الرئيسية » مقالات » الاستبداد والتآمر والقسوة وتغييب المصلحة العامة هي جزء من محن العراق!

الاستبداد والتآمر والقسوة وتغييب المصلحة العامة هي جزء من محن العراق!

إن قراءة مدققة لتاريخ العراق القديم والوسيط والحديث, ورغم ما تضمنه من إنجازات رائعة وفردية لسكان بلاد الرافدين في مجالات مختلفة لصالح تقدم البشرية كلها, وبشكل خاص في ما أنجزه بناة العراق القديم من حضارة ازدهرت لقرون طويلة, فأن الباحث سيجد جملة من السمات التي ميزت المسيرة الطويلة للعراق وعلى مر العصور ابتداء من العراق القديم ومروراً بعهد السيطرة الفارسية فالدولة الأموية والعباسية ومروراً بالدويلات ومن ثم الدولة العثمانية وأخيراً العراق الحديث والمعاصر نلتقط منها أربع سمات ميزت وما تزال العلاقة بين النظم السياسية التي توالت على حكم العراق أو النخب الحاكمة التي تبادلت المواقع بين فترة وأخرى وعبر أساليب وأدوات مختلفة من جهة, وبين المجتمع بتعدد فئاته الاجتماعية وخاصة الفئات الشعبية الكادحة والفقيرة والكسبة والحرفيين والمثقفين من جهة أخرى: إنها سمات فرض الاستبداد وحبك المناورات والتآمر وممارسة القسوة والاستغلال, إضافة إلى ما نشأ وينشأ عنها من عواقب مريرة كالظلم ومصادرة الحرية الفردية والفساد وغياب العدالة الاجتماعية ونقص مستمر في الخدمات العامة.
فالحاكم الذي اعتقد انه أبن الشمس, أو أن نصفه من الآلهة ونصفه الآخر من البشر, أو اعتبر نفسه مفوضاً عن الآلهة في حكم البشر, أو أقنع نفسه بأنه الوكيل الشرعي لحاكمية الله على الأرض, أو أنه قرر أن يكون الممثل الشرعي الوحيد لحزب قوميٍ أو حزبٍ دينيٍ أو شموليٍ أو إنه الممثل لمجمع أو تحالف لقبائل وعشائر أو حتى أقاليم ومناطق جغرافية, فهو الحاكم بأمره ووالواضع أحياناً كثيرة للقوانين والمفسر لها والمتحكم بالتشريعات والمصدر للأوامر والمتحكم بالفتاوى والمحدد للقواعد التي ينبغي أن يمارسها الفرد في المجتمع. والحاكم بأمره يرى نفسه, وليس غيره, مجسداً للحق والحقيقة في آن ولا يمكن أن تسير الدولة دونه, وهو الحاكم العادل والنزيه وراعي الأمة وحامي حمى الديار حتى حين يمارس كل الموبقات والمحرمات ضد الشعب, كما كان يفعل صدام حسين. إنه الآمر الناهي والحاكم الذي لا يرد له قرار والحاكم الذي جاء ليبقى ولا يغادر الكرسي الذي احتله بطرق شتى, أو كما عبر عن هذا الموقف بجلاء تام رئيس الوزراء العراق الحالي نوري المالكي حين تحدى, في أعقاب خطبة لأحد شيوخ العشائر في اجتماع عشائري واسع حين قال له يجب أن لا تعطي السلطة لغيرك: “هو ليش يگدر واحد ياخذه حتى ننطيها بعد!! (أي هل هناك من شخص قادر على أخذ السلطة منا, لكي نعطيها له بعد الآن؟). هكذا هو الموقف الآن!
هكذا هم الحكام الذين عرفهم العراق القديم والوسيط والحديث والمعاصر, عرفهم المجتمع واكتوى بنيران سياساتهم وسلوكياتهم وجنون عظمتهم وشزفرينتهم ونرجسيتهم المرضية وساديتهم وغرورهم القاتل ونسيانهم المواقع الاجتماعية التي جاءوا منها والقضايا التي وعدوا الشعب بها !! إنها الكارثة التي عانى منها الشعب على مدى قرون وعقود وما يزال يعاني منها.
