الرئيسية » مقالات » حوار طائفي في حانة سويدية

حوار طائفي في حانة سويدية





ليس عسيراً على الفهم أن تجد الكثير من الناس البسطاء والسذج وقد تأثروا بالممارسات والنشاطات التي تعمل على نشر الثقافات العنصرية والطائفية وغيرها من الوسائل التي تسعى إلى تكريس التخلف على أختلاف منابعه وتوجهاته ولكن من المعضلات الفكرية التي يصعب أن تجد لها تفسيراً دقيقاً وواضح المعالم هي طبيعة تأثر وتفاعل الكثير من المهاجرين الذين يعيشون في المجتمعات البشرية المدنية المتحضرة بالنزعات الطائفية والعرقية والعادات والتقاليد المتخلفة رغم أندماج أغلبية المهاجرين وعوائلهم بهذه المجتمعات وتأثرهم بمفاهيم وسلوكيات هذه المجتمعات صالحة كانت أم طالحة وأستطاعتهم بناء علاقات جيدة ومتحضرة نوعاً ما مع السكان الأصليين للمجتمعات التي قدموا إليها بعد سنوات قليلة من الهجرة وتعلم اللغة والدراسة أوالولوج في سوق العمل حتى تكاد أن لا تستطيع التمييز بينهم وبين السكان الأصليين في السلوك والمظهر العام لولا بعض الفروقات البايلوجية والتي يحاول البعض تغييرها أيضاً بطرق شتى. ولكن غالباً ما يحدث أن هؤلاء حين يلتقون بأبناء جلدتهم أو بالذين من مجتمعات قريبة من مجتمعاتهم الأصلية يستحضرون كل شياطينهم الكامنة في نفوسهم أو التي سمعوا بها من ذويهم وينسون بيئتهم الجديدة التي أعتادوا العيش فيها بشكل من الأشكال ويغيب عنهم كل ما تعلموه منها وما تثقفوا عليه خلال سنين أقامتهم الطويلة فيها. فأكثر مايثير دهشة وأعجاب المهاجر الى هذه المجتمعات في أيامه الأولى هو قدرة أستيعاب وتقبل هذه المجتمعات للأجانب على أختلاف ثقافاتهم وأديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم وأختلافهم معهم في كل شئ تقريباً عدى كونهم بشر علماً إِن البعض منهم قد جاء من مجتمعات بدائية جداً ويفتقرون لأبسط التعاملات والسلوكيات الأنسانية التي يفترض بالبشر معرفتها. فمثل هذا الأنطباع يعتبر أبسط وأول درس ينبغي أن يتعلمه المهاجر ويتعض به في معاملة الآخرين.
سوء الحظ الذي لا حق عبد السلام وهوأحد المهاجرين العراقيين والذي أضطرته قسوة النظام السابق وبطش صدام أن يترك العراق قبل أكثر من عقدين من الزمن وبعد أن عجز عن طرق كل ابواب الرجاء ومل من ترديد كل نصوص الدعاء وبعد أن سلبته معتقلات الطاغية وقسوة الغربة أجمل سنين عمره وجاءت مشاهد القتل والذبح والأرهاب والتشريد والتطرف والطائفية على ما تبقى منها بعد سقوط النظام وفقده كل آمال العودة الى أحضان الأهل والوطن وجدت قدماه طريقها الى حانة سويدية ليست ببعيدة جداً عن منزله فقرر دخول الحانة بعد أن لاحظ أن معظم روادها من العرب والشرقيين لعله يبدد شئ من يأسه وأحساسه بالغربة. جلس في زاوية شبه مظلمة بعيداً عن الأضواء والضوضاء يتطلع عن بعد في وجوه الحاضرين لعله يجد في وجوههم وملامحهم عوضاً عما فقده بفراق الأهل والأحبة والأصدقاء منذ سنين طوال. وبعد فترة مرت دون أن يشعر بها أقترب منه شابين ذوي ملامح عربية وطلبوا منه السماح لهم بمشاركته في الطاولة التي يجلس عندها بأدب فرحب بهما وبعد لحظات أقترب منه أحدهما وعرف نفسه فرحب به ثانيةً مضيفاً عبارة ” عبد السلام من العراق” فبادلوه الترحيب فبادر أحدهم بالسؤال “هل أنت شيعي أم سني؟ “فأجابهم “لاهذا ولاذاك.. أنا عراقي فقط”. فقال أحدهم “لقد قلت لنا توًّا أن أسمك عبد السلام وهذا يدل على كونك مسلم على ما أظن. أليس كذلك؟” فأبتسم قائلاً بلى ومازلت عبداً للسلام وهذا الأسم أطلقه عليّ والديَّ عند ولادتي وعرفت به طول عمري من قبل الجميع.وأستمر مبتسماً وهو يقول..” ولكني في الحقيقة لم أعرف المعنى الحقيقي للسلام إلا بعد خروجي من العراق”. وحاول أن يغير الموضوع بالحديث عن أرتياحه لهذا المكان كونه يأوي بعض الشرقيين فقاطعه أحدهم قائلاً “ولكن هذا يعني أنك من عائلة مسلمة”. فأجاب عبد السلام..”ربما..أظن ذلك”. بعد أن أختفت أمارات الأبتسامة من وجهه.فقال محدثه..”وهذا يعني أيضاً أنك إما أن تكون شيعياً أو سني”. هنا تكلم عبد السلام بجدية ملحوظة قائلاً..” يا أخوتي الأعزاء كيف يمكن أن أكون شيعياً أو سنياً وأنا لا أقتدي بتعاليم مذهب ما ولا أقلد مرجعاً أو مفتياً ما وها أنا جالساً في هذه الحانة ويطفنَّ حولي العاريات الكاسيات من الحوريات السويديات وهذا محرم عند عامة المسلمين؟” فأجابوه.. “وماذا في الأمر نحن نرتاد الحانات ونرقص ونمارس الجنس مع صديقاتنا ثم نغتسل ونصلي وحتى لو لم نصلي فنحن لانتخلى عن ديننا ونبينا ومذهبنا” رفع عبد السلام رأسه بعد أن كان مطرقاً ربما بسبب عدم رغبته في الخوض بمثل هكذا حديث ونظر طويلاً في وجهيهما بعد أن أستمر كلاهما في حديث يصب بنفس المعنى ثم تسائل” ألا تشعران بأن هذه أزدواجية أخلاقية وهذا يقودكم الى سلوك أخلاقي خطير؟ وإن من ينافق في عقيدته ومقدساته لايمكن أن يكون صادقاً في شئ أو وفياً مع أحد؟” فأجابوه بعصبية ..”وهل تريدنا أن نكون مثلك؟ يامرتد! ويا كافر!”. فأجاب عبد السلام”حسناً فلينتهي الحوار عند هذا الحد!” ثم أنتصب واقفاً وقال..” لهم أرجو أن تسمحوا لي بالمغادرة..فأنا لا أستطيع أن أكون منافقاً..وأتمنى لكم ليلة سعيدة وربيع عربي دائم” وأستدار خارجاً فشتاطوا غضباً وصرخوا “أرحل يا كافر ياجبان..عليك اللعنة ياعميل الأمريكان و.و.و.” ألتفت أليهم عبد السلام مبتسماً وهز رأسه أسفاً عليهم قائلاً سوف لن أرد عليكم فأنا عبد السلام وأنتم عباد أشياء أخرى لا أعلمها ولا أريد أن أتعلمها لأني لا أستطيع ولا أتمنى لنفسي أن أذبح حتى نملة في يوم ما” وواصل طريقه للخروج لاعناً قدره في هذه الحياة وغائباً بين جموع المارة من السويديين في الشارع المحاذي للحانة التي قرر أن لا يرتادها مرة أخرى…
فالذي يطرح نفسه بعمق هنا هو كيف يمكن أن يجمع الأنسان بين الأيمان بالخالق وقيم العدالة والأنسانية والرحمة وبين الكذب والنفاق والغش والحقد والكراهية والقتل والعدوان؟. ألا يُرعبنا هذا التناقض وهذه الأزدواجية المرعبة في نفوس الكثيرين من أبناء مجتمعاتنا والتي حملناها معنا كأمراض مزمنة حتى إلى المجتمعات التي علمتنا الكثير من مفاهيم الحرية والأنسانية والأستقرار النفسي والفكري وقبول الآخر؟ وإلى متى سنظل متمسكين بأفكار ومعتقدات لا نفهم ولانطبق منها سوى مايرضي شهواتنا الجنسية والعدوانية ومايحثنا فقط على البحث عن مواطن الأختلاف والتنافر في نفوسنا المريضة ضد الآخر بقصد ألغاءه وأقصاءه والنيل منه؟ وإلى متى سنستمر بزرع بذور فناءنا وتخلفنا وتشرذمنا في نفوسنا؟ وكيف يمكننا أن نوفق بين كل هذه المتناقضات ونغسل كل هذه الأنحرافات والجرائم والدماء بعملية أستحمام أو بكلمتي أستغفار أوصلاة؟