الرئيسية » مقالات » شناشيل: أسئلة برسم القضاء

شناشيل: أسئلة برسم القضاء

من أعز أحلامنا أن يكون قضاؤنا مستقلاً لا سلطان عليه إلا ضمير القاضي ولا مرجعية له الا القانون. وهو حلم عزيز لأن أجيالاً كاملة منا لم تعرف القضاء المستقل .. على الدوام كانت لنظام الحكم سلطته وسطوته على القضاء. واذا ما وُجد قضاة مستقلون فهم أقلية، وفي الغالب هم من الشخصيات الوطنية التي عانت العنت من السلطات الحكومية بسبب استقلاليتها.
وفي عهدنا الحالي أيضاً لم يسلم القضاء من تدخلات السلطات التنفيذية والتشريعية، فثمة الكثير من الملفات المتعلقة بسرقة المال العام وتزوير الشهادات والوثائق وبالتفجيرات وعمليات القتل الجماعية والفردية، كان السياسيون يسارعون الى إبقائها مغلقة كلما فتحها القضاء أو حاول فتحها ومباشرة التحقيقات فيها. ولهذا فإننا لا نعرف شيئاً عن النتائج التي توصلت اليها لجان التحقيق في قضايا من هذا النوع.
المعروف على نطاق واسع ان تداخل المصالح وتشابكها بين القائمين على السلطة في البلاد يجعلهم يتواطؤون في ما بينهم من أجل عدم فتح هذه الملفات والحؤول دون وصول التحقيقات الى نهاياتها حفظاً لمصالحهم وتستراً على تجاوزاتهم وانتهاكاتهم المتبادلة للدستور والقوانين.
ليس في وسع أحد منا أن ينفي الاتهامات التي وُجهت أخيراً الى نائب رئيس الجمهورية أو أن يؤكدها على نحو قاطع.. القضاء هو الجهة الوحيدة القادرة على ذلك، وهو الجهة الوحيدة التي يتعين أن تكون مخولة النفي أو التأكيد والدحض أو الإثبات، وشرط هذا أن يكون القضاء مستقلاً تماماً عن أي تأثير للسلطة التنفيذية. فهل قضاؤنا كذلك؟
ان ما يطعن في استقلالية قضائنا انه بدا ملتزماً الصمت ومتخذاً موقف المتفرج حيال تدخلات مختلفة للحكومة والبرلمان في قضايا ومناسبات مختلفة، وسمعنا عن ملاحقات لمسؤولين كبار توقفت فجأة من دون أي تبرير أو تسويغ.
وفي خصوص قضية الهاشمي فثمة أسئلة ملحّة تحتاج الى إجابة دقيقة من السلطة القضائية بالذات: لماذا تُرك الإعلان عن القضية الى ممثلي السلطة التنفيذية وليس الى ممثلي القضاء؟ ألم يكن من المفروض، بدلاً من الضجة التي أحدثتها الحكومة ووسائل دعايتها بمؤتمراتها الصحفية والاعترافات المتلفزة، أن تأخذ الأمور مجراها الطبيعي بان يستدعي القضاء الهاشمي باعتباره متهماً ليجري تدوين أقواله في الاتهامات والاعترافات، ثم يقرر القضاء بنفسه وبمحض إرادته ما اذا كان سيضع الهاشمي رهن الحجز والاعتقال أو أن يُطلق سراحه بضمان عنوانه ووظيفته مثلاً؟ واذا كان القضاء متيقناً من الأدلة التي قدّمها المعترفون فلماذا سُمح للسلطة التنفيذية أن تترك الهاشمي يغادر مطار بغداد بعد احتجاز دام ثلاث ساعات واعتقال عدد من أفراد حمايته؟
ومن الأسئلة الملحة أيضاً التي يقتضي أن تجيب عليها السلطة القضائية، إن كانت مستقلة عن حق: ثمة العشرات من قضايا التفجير والقتل الجماعي المتهم فيها أشخاص ومجموعات من مختلف الكتل والائتلافات والقوى الحاكمة، فلماذا يقتصر الأمر على قضية تفجير البرلمان، من دون التقليل من شأنها، وهل سيتحرر القضاء من قيوده ليتعامل مع سائر المتهمين في القضايا الأخرى بالأسلوب نفسه والطريقة ذاتها؟
نسأل ونُلحّ في السؤال لأننا نريد قضاء مستقلاً سيداً، نسند إليه ظهورنا باطمئنان.
المدى