لم يختلف غالبية الحكام الجدد عن الحكام القدامى الذين كان بعضهم يتآمر ضد البعض الآخر ويتحالف مع الكهنة مثلاً, وهم حلفاء الملك ذاته ولكنهم في صراع معه على السلطة والنفوذ والمال. وحين كان أحدهم ينجح في تآمره أو ينتصر في حربه ضد الحاكم السابق له يصدر القانون الأول الذي يشخص فيه الفوارق بين السياسات التي يريد أن يمارسها وبين سياسات الحاكم المخلوع المناهضة للمجتمع, على حد قول الحاكم الجديد. فما أن يبدأ الحكم حتى يعتقد أنه قد أنجز الكثير وعلى الناس تقديم الطاعة والعرفان.
كتب عالم الآثار العراقي المميز الدكتور فوزي رشيد (1936-26/3/2011) بهذا الصدد ما يلي:
“لم يختلف الملك لبت عشتار عن باقي الملوك الذين دونوا القوانين حينذاك بتأكيده على أن هذا القانون وضع وفق إرادة الإله ويشير إلى مهمته التي أوكلها له الإله وما فعله في البلاد, حيث جاء في الخاتمة ما يلي: “استناداً إلى كلمة الإله “أوتو” الصادقة تسببت في أن تتمسك بلاد سومر وأكد بالدالة الحقة, واستناداً إلى أمر الإله إنليل “أنا لبت عشتار” ابن الإله إنليل قد قضيت على البغضاء والعنف …. وعملت على إبراز العدالة والصدق وجلبت الخير للسومريين والأكديين …. ونشرت الرفاه في بلاد سومر وأكد وأقمت … المسلة. وضعت شريعة الملك لبت عشتار على وفق إرادة إله مدينة “أيسن” الإله “نن انسنا”, ولكنها مجدت في مقدمتها الإلهين أنو وإنليل أيضا. (رشيد, فوزي د. الشرائع العراقية القديمة. وزارة الإعلام. بغداد. 1973. ص 47). وهكذا كان أسلوب عمل وسلوك بقية الحكام. والسمات المميزة والعامة التي يلتقي عندها أغلب حكام العراق كانت الاستبداد والقسوة والظلم والتآمر والصراعات بين الحكام والكهنة أو بين الحكام الذين يديرون أحزاباً قومية شوفينية أو دينية أو شمولية وبين أجزءا مهمة من أحزابهم أحياناً غير قليلة, ولكن كانت في الغالب الأعم أو على الدوام, مع غالبية المجتمع.
لقد عانى العراق من الحكم غير الديمقراطي والفردي والاستبدادي, وعانى من قرارات الحكم في شن الحروب الداخلية والخارجية وتحمل المجتمع تكاليف الحروب العدوانية بأرواح أبنائه وبناته وموارده والتراجع عن المستوى الحضاري النسبي الذي بلغه خلال العقود المنصرمة.
ولم تتغير هذه السمات حتى يومنا هذا. فليست التهم الموجهة إلى طارق الهاشمي, إن صحت, سوى التعبير الصارخ عن تآمر النخبة الحاكمة على بعضها بسبب صراعاتها على السلطة وسبل تقاسمها ودور كل منها في السلطة وموارد البلاد المالية والتأثير والنفوذ المباشرين وغير المباشرين على المجتمع. ولكن السؤال العادل الذي ينبغي طرحه هو: لماذا تدهور الوضع في العراق ليصل إلى الحالة الرديئة الراهنة؟ لقد أتيحت فرصة كبيرة في أن يكون العراق حراً, مستقلاً وديمقراطياً وإنسانياً لا مكان فيه للاستبداد الذي عانى منه المجتمع ولا مكان للقسوة والظلم والتآمر والاستغلال. إن الإجابة عن هذا السؤال يعرفها أغلب العراقيات والعراقيين, إنه يكمن في غياب الوعي عن إدراك أهمية روح المواطنة الحرة والمتساوية وإهمالها, والركض وراء الهويات القاتلة, الهويات الثانوية والهامشية, الهويات الطائفية السنية والشيعية من جانب الأحزاب الحاكمة بشكل خاص ومن جانب من شجع على ذلك من جانب بعض المؤسسات والمرجعيات الدينية في العراق أو في دول الجوار, سنية كانت أم شيعية, وفي هرولة البعض وراء نصالحهم قبل مصالح الشعب. إنه يكمن في وجود وعي مشوه ومزيف استقر في أرض العراق منذ قرون ولم يغادره حتى الآن, بل يمكن القول أنه اشتد أكثر فأكثر خلال العقود الخمسة المنصرمة.
