الرئيسية » الآداب » الرواية والمأساة- (التراجيديا)

الرواية والمأساة- (التراجيديا)

في كل رواية لون من ألوان المآسي. لأن المأساة هي قدر الرواية وجوهرها. وكان أول ظهور الرواية في القرن الثامن عشر أي في عصر النور فرعاً من فروع الأدب. ويدخل في بناء الرواية أخلاط من الأشخاص والأهداف وأسباب النجاح والفوز والنضوج.وعند تتابع الأحداث ينتقل المرء من حيزّ الخيال إلى حيز الحقيقة. أي أنه يمر بالتجربة التعليمية في واقع الحياة ضمن الرواية التي لا يخلو جانب من جوانبها من حدث “تراجيدي” والمأساة الكبرى تحبذ الفلسفة الأفلاطونية، وفي هذه المأساة نجد أبطالاً على غاية كبيرة من الشجاعة والبأس. أبطالاً من عظماء الأبطال.. وفي جميع الروايات تكمن المواضيع الإنسانية. وفي كثير من الروايات يعمد كتابها إلى أسلوب الموعظة والإرشاد والتحريض على التشبث بالأخلاق الفاضلة واتخاذها منهجاً وسبيلاً في مسيرة الحياة. وهؤلاء الكتاب من أمثال “دوستويفسكي” و “كازانوفا” و “فرويز” يقدمون إلينا في رواياتهم قناعاتهم الخاصة والأخلاق الحسنة حسب فهمهم لهذه الأخلاق. ولا شك أننا نقرأ في كل رواية تفسيراً جديداً لمعنى الحياة، ونستدل على المظاهر المتناقضة في خبايا نفوسنا من خلال شخصيات الرواية وأبطالها. وبسبب هذا التوجه الروائي يقال أن روايات “دوستويفسكي” هي أكثر الروايات شهرة.
يقول الكاتب الأمريكي اللاتيني “أوستافيو باز”:
-إن كاتب الرواية يصنع العالم من جديد. إنه يعتمد على الخيال.. وكلما تقدم الخيال تقدمت التقنية في الرواية.. وظهرت تقنيات جديدة، ومن المعروف أن الرواية ثمرة جهود شخصية يصفها الروائي كما يشاء ويريد. ولكنها كأيِّ فرع من فروع الفن تتدخل في تكوين المجتمع.
إنها تدفع بالمأساة الشخصية إلى السطح ثم يشرع في تضخيمها لتكون أكثر وضوحاً وجلاءً أمام الأبصار. والمأساة الشخصية أشبه بمنارة أو مرآة لإرشاد المجتمع وتوجيهه. وروايات “كافكا” في هذا الموضوع تتمتع بدرجة رفيعة من الأداء الفني في الرواية تستحق الإعجاب والفخار بها. وكثير من الروائيين يتناولون بالنقد والتحليل المجتمع والطبيعة والحياة.
في الرواية تتوضح طهارة المأساة ونقاؤها وحقيقتها أو بالأحرى حالتها. بكل تفاصيلها ودقائقها،
كلما استمرت الرواية في سرد المأساة حازت ملامح جديدة من الاستقلالية والحرية. إن الرواية كما يعتقد الذين لهم خبرة ودراية بالفن. هي ذات ضروب وأصناف ولها اتجاهات مختلفة، وكما كانت الرواية فرعاً مركباً من فروع الأدب لم يتيسر إيضاحه والإلمام بمراميهِ دفعةً واحدة.
لقد سبق لنا القول آنفاً: إن الرواية ذات شؤون واتجاهات كثيرة. من أحد ألوان الروايات الرواية التاريخية ولكنها ليست بكثرة الروايات الأخرى بل قليلة جداً. وليس ببعيد أن تنقل إلينا الرواية التاريخية معلومات تعجز عن نقلها إلينا كتب التاريخ نفسها وإخبارنا بها. لأن الرواية تصور لنا أحوال المجتمعات في الزمن الذي كتبت فيه.. تتحدث عن السياسة والاقتصاد فتتفتح أذهان القراء على أمور كثيرة وتتسع معلوماته عن تلك الفترة التاريخية.
الرواية روايتان: الرواية الجمالية ذات البرج العاجي والرواية الشعبية، وما من شك في أنّ رواياتٍ أخرى تتفرع عن هذين اللونين من فنون الرواية. ففي الرواية الجمالية تتجلى شخصية أبطالها وواقعاتهم. وأهم ما في هذه الرواية أننا ننتهي من قراءتها والحدث ما زال جارياً أي أن الأحداث تظل جارية والمأساة لا تنتهي وكلما امتد زمن الحدث تعاظمت أهمية الرواية، وهذا ما يرسخ صفة الجمالية في الرواية أي أن تطاول الزمن يزيد من قيمة الرواية الجمالية. إنّ القارئ قد يفرغ من قراءة الرواية، ولكن ذهنه وفكره لا ينتهيان أو يفرغان من أفعال شخصيات الرواية وأعمالهم.
فلتكتبْ الرواية في أي مكان شئتم وفي أيِّ زمان شئتم فإن حديثها لا يتجاوز الإنسان وما يتعلق بالإنسان… إنها محوّطة بالناس أينما كانت وأينما وجدت.
