الرئيسية » مقالات » اوراق مؤتمر ستوكهولم….2

اوراق مؤتمر ستوكهولم….2

عبادي الصالحون
*و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون* القران الكريم, سورة الانبياء, الاية 105

كنت قد تحدثت عن هذه الاية القرانية من منطلق علمي في كتابات سابقة و لكن ما اريد ان اضيفه هنا ان المفهوم التقليدي لهذه الاية و غيرها قد عزز الدور الابوي المطلق لكل من يتسلم اي نوع من السلطة سواء كانت سياسية, اجتماعية ثقافية او اقتصادية في البيت و المدرسة والمعمل و المزرعة او في المؤسسات و المنظمات بمختلف طبيعتها و مهامها و طبعا كذلك في مؤسسات الدولة التي تتربع على الهيكلية السياسية في الادارية في الدولة الحديثة.

المشكلة تكمن ببساطة في ان الذي يتسلم السلطة باشكالها المختلفة يعتبر نفسه من ( عباد الله الصالحين) و ان ما يقوله و ما يقوم به انما هو اصلاح لان الله قد اورثه الارض اي منحه السلطة فيها. هذا التفسير الاختزالي ينتج حالة يجد فيها الحاكم او المتمكن له نفسه في وضع تغريبي حيث انه بدلا من البحث و الاستقصاء عن ثقافة الاصلاح و عن امثل اليات تطبيق هذا الاصلاح يعمد الى اعتبار كل ما يفكر و يرى فيه مصلحته اصلاحا بل هو الصلاح الوحيد للمجتمع دون ان يسأل احدا عن رأيه و لا ان يدرس او يحتسب لما يمكن ان يترتب على ما يقوم به من اجراءات.

في ظل هذه الحالة فان الحاكم او المتمكن له لا يجد في نفسه دكتاتورا بل يجد انه يمارس مسؤوليته امام الله و انه يقوم فعلا بنشر ما وهبه الله من خصلة الاصلاح و انه مهما فعل فانه لا يمكن ان يخطأ لان ذلك يتعارض مع طبيعة مفهوم الاية الكريمة لان تمكينه من السلطة انما هو دليل على اعتباره من الصالحين. اي ان استلام السلطة يعتبر برهانا على تحقيق ارادة الله ووعده و ليس امتحانا للعبد كما يؤكد المفهوم العام للدين مهما كان مركز هذا العبد في المجتمع. (طبعا ارجو الانتباه الى امر مهم و هو اننا لا نتحدث هنا عن الحكام و اصحاب السلطة بصورة عامة لان هناك الكثيرون ممن هم على دراية بواقعهم سلبا او ايجابا و هناك من هؤلاء من يرغم الناس بالقوة على الخضوع و اخرون يعملون بشكل علمي لتحقيق الصلاح و الاصلاح…. و هكذا… نحن نتحدث هنا عن البنية الثقافية التاريخية و التقليدية التي ما زالت مهيمنة في مجتمعاتنا العربية و الاسلامية).

بكلام اخر ان صاحب السلطة يتصرف ببداهة طبيعية او بناء على سجيته او فطرته اي انه يرى ممارسته للسلطة و كذلك خضوع الاخرين لسلطته امرا طبيعيا لا يحتاج للتفكير و التساؤل. اي ان هناك شيء اسمه ثقافة ابوية يتحرك الحكام و الكثير من المحكومين من خلاله دون تساؤل و محاولة للفهم و التغيير. هذه الثقافة تحدد الكثير من علاقاتنا و تضع الاطر لتحركنا و سعينا و جهودنا و رؤيتنا للاشياء بل و اهدافنا و اولوياتنا و اليات عملنا…..الخ …كل هذا بحسن نية.
هذه الحالة لم تكن غائبة عن اجواء مؤتمر استوكهولم و في سلوك بعض القائمين على المؤتمر بشكل مباشر فالمؤتمر كان تحت ادارة وزارة حكومية و هي مؤسسة رئيسية بل و ركن اساسي في سلطة الدولة و عليه كان من الطبيعي ان يتصرف جميع المنظمين على هذا الاساس, لكن من المؤكد اننا شهدنا الكثير من الاستثناءات ايضا من بعض المنظمين و المسؤولين و لعل الوزير نفسه اعطى انطباعا بهذا المعنى في اكثر مناسبة و احداها كانت كما ذكرت في المقالة الاولى عند قطعه لجدول الاعمال ليستمع الى مداخلات الحضور و مناسبة اخرى ايضا كانت في الاجتماع الختامي حيث انه اعتذر عن التقصير و اكد ان الامكانيات محدودة و انه هو و فريق عمله يعملون وفق ما هو ممكن. للحق ايضا ان الوزير حضر اجتماعات متعددة مع ممثلي مجموعات اجتماعية على هامش المؤتمر و خارج اطار جدول اعماله كما انه حضر امسية شعرية تلقائية اي انها تم عقدها في المطعم بعد العشاء و كان نواتها اربعة او خمسة اشخاص ثم توسعت بعض الشيء و عندما سمع الوزير بذلك فانه نزل و حضرها بروحيه مرحة تعودنا عليها في اجواء المؤتمر.