أمام حكام العراق اليوم مفترق طرق كبير فإما السير على درب الصد ما رد, وإما على درب السلامة الوطنية. أمامهم طريق اللاحكمة واللاعقلانية والإصرار على سلوك الطريق الذي سار عليه الحكم منذ سقوط الفاشية في العراق وحتى الآن ويخوضون صراعاتهم من أجل السلطة ويتركون الشعب بلا خدمات ونسبة عالية من الفقر المدقع والبطالة وغياب التنمية ولا هم يحزنون! وبين أن يتجهوا صوب الحكمة والعقلانية والسياسات الوطنية والديمقراطية ويعالجون كافة مشكلات الشعب بروح المواطنة الحرة والمتساوية وبعيداً عن الطائفية السياسية المقيتة التي دمرت وتدمر الوطن والشعب في آن.
هل يتذكر حكام اليوم برامجهم السياسية ووعودهم حين كانوا في صفوف المعارضة السياسية أم نسوا تلك المرحلة تماماً؟ السؤال يجيب عنه الواقع العراقي الراهن بدقة متناهية. لقد نسي أغلب الذين في الحكم البرامج والأهداف والنقد الذي كانوا يوجهونه لنظام العهر السياسي والخيانة الوطنية والشوفينية والفاشية, نظام البعث وصدام حسين. ومن خلال ذلك الموقف والبرامج حصلوا على تأييد الشعب. ولكن حكام اليوم دون استثناء يمارسون سياسات انتقدوها بشدة قبل ذاك وناضلوا ضدها وقدم قياديون وكوادر وأعضاء في أحزابهم حياتهم في هذا النضال وقبل أن يتسلموا بعد حرب الخليج الثالثة وعبر سلطات الاحتلال الحكم في البلاد. لقد نسى الحكام الجدد كل ذلك ولم يبق سوى رغبة البقاء في الحكم أو سعي البعض الآخر لانتزاع السلطة وليكن بعدها الطوفان!
هل يحق لأي حاكم أن يسكت على قتلة أشرار لأنه يريد بذلك أن يحمي العملية السياسية من الانهيار, وبمعنى أخر, أن يبقى في السلطة؟ هل يمكن أن يطلع علينا سياسيون يدعون لديهم ملفات لقتلة مجرمين ولكنهم لا ينشروها بذريعة الخشية على العملية السياسية والمصالح الأنانية للقادة السياسيين؟ هل يمكن أن تتماشى هذه المواقف مع الدستور العراقي على علاَّته الراهنة: ضحايا تدفن تحت التراب, وقتلتهم يتبؤون مراكز قيادية في الأحزاب ومناصب عليا في الدولة؟ إنها “المأساة والمسخرة في آن واحد”.
إن على القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية أن تعيد النظر في اصطفاف القوى لصالح الوحدة الوطنية وضد الطائفية وضد من يريد أن يفرض نفسه على الحكم بأي ثمن, وضد من يحاول ان ينتزعه بأي ثمن.
إن من واجب الشعب أن يمارس دوره في الضغط المتواصل على الحكام ليستجيبوا لإرادته الحرة ومصالحه. إن من واجب الشعب أن يطالب بالكشف عن القتلة والمجرمين بغض النظر عن مواقعهم السياسية في الأحزاب السياسية أو في الحكم, إذ من حق الشعب أن يطالب بممارسة القانون ومعاقبة المجرمين. إن من واجب الشعب أن يرفض الأساليب الفردية الراهنة في ممارسة الحكم, بل يفترض أن يطالب بإيجاد حلول عملية لكل المشكلات التي لم يبذل الحكام الحاليون أية جهود حقيقية لحلها والتي بتراكمها تزداد تعقيداً وصعوبة وتتسبب في توليد مشكلات جديدة. وهو ما يجري اليوم في العراق.
30/12/2011 كاظم حبيب