الان عن مفاوضات بين العراق و هاتين المؤسستين العالميتين و لذلك اتسائل… لماذا يجب ان نقبل بشروط هؤلاء التي ستزيد من ازماتنا و لا نعيد بانفسنا هيكلة سياساتنا وفق ما يتفق ما واقعنا و مستوى التطور لدينا؟

بعد ذلك طرح زميلي المهنس بعض الافكار المهمة حول مشاريع ومبادئ مهمة يمكن ان تدخل ضمن دائرة اعادة الهيكلة و كذلك فعل الطالبان الجامعيان خاصة طالب الماجستير الذي يدرس الطاقة البديلة اما الاستاذ التربوي فقد اعلن صراحة تأييده لاعادة الهيكلة و قدم افكارا مهمة بهذا الشأن و قدمت سيدة الاعمال ايضا افكارا مهمة حول مشاريع محددة. اما المهندس الخبير الذي انضم الينا في اللحظات الاخيرة و الذي لم يتسنى له الاطلاع على كان قد دار بيننا من نقاشات فقد طالب بشكل واضح ايضا باعادة الهيكلة و قال شيئا و هو يستمع الى توصياتنا… (ان هذه التوصيات لا قيمة لها فهي كانت موجودة في كل القرارات التي كانت تصدر في حقبة النظام السابق و انا قرأت الكثير منها و هي تصدر الان في قرارات حكومة اقليم كردستان لكني اطلعت على بعض المشاريع العمرانية و شخصت مشاكل خطيرة و مهمة…. اننا نحتاج الى تغيير فعلي و ليس الكلام فقط)….. كلامه احدث تغييرا مهما حيث ائذاك اقتنع رئيس الورشة ان يدرج مسألة اعادة الهيكلة في التوصيات و هكذا كان.
هنا اود ان الخص سبب ذكري لهذه التفاصيل و كيف ترتبط بالسياق العام لاشكالية التنمية خاصة في البلدان النامية…… الملاحظة الاولى انني لم اذكر اي شخص بالاسم لاحترامي الشديد لخصوصية كل المشاركين و حقهم في ابداء رأيهم لانهم قد لا يتفقون معي او حتى يعارضون رأي سأنهن في ذلك شأن اي شخص اخر حضر المؤتمر او لم يحضر من الذين يقرؤون او يسمعون بهذه المقالات. فانا اكن كل الحب و الاحترام لكل زملائي في الورشة و الاخرون و هدفي هو تقييم عملنا على اسس الشفافية و طرح الاراء المختلفة. لكن اود ايضا ان اؤكد ان علاقاتنا في الورشة كانت على اعلى درجات المودة و الاخوة و الصداقة و الاحترام و هذا شيء ايجابي لاننا رغم هذا كنا نتناقش و نطرح اراء مختلفة دون ان يؤثر على علاقاتنا الطيبة. اشكرهم على ذلك.

ثانيا…و لكن طبيعة العلاقات الطيبة لم تلغي وقائع اخرى… نعم لقد هناك بضع محاولات لشخصنة الاراء المطروحة كما جرت محاولات حثيثة لتسيس مسار مناقشاتنا, و كان لابد من رفض هذه المحاولات بشكل قطعي. على هذه الاساس ابديت اعتراضي الشخصي لادخال مصطلح الوطنية لانه مصطلح قد تم تسيسه بشكل كبيرعبر العقود الماضية اي منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة و قد ادى ذلك الى ارسال الكثيرين الى السجن و مشانق الموت بسبب التعريف الانتقائي لهذا المصطلح , كما انه و في مجال التنمية فان الوطنية تعني اشياء اخرى غير الحديث السياسي الذي يرتكز الى و يبرز مقولات تبث التفرقة مثل (قتلونا…نحن ضحايا… دمرونا… الخونة… القوى الوطنية… القوى العميلة… الخ). ساناقش بتفصيل اكثر هذا المصطلح وغيره من وجهة نظر تنموية في مقالة قادمة.

ثالثا… ان هذه التفاصيل تؤشر الى البون الشاسع بين الالتزام بالثقافة الابوية و المسلمات القطعية للسلطة و حرية التفكير… لابد ان نتذكر هنا ان التنمية هي المحصلة التفاعلية بين القدرة و العجز او الامكانات و المعوقات. و في هذا الصدد فان هناك مئات الدراسات التي تضع البيروقراطية ضمن احد اهم هذه المعقوات للتنمية في كل العالم و خاصة في الدول النامية لان الاسس البيروقراطية قد وضعت في مرحلة تاريخية تجاوزها الزمن, ثم ان هناك نقطة غاية في الاهمية و هي ان هذه الاسس البيروقراطية قد وضعت خارج اطار الرؤية والاهداف التنموية.

رابعا… ان الهياكل الموجوة يتم تجاوزها بشكل انتقائي من قبل المستثمرين مستغلين حاجة العراق الضرورية للتنمية و لكن النتائج المستحصلة تؤشر الى فوضى ستخلق مستقبلا مصاعب لا يمكن تصورها الان و ستؤدي بشكل كبير الى خسائر هائلة ليس في الاموال و لكن ايضا في الوقت لان كل يوم يمر و كل مشروع يقام دون رؤية تنموية واضحة سيكون وبالا جديدا و معوقا تراكميا يصعب اعادة هيكلته.

خامسا… هناك خرق واضح لابسط قواعد السياسة التنموية المتبعة في الدول النامية و هي بالاضافة الى قضية الاولويات تتعلق بقوانين حماية حق المواطن عن طريق توفير الافضلية له في العلاقة بين المستثمر الاجنبي و المحلي. هنا اتحدث بشكل خاص عن قانون تحديد نسب المشاركة بين الطرفين حيث تقتضي قوانين الدول النامية على ضرورة تمتع الشريك المحلي بنسبة تفوق النصف بينما اكدت الموظفة في دائرة الاستثمارات في الصناعة عندما سألتها عن هذه القضية بان النسبة الخالية في العراق هي عكسية و بشكل فاضح حيث يتمتع الاجنبي بنسبة 76 في المائة و العراقي بنسبة 24 في المائة فقط. اذا كان هذا الامر ينطبق بشكل عام قانون الاستثمار فاننا ازاء مشكلة كبيرة لان الاستمرار في تطبيقه سيؤدي الى تمليك الاجنبي للبنية التحتية و هذا يتعارض بشكل جذري مع مفهوم الوطنية كما انه سيودي باية امكانية لبناء مشروع وطني سياسيا و اجتماعيا.

سنتابع في مقالة لاحقة العلاقة بين الدولة و التسيس و التنمية..