و لكن قبل ان اواصل اود التأكيد على قضية مهمة ذكرت جانبا منها في المقالة السابقة و هي ان هذه المقالات لا تعتبر نقدا لاحد و بالتالي لا يمكن ان تكون مدحا و اطراء لاحد خاصة انني لم اتعود ابدا في كل كتاباتي و بجميع اللغات التي اكتب ان امدح احدا او اقدح شخصا و انما احاول ان اقدم رؤية نقدية قد تكون سياسية احيانا و لكن هذه السلسلة ستتمحور بشكل خاص على مسألة التنمية.

في كل الاحوال فان الوزير و بغض النظر عن رؤيته الشخصية فانه لم يتخل عن الدور الابوي الذي يوفره له او يفرضه عليه منصبه على رأس الوزارة. الوزير و وكيل وزارته و سيدة عضو من مجلس النواب العراقي و سفير العراق لدى السويد مصحوبين بعدد كبير من الموظفين قاموا بزيارة للورشة التي كنت مشاركا فيها. و قد عبرت شخصيا عن عدم رضائي الواضح عن هذه الزيارة خاصة انها جاءت وسط اقتحام تكرراكثر من عشرة مرات خلال ساعة واحدة من قبل المنظمين الذين كانوا يطلبون نفس الشيء و هو قائمة اسماء المشتركين في الورشة . في هذه الاثناء دخل الوزير و حاشيته ايضا و بدأوا يتكلمون الواحد بعد الاخر مما جعلني اغتاظ بشدة لانني فكرت في الكليشة التي ستكتبها صحافة السلطة كما تعودنا (…. و وجه السيد الوزير ارشاداته القيمة….).

مع احترامي للجميع و لكن مالذي يمكن ان (يوجهنا) الوزير اليه و هو على الاقل ليس وزيرا للتنمية و ربما لا يعرف شيئا عنها وفي كل الاحوال نحن لسنا موظفين عنده فلماذا لا يتركنا ان نستغل الوقت الذي كان يضيع دون سدى او كاد (ساوضح هذا الامر بشكل تفصيلي عندما اكتب عن عمل الورشة في مقالة لاحقة)؟
عموما فان هذه الابوية من الوزير سواء اعتبرناها امرا سلبيا ام ايجابيا فانها تمثل رؤية ادارية تستند الى اقلية سياسية حاكمة و لكن اغلبية مهيمنة فيما يتعلق بالنموذج التنموي الواجب اتباعه. و في الحقيقة فان تجربة العراق في تاريخه الحديث لم تخرج ابدا من هذه الازدواجية فقد انتقل من نموذج انفتاح تقليدي الى نموذج رأسمالية دولة تحت مسمى الاشتراكية و الان الى نموذج ليبرالي مستوحاة من اليات العولمة التي تهيمن عليها الراسمالية الهمجية او المتوحشة Hyper Capitalism كما تسمى في الادبيات السياسية. الازدواجية هي بين نموذج الحكم السياسي و النموذج التنموي. ففي النموذج التقليدي لم تكن هناك مؤشرات واضحة عن تنمية على مستوى المجتمع و انما كان الامر متروكا لرؤية اصحاب رؤوس الاموال الانسانية و الوطنية الناشئة, اما في النموذج الثاني فان الدولة كانت مهيمنة بشكل مطبق و لكن كل شيء كان يدور في فلك مصلحة الفئة السياسية المتأدلجة و المؤسسة العسكرية التابعة لها. المواطن لم يكن له وجود في النموذج الاول و اصبح وقودا في النموذج الثاني الذي اطاح بالبنية الزراعية ولم يحقق اي تصنيع و بدلا من خلق طبقة منتجة فانه خلق طبقة من مهاجرين قرويين دمروا المدن التي هاجروا و تركوا قراهم و مزارعهم للاندثار.
النموذج الحالي دمر كل البنية السابقة بسلبيتها و ايجابياتها و بنى اسسا للانانية المادية الفردية التي لا ترتبط باية رؤية مجتمعية و انما ترعى وتؤمن الحق المطلق لاصحاب رؤوس الاموال في اختيار اولوياتهم في الاستثمار. دور الدولة في التنمية تراجع و اصبح هامشيا بشكل كبير في حين ربطت النخبة السياسية مصلحتها بشكل جذري باليات العولمة و الخصخصة اللتين تتركان المواطن دون ادنى مستوى من الحقوق فيما يتعلق بالتنمية و الاستقرار و المستقبل.

