الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 13 ـ

دردشات عثمانية ـ 13 ـ

السيدة (ماري شوفلر) احدى أعضاء الارسالية التبشيرية المشيخية الأميريكية تسجل مذكراتها اليومية في (اورميا ـ ايران) وبالتفصيل يوميات مجمع الارسالية في اورميا تصور فيها أحوال السريان النساطرة خارج وداخل المجمع، بالاضافة الى الجهود التي بذلت من قبلهم في تأمين حاجيات اللاجئين اليومية، وكل ما يتعلق بحياتهم:
“أحب أن أخبركم أولاً بما حدث في الأسبوع الماضي ، الأسبوع الاول من عام 1915.
فكما تعلمون أن الروس كانوا مسيطرين على هذا الجزء من فارس (ايران) وكانت القوات الروسية قد فرضت وحافظت على النظام، لهذا السبب كانت الأمور في العام الذي مضى منظمة والأوضاع كانت مزدهرة وسلمية، أكثر من أي من السنين السابقة. وكان القنصل الروسي انساناً مقتدراً وتمكن من تحقيق العدل بين الجميع الى حد كبير.
حينما أُعلنت الحرب بين روسيا وتركيا، أدركنا بأنها حرب اورميا، لأنها المنطقة الحدودية وعلى تماس مباشر بتركيا، ونتذكر كيف أن تركيا كانت قد حاولت احتلال هذه المنطقة قبل سنوات ولكنها فشلت. وأخبرنا بعض الروس ذوي النفوذ هنا بأنهم سيحافظون على احتلالهم اورميا رغم كل الصعوبات، لذلك قام الروس بتحصين المدينة بالخنادق والدفاعات وتم تعزيزها بالآلاف من الجنود الروس.
في ليلة رأس السنة وكعادتنا، استقبلنا العديد من الأصدقاء، وكان عددهم حوالي 140 ضيفاً من المسلمين والمسيحيين، رجالا ونساءا ، تمت دعوتهم للاحتفال معا برأس السنة الجديدة.
لكن في يوم السبت 2 كانون الثاني، نزل علينا كصاعقة من السماء الخبر الذي انتشر بأن القوات الروسية قد انسحبت منذ الليلة الفائتة والبقية الأخيرة منها تنسحب اليوم، هذا الخبر خلق ذعراً رهيباً في وسط السكان هنا، وبشكل خاص في صفوف المسيحيين (الأرمن و النساطرة). ففي الحين الذي فيه قوات العصمنليي (الأتراك والكرد) يبعدون أميالاً قليلة عن اورميا، المسيحيون كانوا عزلاً تماما.
وللحال وبسبب انسحاب القوات الروسية، بدأ المسيحيون بالفرار بنفس الوقت، وبدأ المسلمون بالتفكير بالشر ضد المسيحيين، وبدأوا بنهبهم ، وبعض المسيحيين الذين فكروا بالفرار من قراهم والاتجاه الى المدينة (اورميا) للجوء لدى بعثات المرسلين تمت سرقتهم ونهب حاجياتهم على الطريق وتم سرقة حتى الثياب التي كانوا يرتدونها.
في بعض القرى القريبة من اورميا ذات الغالبية المسلمة، منع وجهاؤها خروج المسيحيين من قراهم بحجة أنهم سيكونوا في حمايتهم وقد وضعوا حراساً لهم ، لكن من الغريب أنه حين حاولوا الخروج من القرى تمت سرقتهم من قبل نفس الحراس الذي وضعوا لحراستهم قاموا بسلبهم.
بدأت الحشود في التدفق من المدينة ومن القرى المجاورة الى أبواب الارسالية منذ ليلة أمس واليوم الأحد.