والرواية فنٌ اجتماعي يجعل حياة المجتمع زاهية ورخية، وهي في كل الأحوال غصن من أغصان شجرة الفنون.
والروايات الكردية لا تخلو من “التراجيديا” فهي موجودة في روايات “عرب شمو” وموجودة أيضاً في روايات “محمد أوزون”.. وفي رواية “محمد أوزون” الأخيرة بعنوان “حالك كالموت.. مشرق كالعشق” عن مأساة: “الصقر واليمامة”. وفي روايته الأخرى بعنوان : يوم من أيام عبدال زينكي” نقرأ مأساة كتبها الروائي محمد اوزون بنمط فذ وأسلوب جديد. وفي رواية “سليمان دمير” نقرأ عن مأساة عاشقين تحت عنوان:” الرصاصة الحمراء”. وفي رواية:”مصطفى آيدوغان” بعنوان: “أوراق الحنين” نقرأ سطوراً عن مأساة “للحنين أشبه بالمأساة الحديثة في عصرنا هذا.
انّ الرواية ماضية في سبيلها إلى التطور والتجديد، والدنيا تتطور وتتجدد والرواية تتبع الحياة في نهجها المتغير على الدوام. وتقنيات الرواية وأساليبها تتغير وتتجدد.
إن الروايات التي كتبتها أقلام “دوستويفسكي” و “فيكتور هوغر” و “بلزاك” لا تشبه ما حبّرته أقلام: “سوزان تامارو” و “بولو كولهو” و”الكسندر باريكو”.
كانت الرواية القديمة تكتب في أجزاء تبلغ صفحات كل جزء (300-400) ثلاثمائة أو أربعمائة صفحة، أما الرواية العصرية “الحديثة” فلا تخرج في أجزاء ولا يتجاوز عدد صفحاتها (150)مائة وخمسين صفحة. وبعض الروائيين في إيطاليا لا يصدرون رواياتهم في أكثر من (100)مائة صفحة. وما دامت الحياة دائمة الحركة دائبة على الترقي والازدهار فإن الرواية تظل رديفاً لها في أحوالها كلها. أي أن كل تقدم في علوم الفلك أو الفيزياء وسائر العلوم الأخرى يترك أبلغ الأثر في الآراء والنظريات الأدبية والفلسفية. وهذا لا يعني أن الرواية- في هذه الأيام- تبتعد دائماً عن الإطالة أو أنها تؤثر جانب الإيجاز والاختصار. بل نرى أن روايات مطولة تكتب في أيامنا مثل “كنوز آكيم بولدو” للروائي: “هانجو لاهمان”، وهي رواية تقع في (690) تسعين وستمائة صفحة. ورواية “Medicus-noahgorden” التي تقع في (639) تسع وثلاثين وستمائة صفحة ورواية “التجلي الأسود” أو “القائمة السوداء” للروائي “فريدريك فورسيث” التي تبلغ صفحاتها (573) ثلاثاً وسبعين وخمسمائة صفحة. وهذه الروايات الثلاث روايات حديثة.
ولئن سألنا سائل: كيف تكون لغة الرواية أو كيف يجب أن تكون؟ قلنا:
يجب أن تكون لغتها سهلة، واضحة المعاني، لا تعقيد فيها، وأن تكون في الوقت نفسه لغة أدبية لا ركاكة فيها أو التواء، يفهمها جماهير القراء وعامة الشعب لأنها تكتب لهم ليفهموها ويدركوا مقاصدها ومراميها. وعندما يلتفت المرء إلى عهود القرن التاسع عشر وينظر إلى شعوب أوروبا الغربية يدرك أن تلك الحقبة كانت زمن تقدم الرواية وسعيها إلى الكمال. بَيْد أن الرواية ما زالت سائرة بخطوات حثيثة إلى مزيد من التطور والرقي. وسوف يعلم أن الرواية كتبت آنذاك بلغة الشعب باللغة التي يفهمها الغالبية العظمى من الشعب إن لم نقل جميع أفراد الشعب، وتركت في نفوس الناس أعمق الأثر. وفي عهد النهضة أو عصر التجديد والإصلاح وإعادة البناء وصياغة هيكل جديد للأشياء اتخذت الثقافة الأوربية الغربية ملامح جديدة تحت تأثير الرواية الحديثة. وبهذه الصياغة الجديدة أضْحَت الرواية أداة فعّالة في تغيير بنية المجتمع. وصارت صاحبة أهم وظيفة ما زالت ذات تأثير كبير.
وباختصار نقول: إن الرواية ما زالت حديثة الولادة، لم يُشرع في بنائها إلا قبل قرنين من الزمن، ولم تنضج ثمارها إلا في الفترة التي تقع في ما بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهي ذات مذاهب واتجاهات إزاء المجتمعات وتطلعاتها، وهي البوابة الواسعة التي تُطل على جميع الآفاق الإنسانية وتخالط أفكارهم وأحاسيسهم في خضم الحياة المتغيرة والرواية أيضاً لا تكف عن الحركة والدوران والتغير. إن الرواية بدعة جديدة ووجود جديد.