بكلام اخر ان التنمية كانت قضية شخصية في النموذج التقليدي ثم جر تسييسها بشكل قاتم في النموذج الثاني حتى تحول في النموذج الحالي الى الية تجزئة و تشظي للاسس المجتمعية. في كل هذه النماذج فان المواطن هو الخاسر المباشر و هذا يفسر الهيستيريا التي يعانيها الكثيرون و التي تنتج تداعيات منا العنف و الاغتراب الداخلي و الجريمة و ايضا الهجرة من الوطن. لابد ان نذكر هنا بان موجات الهجرة العراقية الكبرى بدأت سياسية في نهاية الستينات و بداية السبعينات و حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي ثم اعقبتها الموجة الثانية و لاسباب اقتصادية مع بداية التسعينات و اختلطت بالاسباب الامنية للموجة الثالثة في اواسط العقد الاول من القرن الحالي. لكن هناك مؤشر خطير يؤكد السبب الاقتصادي و هو ما تقدمه التجربة في كردستان العراق حيث ينعم الاقليم بالامن لكن موجات الهجرة استمرت و ما تزال مستمرة رغم كل ما يقال عن التنمية في هذا الاقليم و لم يجد لا السياسيون و لا الباحثون اسبابا مقنعة اخرى لهذه الاستمرارية للهجرة غير الاسباب التي ذكرناها انفا.

الازدواجية او التناقض الحاسم في العلاقة بين الدولة او السلطة و قضية التنمية يمكن تلخيصها في الحالة الهلامية بين النيات الحسنة و طبيعتها الثقافية الاجتماعية و المتطلبات المادية و العلمية للتنمية. الخلاصة الاولية هي ان النخبة السياسية في احسن الاحوال تعتقد ان التنمية هي عمل نيات حسنة و اصلاح الهي و ليس بالضرورة عملا علميا يحتاج جهدا و دراسة و خططا حتى عندما نتحدث عن نظام ليبرالي وطني.

المشكلة او العامل الذي يمكن ان يلعب دورا مهما في شرعنة النموذج الرأسمالي الحالي في نفوس السياسيين و غيرهم هي ان الرأسمالية المهيمنة الان على المستوى العولمي اسمه كما قلنا Hyper Capitalism و كلمة Hyper تعني لغويا الافراط و ربما تعني عندنا رأسمالية مفطرة في التفاؤل الى حد حسن النية و عليه يتم ترك الامور لما يمكن ان تؤول اليه فنحن في النهاية عباد الله الصالحون؟!

و اخيرا و حتى لا نسقط في شرك الاختزال لابد ان نقيم ذاتنا بسؤال مهم…. هل يمكن اسخدام نموذج لوزير ووزارة غير متخصصة في التنمية في استخلاص قضايا جوهرية عن التنمية؟ هل يمكن ذلك منهجيا؟ الجواب الاولي هو لا… و لكن…. سنتابع في المقالات القادمة….