النساطرة في الكنيسة كالسمك في علبة ساردين:
ففي صباح الأحد تم وضع العلم الأميريكي على مداخل مجمع الارسالية. وفي يوم الاثنين قام الدكتور باكارد مع مرافقين اثنين من النساطرة ـ مع العلمين التركي والأميريكي ـ بالخروج من أجل استقبال قائد كردي بارز وصل (جيو تابّة) وللعمل على عدم حدوث مجزرة كبيرة. إن أهالي جيو تابّة الذين لم يفروا الى المدينة كانوا قد لجأوا الى كنيستنا هناك والى الكنيسة الروسية وكلاهما يقعان في مكان مرتفع، مبنيتين على أنقاض معبد زرادشتي، والكنيستين كانتا مسورتين بسور طيني عالي. وغالبية الناس التجأت الى الكنيسة الروسية الأكثر علواً، وحينما هاجمهم الأكراد، دافع الرجال ببنادقهم على المكان المحصن، بينما الناس والأطفال جميعهم كانوا في داخل الكنيسة بزحمة كثيفة، كالغنم . وحينما وصل الدكتور با كارد كان هناك معركة بين المسيحيين والأكراد، وبصعوبة تمكن من الوصول الى زعمائهم، وصرخ بعض الأكراد ـ الذين رأوه ـ على الآخرين الذين كانوا يطلقون النار: انه الحكيم، صاحبنا. وأخيراً وصلهم وكانوا يعرفونه، حيث كان بعض من هؤلاء الأكراد قد أمضوا فترة في المستشفى للعلاج حيث يعمل الدكتور باكارد، وتحدث معهم بخصوص حياة الناس واستمعوا اليه ووافقوا على أن يتركوا الناس أن يذهبوا بأمان إن هم سلموا أسلحتهم وذخيرتهم.
ويوم الاثنين، دخل جميع اللاجئين الى كل غرف ومخازن المجمع، اضافة الى حوالي 1500 شخص حضروا كلاجئين مع الدكتور باكارد يبحثون عن ملجأ.
اليوم هو السبت، وهو اليوم السادس منذ بدء فرار المسيحيين ولجوءهم الينا، حوالي 10000 لاجيء، استطعنا أن نأخذ بعض المنازل المجاورة لنا وضمها للمجمع من أجل اللاجئين، وضممنا أيضا سمنار البعثة الانكليزية القريب من مجمعنا. حيث المرسلين الانكليزيين من البعثة الانكليزية خرجوا مع الجيش الروسي وأخذوا معهم الكثير من العوائل النسطورية ذات العلاقة الطيبة معهم ومع الروس.
هنا في المدينة حدثت أعمال النهب والسلب وتدمير الممتلكات مع حدوث اضطرابات عامة في الأحياء الأرمنية، لكن الثكنة الروسية في المدينة لم يقترب منها الأكراد.
حاميها حراميها:
وعدنا شيخ المدينة بالحماية لنا وللمواطنين الذين يلجأون لنا، وحينما وصل الضباط العصمنليي سيطروا مباشرة وفرضوا نفوذهم على المدينة، وحاولوا منع المسلمين من السلب والنهب، فتم حمل جريح مسلم الينا لغرض معالجته، تمت اصابته من قبل احد الاتراك الذي اطلق عليه الرصاص بينما كان يقوم بعمليات سرقة، فتصوروا في هذه الصورة أن مسلماً يقوم بنهب ممتلكات المسيحيين يقوم أحد الحرس الأتراك برميه فيجرحه ثم يحملونه الى المركز الصحي للارسالية التبشيرية !
بالرغم من الوعود الكثيرة التي قطعت لنا بأن كل ما هو داخل بوابات مجمعنا ومبانينا سيكون في أمان، لم يكن لدينا اليقين التام من تلك الوعود.
