الرئيسية » شؤون كوردستانية » المجتمع الكوردستاني وبرنامج الإنتقال الی الحداثة الفائقة

المجتمع الكوردستاني وبرنامج الإنتقال الی الحداثة الفائقة

من الواضح بأن المجتمع الكوردستاني، الذي اختار الوحدة الطوعية مع العرب بعد أن تحول نظام الحكم في العراق الی نظام اتحادي، تملك الموارد الهائلة والتراثات الغنية والموقع الإستراتيجي، بشكل يؤهّله لممارسة حيوته و حضوره علی الساحة العالمية بصورة إيجابية وبنّاءة، من خلال المساهمة في الانتاج الثقافي والحضاري.
ومن المعلوم بأن الحقب الإنتقالية وسط الأحداث العاصفة والأزمات المستحكمة ليست يسيرة، والإنتقال الی الحداثة ليس بالإستثناء وأن العالم يتغير بمشهده و نظامه و أدواته، کما يتغير بأفكاره و قواه و روابطه، و التعولم هي ظاهرة يمكن وصفها بالترابط العضوي و التشابك المصيري، فهي تحمل في طیاتها الإعتماد المتبادل والمسؤولية المتبادلة والشراكة الفعالة وتسهم في توحيد المصائر.
والشرط الأساسي في تقدم المجتمع الكوردستاني هو الابتعاد عن الغرق في المفاضلات العقيمة بين الحل الديني والحل العلماني، و البدء بالعمل علی إستخدام عدة جديدة في مواجهة المستجدات و من خلال الإنتماء الی الزمن الحالي والإندراج في الحاضر، وکسر منطق الإنعزال والإنكفاء للتعاطي مع الأفكار والهويات بلغة المبادرة والاجتراح أو بمنطق الخلق والتحول، والقيام بأعمال المحاسبة والمراجعة، سعياً الی التجديد و البناء، بعد أن خلع انياب التحريض والفتنة والدكتاتورية و بعد أن ولی زمن العقل الامبراطوري في عصر الإنسان الرقمي والعمل الإفتراضي والفاعل الميديائي ورأس المال المعرفي.
أما الشرط الآخر هو القيام بزحزحة الاشكاليات عن طريق استخدام أدوات مفهومية جديدة تكسر منطق المماهاة والثبات والصيغ المسبقة والقرارات الجاهزة والأطر المغلقة والمناهج الدغمائية والأوامر الفوقية والمعالجات الأحادية والمواقف المتطرفة للتمرس بمنطق التحويل والتوليد. والعلاقة بالثوابت لا يمكن إلا أن تكون متحركة أو متغيرة، سواء علی سبيل الإيجاب والبناء أو السلب والإنكفاء.
التراث ينتظر منا أن نعمل عليه لصرفه و تحويله الی عملة حضارية، أي الی إضافات و إنجازات حديثة نساهم عبرها في تطوير حياتنا و في صناعة العالم، بعيدا عن التهويمات النضالية والتشبيحات الدينية أو الايديولوجية.
أما الديمقراطية فهي عقد تاريخي و ثقافي و اخلاقي و قيمي، ترتفع في ظله قيمة المواطن، و هي تشكيل علاقات و قوی جديدة يتغير معها مجری الأشياء و نظام العلاقات، فهي ليست بالترياق أو الفردوس المنتظر، کما يتصورها البعض، إذا لم تقوم الجهات المسؤولة بالعمل علی تقليص التفاوت المريع بين جنة الأغنياء و جحيم الفقراء و تحويل المواطن الكوردستاني من مجرد مستهلك أو مستثمر الی کائن سياسي و إذا لم تعالج ظهور طغيان النزعة الفردية.
وما الحرية إلا مستقبل البشرية جمعاء و أن الإصلاح لا يتم بعقل أحادي، تحکمي، إنفرادي، وإنما يتم بعقل وسطي، تعددي، تداولي. فلا إمكان لعمل أو تنمية أو انجاز، من غير حوْسَبة الانتاج و عقلنة الإدارة أو عولمة الثقافة و كَوْننة الهوية.
ومن المعلوم بأن الثقافة تشكل سيرورة الإنسان في نموه و تحوله وفي توسعه و إزدهاره عبر الإبتکار والإنتاج في مختلف الحقول والقطاعات وأن الأنظمة السياسية ما هي إلا ثمرة الثقافة بنماذجها و مفاهيمها و معاييرها، وهي ثمرة بداهات العقل و نظام الفكر و قوالب المعرفة.
أما الإصلاح من أجل التنمية الشاملة و تفكيك العوائق و تذليل العقبات، فهو ليس بعمل فرد أو حقل أو فئة، وإنما هو عمل المجتمع علی نفسه في سائر حقوله و قطاعاته المنتجة، و بتدخل مختلف مشروعياته و هیئاته الفاعلة والمسؤولة، و هو ديناميكية تحويلية من حيث مفاعيلها الإيجابية والبناءة يتغير به المجتمع الكوردستاني عما هو عليه، و يسهم في تغير سواه من المجتمعات في المنطقة. ولا يتم الإصلاح بعقلية مرکزية فوقية أو نخبوية بيروقراطية، بل يتم بعقلية المباحثة والشراكة أو المداولة والتوسط والمبادلة.
عُملة العقلية المرکزية الفوقية جُرّبت في غير مكان، حوّلت المجتمعات الی مسالخ و مقابر وحصد أهلها السراب أو الفساد أو الاستبداد أو الخراب، فلا عدالة تُطّبق ولا حقوق تحترم من غير اعتراف متبادل يتجاوز مفهوم التسامح الخادع الذي يُلغّم الوحدات والهويات.
الرهان هو أن نتغير و نغيّر، و أن نزيل البيروقراطيات السائدة التي تعرقل مهام التنمية، سواء في الاقتصاد والاجتماع أو في المعرفة والثقافة بمراعاة مبدأ الاختصاص والكفاءة و نصنع حياتنا بالتمرس بلعبة التفکير الحيّ والخلاّق لكي نساهم في صناعة العالم المعاصر وإدارة المصلحة العمومية.
و ختاماً:”كل طغيان لبُعد واحدٍ علی ما عداهُ، يرتدُ سلباً و يولدُ فقراً أو جهلاً، بقدر ما يمارس الحجب والتضليل أو الاستلاب و التنميط.”