يشرب شايك ثم يقتلك :
في يوم الخميس وصلت ( حنة ) زوجة أحد القساوسة ، بعد معاناة الطريق، انهم يعيشون في قرية (نازي)، واستمعوا بأن الروس غادروا المقاطعة، فلم يصدقوا أخبار انسحاب الروس، لكن بعد ظهر الأحد الماضي، كان الاكراد يتوجهون اليهم من جهة الغرب ، والذين بدأوا بأعمال النهب. فتوجهوا الى قرية مجاورة محصنة سيكونوا في مأمن خاصة أن فيها واعظ أجنبي من الارسالية قاشا اونير (الواعظ ابنير) سيكون في مأمن، وله أصدقاء كثر من الأكراد. وفي يوم الاثنين قام الأكراد بالدخول اليهم هناك وتظاهروا بأنه قد تم ارسالهم من قبل الأتراك من المدينة، وعليهم أن يأمنوا ولا داعي للخوف، لانهم سيكونوا في حمايتهم. ولكن بعد بعض الوقت وصلت مجموعة أخرى من الاكراد طالبتهم بأسلحتهم، وشربت الشاي لديهم مع أهل القرية، وقامت مجموعة منهم بالبدء بالنهب والسلب، والقتل بأهل القرية، ثم قام الاكراد بجمع اهالي القرية في مكان واحد وبدأوا بقتلهم ، كما قاموا بذبح بعض الاهالي مثل ذبح الغنم. وخلال المجزرة تمكن عدد من الأهالي بالهروب من خلال ممر جبلي قريب، باتجاه الجبال وقضوا الليل في البرد والجوع والخوف في العراء.
واحدة من بناتنا وهي (كاتي) كانت قد ذهبت هناك لتقضي عطلة أعياد الميلاد رأت أمها يقتلها الأكراد، فهربت نحو الجبال واستمرت في المشي حتى بعد أن سقط حذاءها من رجليها وفقدته فاستمرت مشيا على قدميها في برد قارس وفي مناطق ثلجية.
يوم الاثنين 11 كانون الثاني 1915 : وصلت الى المجمع امرأة فقيرة فقدت زوجها وابنها اللذين قتلا، تبدو كأن قد فقدت عقلها وأصبحت كالمجنونة بسبب الكارثة التي حلت بها، لم يكن لدينا مكاناً مناسبا لحالتها سوى غرفة صغيرة معتمة تحت الدرج. في متنصف الليل نهضتُ وهرعتُ من الذعر الذي خلقته هذه الامرأة بطرقها على الباب، تم نقلها في الصباح الى المستشفى حيث يمكن أن تلقى عناية أكثر، (لكن بعد يومين فارقت الحياة).
في مجمع الكلية (المدرسة ) حيث توجد ايضا المدرسة كان هناك بحدود 2000 لاجيء في حين وصل العدد لدينا في مجمعنا حوالي 12000 ويستمر توافد اللاجئين كل يوم، حتى من ضمنهم اولئك الذين لجأوا اولاً في بيوت أصدقائهم المسلمين، بحيث تم استقبالهم بصعوبة.
لم يكن سهلا علينا نقل القتلى الى مقبرة، فحفرنا لهم قبوراً لدفنهم في ساحة صغيرة بجانب الكنيسة، اضافة الى الذين كانوا يموتون في كل يوم، ولم يكن لدينا أقمشة أو كتان لتكفينهم.
يوم الاربعاء 13 كانون الثاني: منذ يوم الاثنين الماضي نقوم بتوزيع الخبز على اللاجئين، ففي الصباح نبيع الخبز للذين لديهم امكانية شراؤه وفي بعد الظهر نوزعه مجانا للفقراء الذين لا يمكنهم شراؤه. نستهلك يوميا 4 أطنان من الطحين للخبز، مع أن بعض اللاجئين من المدينة ومن بعض القرى لديهم أكلهم الخاص الذي استطاعوا حمله معهم. ونقوم بشراء (عمل) الخبز من السوق، ويقوم شباب من السريان بالمساعدة في الوزن وحمل الخبز، وآخرين يقومون بتوزيعه أو بيعه.
قام البعض من المحسنين من تقديم بعض المساعدات الغذائية للمجمع لتوزيعها على اللاجئين، فقام رجل محسن بتقديم أكثر من 600 كيلو من اللحم ، تم طبخها وتوزيعها على اللاجئين، مع صعوبة أن تكفي لجميعهم. كما كانت لدينا حالات ولادة يوميا خصصنا غرفة للامهات مع المولودين الجدد للاهتمام بهم.
وفي هذه اليوم تمكنا من الحصول على حمير لنقل القاذورات والفضلات بعيدا من المجمع، ونتمنى أن هذه الحمير ستمكننا أيضاً من نقل الموتى الى المقبرة.
للمذكرات تتمة